حقوق الإنسان في ميثاق الأمم المتحدة

حقوق الإنساني في ميثاق الأمم المتحدة

يوصف ميثاق الأمم المتحدة بأنه " حجر الأساس ، للقانون الدولي لحقوق الإنسان ، وذلك لأنه ساهم ولأول مرة في تدويل حماية حقوق الإنسان وإدخالها للقانون الدولي الوضعي .

 

 

لقد بدأت ديباجة ميثاق الأمم المتحدة بإشارة صريحة للحقوق الأساسية للإنسان ولكرامته فنصت على : " نحن شعوب الأمم المتحدة وقد آلينا على أنفسنا : أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب التي في خلال جيل واحد جلبت على الإنسانية مرتين أحزاناً يعجز عنها الوصف ، وأن نؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره وبما للرجال والنساء والأمم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية ... وأن ندفع بالرقي الاجتماعي قدماً ، وأن نرفع مستوى الحياة في جو من الحرية أفسح .. قد قررنا أن نوحد جهودنا لتحقيق هذه الأغراض " .

مما لا شك فيه أن مقاصد وأغراض الأمم المتحدة ، كما وردت في ديباجة ميثاق الأمم المتحدة ، تعكس رأياً عالمياً معاصراً ، وإن الوظيفة الأولى للأمم المتحدة تتمثل في حفظ السلم والأمن الدولي ( المادة / 1 من الميثاق ) . وقد بات راسخاً اليوم الاعتقاد بأن الاحترام العام لحقوق الإنسان ولحرياته الأساسية شرط لحفظ السلم والأمن الدولي ، بل ولاحترام القانون عموماً .

وتعزز الهدف الخاص بتنمية حقوق الإنسان في المادة ( 1) من الميثاق المخصصة لمقاصد الأمم المتحدة ، فقد جعل الميثاق من بين هذه المقاصد " إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن بكون لكل منها تقرير مصيرها ، وكذلك اتخاذ التدابير الأخرى الملائمة لتعزيز السلم العام " ( الفقرة الثانية " ، و " تحقيق التعاون الدولي على حل المسائل الدولية ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية وعلى تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعاً والتشجيع على ذلك إطلاقاً بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء " ( الفقرة الثالثة ) .

وتتضمن النصوص آنفة الذكر إشارات ضمنية للصلة بين حقوق الإنسان والمحافظة على السلم والأمن الدولي ، وقد ربط الميثاق صراحة بين هذين الأمرين في الفقرة ( ج ) من المادة ( 55 ) التي نصت على : " رغبة في تهيئة دواعي الاستقرار والرفاهية الضروريين لقيام علاقات سليمة ودية بين الأمم مؤسسة على احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها ، تعمل الأمم المتحدة على ... أن يشيع في العالم احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ، ولا تفريق بين الرجال والنساء ، ومراعاة تلك الحقوق والحريات فعلاً " .

إن تضمين ميثاق الأمم المتحدة عدداً من الإشارات إلى حقوق الإنسان كان يعد مسألة راديكالية وثورية في حينه . وهو يمثل إقراراً بدور القانون الدولي في حماية حقوق الأفراد و " طلقة الخلاص " على مفهوم " الاختصاص الإقليمي المانع " في مواجهة مواطني الدولة والمقيمين فوق إقليمها .

من المسائل الملفتة للانتباه أن الأحكام ذات الصلة بحقوق الإنسان الواردة في ميثاق الأمم المتحدة تتصف بأنها " مبعثرة ، محكمة أو موجزة وغامضة " . فلم يشتمل الميثاق على نظام شامل يعالج حقوق الإنسان ، ولم يرد فيه كذلك أي تعريف للحقوق الواجب احترامها وحمايتها من جانب الدول . وعلى أي حال ، فإن النص الحالي لميثاق الأمم المتحدة - رغم ما يعتريه من نقص بشأن حقوق الإنسان - أكثر رحابة من المشروع الأصلي الذي عرض على مؤتمر دمبارتن أوكس . لقد عارض الاتحاد السوفيتي السابق وبريطانيا تضمين الميثاق إشارات لحقوق الإنسان ، لكن الرأي الغالب في مؤتمر سان فرانسيسكو ذهب لصالح الإشارة إلى وجوب احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية ، واتخذ القرار بالنتيجة للاكتفاء بهذه الإشارة دون إلحاق شرعة بحقوق الإنسان بميثاق الأمم المتحدة .

لقد عمدت الأمم المتحدة إلى مقاربة تختلف كلياً عن المقاربة التي لجأت عصبة الأمم إليها ، فلم تلجأ إلى حماية الأقليات - وهي المهمة التي أخفقت عصبة الأمم في تحقيقها - بل تبنت فكرة المساواة بين الجميع بدلاً من حماية الأقليات ، لكنها بعد سنوات قليلة من العمل ، انتهت إلى أن تحقيق المساواة بين سائر الأفراد يستوجب أيضاً حماية حقوق الأقليات ومنحها معاملات تفضيلية ( تمييز معكوس ) لتغدو متساوية مع غيرها .

وقد حققت الأمم المتحدة فعلاً خطوات كبيرة في مجال حماية حقوق الإنسان ، وذلك من خلال آليات ووسائل عديدة منها : وضع مشاريع الاتفاقيات والمقررات ، ممارسة الضغط السياسي على الدول ، إدانة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وإنشاء المحاكم الجنائية الدولية لمعاقبة مرتكبي أشد هذه الانتهاكات جسامة .

المطلب الثالث

دور الأجهزة الرئيسة للأمم المتحدة في مجال حماية حقوق الإنسان

من الناحية النظرية ، يفترض أن كل جهاز تابع للأمم المتحدة له صلة بحقوق الإنسان . ولكن الغياب التنظيمي للأمم المتحدة يكشف من الناحية العملية أن مسؤولية النهوض بمهام الأمم المتحدة في مجال إشاعة أو تشجيع الاحترام العالمي لحقوق الإنسان تقع أساساً على عاتق عدد من الأجهزة الرئيسة للأمم المتحدة ، على رأسها الجمعية العامة التي ليس لمقرراتها في الأساس صفة قانونية الزامية ( المادة 13 من الميثاق ) . كما أن مجلس الأمن يتمتع بدور لا بأس به في مجال حماية حقوق الإنسان ، وهو دور أصبح أكثر وضوحاً للعيان في العقد الأخير من القرن المنصرم ، وذلك لأن مجلس الأمن صاحب المسؤولية الأولى عندما يكون الإخلال بالسلم والأمن الدولي ناجماً عن انتهاكات جسيمة وواسعة لحقوق الإنسان . ويتمتع المجلس الاقتصادي والاجتماعي بدوره بوظائف ذات صلة بحقوق الإنسان ، مع أنه لا يملك إلا إصدار توصيات ليست ملزمة قانوناً ( المادة 62 ) . كما يعهد الميثاق ببعض الاختصاصات المتصلة بهذا المجال إلى كل من محكمة العدل الدولية والأمانة العامة ، ويقوم عدد من الأجهزة الرئيسة بوظائفها ذات الصلة بحقوق الإنسان من خلال أجهزة فرعية أنشئت استناداً إلى نصوص الميثاق وفوضت القيام بمهام تتعلق بحماية حقوق الإنسان .

الفرع الأول : مجلس الأمن

عهد ميثاق الأمم المتحدة إلى مجلس الأمن التبعات الرئيسة في مجال حفظ السلم والأمن الدولي . وهو يعمل تحقيقاً لهذه الغاية بمعزل عن مبدأ عدم جواز التدخل في الشؤون الداخلية للدول ( المجال المحفوظ ) المنصوص عليه في المادة ( 2 / 7 ) من الميثاق .

لقد تحاشى مجلس الأمن في سنواته الأولى التدخل في المسائل أو الحالات أو الأوضاع أو المواقف التي تتصل بحقوق الإنسان ، وقد عزز هذا الموقف من جانب مجلس الأمن الفصل الفعلي في السلطات بين مجلس الأمن والجمعية العامة ، فهذان الجهازان الرئيسان للأمم المتحدة لا يتقاسمان الاختصاص أو الصلاحية في حالة تنازع الاختصاص ، فالجمعية العامة تتوقف عن نظر مسألة ما عندما يباشر مجلس الأمن سلطاته الممنوحة له بمقتضى الميثاق بصددها .

لقد كشفت السوابق التاريخية حقيقة أن نزاعات دولية عديدة نشأت جراء انتهاكات لحقوق الإنسان ولحقوق الأقليات ، وأن عدم احترام الحقوق الأساسية للإنسان قد يشكل تهديداً للسلم والأمن الدولي أو إخلالاً به . ولا تقتصر هذه الحقيقة على السوابق التاريخية . فالميثاق ذاته في المادة ( 2 / 1 ) منه يقرر أن مقصد الأمم المتحدة في إنماء العلاقات الودية بين الأمم يستند في الأساس على الاحترام المتبادل لمبدأ المساواة وللمحافظة على السلم والأمن الدولي . وبينما قد تؤدي خروقات حقوق الإنسان إلى نشوء نزاعات بين الدول ، فإن المجلس قد يتخذ ما يراه مناسباً من التدابير لحفظ السلم والأمن الدولي بموجب أحكام الميثاق .

يحدد الفصل السادس من الميثاق ( المواد 33 - 38 ) أساليب حل النزاعات الدولية سلمياً ، في حين يحدد الفصل السابع منه ( المواد 39 - 51 ) الأعمال أو التدابير التي يتعين اتخاذها في حالات تهديد السلم أو الإخلال به أو وقوع عمل من أعمال العدوان .

ووفقاً للمادة ( 34 ) من الميثاق " لمجلس الأمن أن يفحص أي نزاع أو أي موقف قد يؤدي إلى احتكاك دولي أو قد يثير نزاعاً لكي يقرر ما إذا كان استمرار هذا النزاع أو الموقف من شأنه أن يعرض للخطر حفظ السلم والأمن الدولي " . ومثل هذه النزاعات أو المواقف كثيراً ما تنجم جزئياً عن الخروقات الجسيمة والمنهجية وقد تصطحب بها . وهكذا يجد المجلس ذاته معنياً بمشاكل حقوق الإنسان ... وفي حالات قصوى ، قد " يقرر " وفقاً للمادة ( 39 ) أن " موقفاً " يصطحب بخروقات جسيمة أو جدية للغاية لحقوق الإنسان ، يشكل تهديداً للسلم ، وقد يقرر تبعاً لذلك أن تقوم الأمم المتحدة باتخاذ تدابير تنفيذية لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه . وللمجلس الكلمة الأخيرة في هذه المسائل .

وقد بحث المجلس موضوعات ومشاكل عديدة ذات صلة بحقوق الإنسان أهمها :

أولاً " الحق في تقرير المصير

دافع مجلس الأمن ، كجزء من استراتيجية وسياسته الخاصة بتصفية الاستعمار ، في مناسبات عديدة عن الحق في تقرير المصير للشعوب كافة . ففي حالة روديسيا الجنوبية ، رفضت الأمم المتحدة الاعتراف بالإعلان المنفرد الصادر عن نظام سميث بالاستقلال ، واعتبرته لاحقاً منطوياً على تهديد للسلم وتعامل المجلس مع الوضع بمقتضى صلاحياته المرسومة في الفصل السابع من الميثاق . أصدر المجلس قرارات متعددة تدعو المملكة المتحدة إلى احترام حقوق الإنسان في روديسيا الجنوبية ، وفرض عدداً من الجزاءات على النظام العنصري الذي كان موجوداً حينذاك . وبحث المجلس مراراً الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة ، وأكد على وجوب احترام حقوق الشعب الفلسطيني وأهمها حقه في تقرير المصير .

وقام مجلس الأمن أيضاً في هذا المجال بإقرار عد\د من الاستفتاءات الإقليمية بغية ضمان تمتع عدد من الشعوب بالحق في تقرير المصير وتمكينها من ممارسته بفعلية ، ومن أهم هذه الحالات حالة تيمور الشرقية التي سنتطرق إليها عند بحث الحق في تقرير المصير في الجزء الثاني من الكتاب .

ثانياً : التدخلات العسكرية الجماعية ذات الطابع الإنساني :

ينظر اليوم لقرارات مجلس الأمن كمصدر مهم للقانون الدولي لحقوق الإنسان ، خاصة قراراته المستندة إلى الفصل السابع ذات الصفة الإنسانية . لقد بدا مجلس الأمن أكثر اهتماماً وارتباطاً الآن ، وأكثر من أي وقت مضى ، بالأنشطة الدولية الإنسانية . فمنذ نهاية الحرب الباردة أجاز مجلس الأمن تدخلات إنسانية عديدة في يوغسلافيا السابقة منذ العام 1992 ، في الصومال في عام 1992 وفي هاييتي وسير اليون وغيرها من المناطق التي شهدت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان الأساسية . كما أبدى مجلس الأمن اهتماماً شديداً بالنزاع القائم بين سلطات الاحتلال الإسرائيلي والفلسطينيين وبآثاره وتداعياته الإنسانية في الأراضي المحتلة .

ثالثاً : إنشاء المحاكم الجنائية الدولية الخاصة

توجت أنشطة مجلس الأمن ذات الصلة بحقوق الإنسان بإنشائه في عامي 1993 و 1994 تباعاً استناداً إلى صلاحياته الواردة في الفصل السابع من الميثاق محكمتين جنائيتين دوليتين خاصتين بالنظر في الجرائم المرتطبة في يوغسلافيا السابقة ورواندا . ولعل الحق في الحياة يتبوأ سدة اهتمامات مجلس الأمن المتعلقة بحقوق الإنسان ، فالملاحظ أنه في الحالات التي تنطوي على انتهاكات جسيمة لهذا الحق - سواء اتخذ شكل الانتهاك جريمة إبادة جماعية أم جريمة ضد الإنسانية أم جريمة حرب - يبادر المجلس إلى إدانة الوضع واتخاذ التدابير الملائمة سنداً لأحكام الفصل السابع من الميثاق ، وكان من أهمها إنشاء المحكمتين المشار إليهما لمعاقبة مرتكبي جرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية في الدولتين المذكورتين .

تمثل المحكمة الجنائية الدولية الخاصة ليوغوسلافيا السابقة صورة لقضاء جنائي خاص أو مؤقت AD HOC غايته محاكمة ومعاقبة الأشخاص المسؤولين عن ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان الأساسية . وقد أنشئت هذه المحكمة ، التي أنيط بها محاكمة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني المرتكبة على إقليم يوغوسلافيا السابقة ابتداء من 1 / 1 / 1991 ، بموجب قرار مجلس الأمن رقم 827 ( 1993 ) الصادر في 25 / 5 / 993 ، بعد أن اعتمد المجلس نظامها الذي وضعه الأمين العام للأمم المتحدة في قراره رقم 808 ( 1993 ) المؤرخ في 22 / 2 / 1993 ) .

ويمثل إنشاء هذه المحكمة خطوة مهمة لمعاقبة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتطهير العرقي ، والذين يتعذر بدون ذلك تقديمهم إلى المحاكم الوطنية ، وذلك لأنهم عادة ما يكونون من كبار المسؤولين في الدولة الذين لا يعملون بصفتهم الشخصية بل يعملون في ممارستهم لوظائفهم باسم الدولة ولحسابها أو نيابة عنها . وبإنشاء هذه المحكمة انتصرت وجهة النظر القائلة بأن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية تعد وصمة عار في جبين الإنسانية ، وأنها تناقض مبادئ وأهداف الأمم المتحدة وتشكل في كثير من الأحيان تهديداً للسلم والأمن الدولي : مما يتعين معه العمل على عدم إفلات مرتكبيها من العقاب . ولم يلتفت إلى الآراء القائلة بأن اختصاص المحاكم الوطنية بالفصل في الجرائم التي ترتكب داخل حدود الدولة هو اختصاص مطلق ، ولا إلى الآراء القائلة بأن إنشاء مثل هذه المحاكم يمثل اعتداءاً على السيادة الوطنية للدولة ، ولأن المحكمة منشأة بقرار صادر عنه مجلس الأمن ، فإن الدول جميعها تكون ملزمة باحترام طلباتها وقراراتها وأحكامها وأوامرها ، وقد يحال الأمر إلى مجلس الأمن عندما تمتنع دولة أو أكثر عن الامتثال لطلبات وأحكام المحكمة .

وقد قرر النظام الأساسي لهذه المحكمة مبدأ المسؤولية الجزائية الفردية ، بمعنى أن الأشخاص الذين ارتكبوا أو أذنوا بارتكاب الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولية الإنساني كافة ، والذين يتحملون بالطبع مسؤولية ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان هم مسؤولين وملزمون فردياً بتبعة تلك الانتهاكات .

وأنشأ مجلس الأمن بمقتضى القرار رقم 995 ( 1994 ) الصادر سنداً للفصل السابع محكمة جنائية دولية خاصة لرواندا ( مقرها أروشا في تنزانيا ) لمحاكمة ومعاقبة الأشخاص المسؤولين عن جرائم الإبادة الجماعية وغيرها من الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني المرتكبة في إقليم رواندا أو في أراضي الدول المجاورة في الفترة من 1 / 1 - 12 / 1994 ، حتى لو لم يكن الشخص المتهم حاملاً للجنسية الرواندية .

لقد ساهمت هاتان المحكمتان بتطوير القانون الجنائي الدولي ، وقد تعزز هذا الأمر كذلك بعد إنشاء محكمة جنائية خاصة لسيراليون عقب طلب مجلس الأمن في قراره الصادر في 14 / 8 / 2000 من الأمين العام للأمم المتحدة التفاوض مع حكومة سيراليون بغية التوصل إلى اتفاق لإنشاء محكمة خاصة لمحاكمة ومعاقبة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية . وقد رفع الأمين العام للأمم المتحدة تقريره المتعلق بإنشاء هذه المحكمة والاتفاق بين الأمم المتحدة وحكومة سيراليون الخاص بهذه المسألة . كما ضمنه النظام الأساسي للمحكمة الذي أقره مجلس الأمن . إلا أن ذروة تطور القانون الجنائي الدولي تمثلت في إنشاء المحكمة الجنائية الدولية التي رأت النور في مدينة لاهاي عام 2002 ، والتي لم تنشأ بقرار من مجلس الأمن كما جرى في المحاكم الجنائية الدولية المذكورة آنفاً وإنما جرى اعتماد نظامها الأساسي بموجب معاهدة دولية يمكن لأي دولة أن تصبح طرفاً فيها كما سيجيء في حينه .

رابعاً : فرض الجزاءات :

يملك مجلس الأمن صلاحية فرض جزاءات ضد الدول التي لا تستجيب للالتزامات الدولية . وحتى عام 1990 ، لم يفرض المجلس جزاءات إلا ضد دولتين هما : روديسيا الجنوبية وجنوب أفريقيا . إلا أنه بعد هذا التاريخ شرع باتخاذ جزاءات ضد دول عديدة أهمها وأكثرها شمولية وسعة تلك التي فرضت ضد العراق لسنوات طويلة . وقد كشفت تقارير الأمم المتحدة ومنظمات دولية أخرى عن الآثار السلبية التي تنشأ عن هذه الجزاءات ، فهي تنطوي على آثار مريعة على حياة السكان المدنيين ؛ وهو ما بدا جلياً في حالة الجزاءات التي فرضت ضد العراق .

وقد أبرزت لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في تعليقها العام رقم ( 8 ) الصلة بين الجزاءات الاقتصادية واحترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، وانتهت إلى أن الهدف الوحيد للجنة من وراء اعتمادها لهذا التعليق - المعنون بالعلاقة بين الجزاءات الاقتصادية واحترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية - هو استرعاء الانتباه إلى أن سكان بلد معين لا يفقدون حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بسبب قيام قادتهم بانتهاك أعراف تتصل بالسلام والأمن الدوليين . وقد شددت اللجنة على أن الهدف ليس تقديم الدعم أو التشجيع لمثل أولئك القادة ، ولا تقويض أو إضعاف المصالح المشروعة للمجتمع الدولي في فرض الاحترام لأحكام ميثاق الأمم المتحدة والمبادئ العامة للقانون الدولي ، بل هو " الإصرار على أن الخروج على القانون من جانب ينبغي أن لا يقابله خروج على القانون من نوع آخر لا يهتم بالحقوق الأساسية التي تكمن وراء أي عمل جماعي من هذا القبيل ، وتضفي عليه الشرعية " .

قصارى القول هي أن لمجلس الأمن دوراً مهماً في حقوق الإنسان ، ولعل أكثر الانتقادات التي يمكن توجيهها إليه هي عدم قدرته على اتخاذ التدبير الملائم بحق أحد أعضائه الدائمين . وهو ما ظهر واضحاً في حالة التيبت حيث ترتكب الصين الشعبية خروقات جسيمة لحقوق الإنسان الأساسية وفي حالة الاحتلال الأمريكي للعراق حيث ارتكبت قوات الاحتلال فظائع وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان الأساسية . لكن هذا الانتقاد لا يمنع من الخلوص إلى أن المجلس معني بحماية حقوق الإنسان ، وأن الانتهاكات المنهجية لحقوق الإنسان ستظل مصدراً لنزاعات دولية ولاضطرابات إقليمية وعالمية ، مما يعني أن المجلس سيجد ذاته في مقبل الأيام - كما الآن - في رحى المسائل ذات الصلة بحقوق الإنسان .

الفرع الثاني : الجمعية العامة

تتألف الجمعية العامة من جميع أعضاء الأمم المتحدة ، فهي جهاز الديمقراطية المباشرة داخل المنظمة ، حيث تتجلى فيها المساواة بين الدول بصورة واضحة . تصدر الجمعية العامة مقرراتها ( التوصيات والقرارات ) في المسائل المهمة بأغلبية ثلثي الأعضاء الحاضرين والمشتركين في التصويت في حين تصدر مقرراتها في المسائل الأخرى بأغلبية الأعضاء الحاضرين المشتركين في التصويت .

يتصف الاختصاص الموضوعي RATIONE MAERIAE للجمعية العامة بالسعة وبالتنوع . فوفقاً لنص المادة ( 10 ) من ميثاق الأمم المتحدة تتمتع الجمعية العامة بصلاحية مناقشة " أية مسألة أو أمر يدخل في نطاق هذا الميثاق .. كما أن لها ... أن توصي أعضاء الهيئة أو مجلس الأمن أو كليهما بما تراه في تلك المسائل والأمور " .

وفي مجال حقوق الإنسان ، للجمعية أن تقوم بدراسات وتصدر توصيات بقصد " الإعانة على تحقيق حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس كافة بلا تمييز بينهم بسبب العنصر أو الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء " .

وقد قامت الجمعية العامة فعلاً بعدد من الدراسات المتصلة بقضايا حقوق الإنسان أهمها : التوصية رقم 43 / 115 / ( 1988 ) التي قامت الجمعية العامة بموجبها بتسمية السيد فيليب الستون خبيراً مستقلاً لمراجعة آلية عمل أجهزة الرقابة الاتفاقية - TREATY - MONITORING IES بغية تطوير كفاءة وفاعلية هذه الأجهزة على المدى الطويل ؛ التوصية رقم 56 / 115 ( 2001 ) التي أنشأت البرنامج العالمي للعمل الخاص بالأشخاص المعوقين والتوصية رقم 56 / 266 ( 2002 ) الخاصة بمتابعة المؤتمر العالمي ضد العنصرية والتمييز العنصري والتعصب وكافة أشكال عدم التسامح ذات الصلة .

تقتصر سلطات الجمعية العامة - كما هو واضح - على مجرد " المناقشة " و " الدراسة " و " التوصية " . وتعد هذه الأخيرة بمثابة السلاح الرئيس للأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان . وتعتمد الجمعية العامة إعلاانات واتفاقيات حقوق الإنسان عن طريق مقررات ( هي في حقيقتها توصيات ) . وتعرض الاتفاقيات التي تعتمدها للتوقيع والتصديق أو الانضمام من جانب الدول . ومن الناحية الفنية المحضة ، لا تخلق التوصيات التزامات قانونية على عاتق الدول ، وإن كان هذا لا يعني أنها تفتقر لأية قيمة أو لأي أثر . فالدول التي أصبحت أعضاءً في الأمم المتحدة بمحض إرادتها ملزمة بدراسة التوصيات الصادرة عنها بعناية وبحسن نية . ويبدو أن إحساس هذه الدول بقيمة هذه التوصيات هو الذي يدفع المعارضة لها لأن تؤكد على تحفظها على مضمونها . وقد تكون ملزمة وفقاً للمادة ( 56 ) من الميثاق باتخاذ موقف إيجابي من هذه التوصيات .

وتنطبق هذه الملاحظة بصفة خاصة على تواصي الجمعية العامة المعتمدة بالإجماع أو بالتوافق ، والتي يأتي في مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمدته الجمعية العامة في 10 / 12 / 1948 ، والذي أصبح جزءاً من " القانون النافذ فعلاً أو " القانون الصلب " DROIT MUR / HARD LAW ؛ وذلك من خلال العهدين الدوليين لحقوق الإنسان وهو ما سنبينه بالتفصيل في موضع لاحق من هذا الفصل . ومنها كذلك الإعلان الخاص بحقوق الطفل ( 1959 ) ، الإعلان الخاص بالقضاء على كافة أشكال التمييز العنصري ( 1963 ) ، الإعلان الخاص بالقضاء على التمييز ضد المرأة ( 1967 ) ، الإعلان الخاص بالقضاء على كافة أشكال عدم التسامح والتمييز القائم على الدين أو المعتقد ( 1981 ) والإعلان الخاص بحقوق الأشخاص المنتمين لأقليات قومية أو إثنية ؛ دينية أو لغوية ( 1992 ) . وقد جرى تحويل مضمون العديد من هذه الإعلانات إلى صكوك دولية اتفاقية ملزمة للدول الأطراف فيها . وقد تصبح هذه التوصيات ذات أثر في مواجهة الدول الأعضاء فيما تتضمنه من تنظيم لعمل أجهزة الرقابة الاتفاقية أو من ترتيبات تتعلق بسياسة حقوق الإنسان في مجالات معينة .

تحيل الجمعية العامة عادة الموضوعات المتعلقة بحقوق الإنسان إلى لجنة الشؤون الاجتماعية والإنسانية والثقافية ( اللجنة الثالثة ) . ولكن لجاناً أخرى تابعة للجمعية العامة قد تنظر بدورها في الموضوعات المذكورة . وقد تنظر الجمعية العامة مباشرة بهذه الموضوعات دون أن تحيلها إلى أي من اللجان الرئيسة التابعة لها .

وللجمعية العامة بموجب المادة ( 22 ) من الميثاق أن تنشئ أجهزة فرعية تراها ضرورية للقيام بوظائفها . وهي تدعو من آن لآخر الدول إلى ضمان احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية .

وتدل الممارسة العملية على أن مقررات الجمعية العامة في المسائل المتصلة بحقوق الإنسان تصدر عادة بأغلبية تفوق ثلثي الدول الأعضاء . بل إن مقررات عديدة في هذه المسائل - ومن بينها قرار اعتماد العهدين الدوليين لحقوق الإنسان - قد جرى اتخاذها دون معارضة أي من الدول الأعضاء .

ومن أبرز أنشطة الجمعية العامة دعوتها إلى اجتماعين عالميين بشأن حقوق الإنسان عقد الأول منهما في طهران في شهري نيسان وأيار 1968 ، بحضور ممثلي ( 84 ) دولة ، وأصدر إعلاناً جاء فيه أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان " يشكل التزاماً على كاهل أعضاء المجتمع الدولي " .

أما المؤتمر الثاني فهو المؤتمر فهو المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان الذي عقد في فيينا في الفترة ما بين 4 - 25 / حزيران / 1993 . وقد شارك في أعمال المؤتمر ممثلو ( 171 ) و ( 7000 ) شخص ، بما في ذلك ممثلو ما يزيد على ( 800 ) من المنظمات غير الحكومية . وكان على المؤتمر أن يجيب على عدة تساؤلات : التقدم المحرز في ميدان حقوق الإنسان منذ صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 ، العقبات القائمة وكيفية التغلب عليها ، سبل تعزيز تنفيذ صكوك حقوق الإنسان ، مدى فعالية الأساليب والآليات التي أنشأتها الأمم المتحدة وحجم الموارد المالية التي ينبغي تحقيقها لما تبذله الأمم المتحدة من جهود لتعزيز حقوق الإنسان . وناقش المؤتمرون قضايا خلافية مثل السيادة الوطنية وعالمية حقوق الإنسان ودور المنظمات غير الحكومية وجدوى صكوك حقوق الإنسان الجديدة . وقد اعتمد المؤتمر بتوافق الآراء إعلان وبرنامج عمل فيينا ، الذي أقرته الجمعية العامة في دورتها الثامنة والأربعين بموجب القرار 48 / 121 في 20 / 12 / 1993 .

وأولى إعلان وبرنامج العمل اهتماماً خاصاً بحماية حقوق المرأة والطفل والشعوب الأصليين والجماعات الأقل حظاً والعمال المهاجرين .

وفيما يتعلق بالمرأة ، أوصى المؤتمر بالتصديق من جانب الدول كافة على اتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة حتى عام 2000 ، ودعا إلى تعيين مقرر خاص لمسألة العنف ضد المرأة . ودعا المؤتمر إلى التصديق العالمي على اتفاقية حقوق الطفل ( تحقق ذلك وأصبحت جميع الدول تقريباً أطرافاً في الاتفاقية ) . ويؤكد الإعلان على ضرورة التصديق على وجه السرعة على صكوك حقوق الإنسان الأخرى وضرورة توفير موارد إضافية لمركز حقوق الإنسان الذي قام بدور الأمانة العامة للمؤتمر العالمي . وأكد المؤتمر في عالمية حقوق الإنسان وعدم قابليتها للتجزئة ، مع اعترافه بأهمية الخصوصيات الوطنية والإقليمية ومختلف الخلفيات التاريخية والثقافية والدينية . كما أكد على أهمية الموضوعية وعدم الانتقائية لدى النظر في قضايا حقوق الإنسان . ودعا الدول إلى تضييق مدى التحفظات على الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وإلى الاعتراف باختصاص الهيئات المنشأة اتفاقياً للنظر في الشكاوى الفردية ضد الدول الأطراف في هذه الاتفاقيات .

كما دعا المؤتمر الجمعية العامة إلى إنشاء وظيفة مفوض سامي لحقوق الإنسان ، وقد قامت الجمعية في 20 / 12 / 1993 بإنشاء هذه الوظيفة واعتبر الموفض أميناً عاماً مساعداً للأمم المتحدة ، وسنتعرض لهذه الوظيفة عند معالجة دور الأمانة العامة في مجال حقوق الإنسان .

ومن المهام الأخرى للجمعية العامة في مجال حقوق الإنسان أنها تتلقى تقارير أجهزة الرقابة الاتفاقية المعنية بحقوق الإنسان من خلال المجلس الاقتصادي والاجتماعي . وتتم هذه العملية كجزء من عملية نشر التقارير في الحالات التي تخفق فيها الدول في الامتثال لالتزاماتها الناشئة عن اتفاقيات حقوق الإنسان ، كأن تمتنع عن إرسال التقارير الدورية الخاصة بالتزاماتها الناشئة عن إحدى اتفاقيات حقوق الإنسان .

إن للجمعية العامة دور أساسي في مجال حقوق الإنسان ، خاصة في مجال صناعة القواعد القانونية الناظمة لهذه المسألة وفي تنفيذ اتفاقيات حقوق الإنسان . وشأنها أي جهاز تابع للأمم المتحدة ، فهي لا تعالج القضايا ذات الصلة بحقوق الإنسان إلا في حدود السلطات والصلاحيات المقررة لها بمقتضى ميثاق الأمم المتحدة . ومن المألوف أن تمارس الجمعية هذه الصلاحيات في مجال حقوق الإنسان بصورة واسعة مفوضة إياها لأجهزة متخصصة كما سنبين ذلك لاحقاً .

الفرع الثالث : المجلس الاقتصادي والاجتماعي

يتألف المجلس الاقتصادي والاجتماعي من ( 54 ) عضواً تنتخبهم الجمعية العامة لمدة ثلاث سنوات من ممثلي الدول الأعضاء . ويعقد المجلس في العادة دورتين عاديتين ودورة تنظيمية كل سنة ، ويشارك في مسؤولية النهوض بمهام الأمم المتحدة الخاصة بتشجيع الاحترام العالمي لحقوق الإنسان إلى جانب الجمعية العامة التي يعمل المجلس تحت إشرافها ويرفع إليها تقريراً سنوياً .

وللمجلس وفقاً للمادة ( 62 / 2 ) من ميثاق الأمم المتحدة سلطة تقديم " توصيات فيما يختص بإشاعة احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية ومراعاتها " . وله كذلك " أن يعد مشروعات اتفاقيات لتعرض على الجمعية العامة بشأن المسائل التي تدخل في دائرة اختصاصه " . كما يحق له أن يدعو إلى عقد " مؤتمرات دولية لدراسة المسائل التي تدخل في دائرة اختصاصه " ؛ بما في ذلك المسائل المتصلة بحقوق الإنسان .

تقدم الهيئات الرقابية المنشأة بمقتضى اتفاقية حقوق الإنسان تقاريرها إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي يرفعها إلى الجمعية العامة . وبالإضافة إلى ما سبق ، يقوم المجلس بدور المنسق لعدد من برامج الأمم المتحدة ؛ بما في ذلك برنامج الأمم المتحدة للتنمية ، ويتلقى تقارير الوكالات المتخصصة مثل اليونسكو ومنظمة العمل الدولية ومنظمة الصحة العالمية .

ومن الشائع أن يمارس المجلس صلاحياته - استناداً لأحكام المادة ( 68 ) من الميثاق - من خلال أجهزة فرعية ، ومن هذه الصلاحيات تلك المتعلقة بتعزيز حقوق الإنسان ، أما أهم تلك الأجهزة الفرعية فهي :

أولاً : لجنة حقوق الإنسان :

تتألف لجنة حقوق الإنسان من ( 52 ) عضواً يختارهم المجلس لمدة ثلاث سنوات ، ويراعى في ذلك مبدأ التوزيع الجغرافي العادل . ويتم اختيارهم من ممثلي حكومات الدول وليس على أساس صفاتهم الشخصية . لقد اجتمعت اللجنة لأول مرة عام 1947 بهدف وضع مشروع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان . وبعد أن أنجزت اللجنة هذه المهمة ، أضحى هدفها وضع المعايير الخاصة بالحماية الدولية لحقوق الإنسان ؛ فمهمتها الأساسية التي تحددت في قراري إنشائها ( الصادرين في 1 / 2 / 1946 و 21 / 6 / 1945 عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي ) تكمن في تقديم اقتراحات وتوصيات وتقارير للمجلس حول :

أ - شرعة دولة لحقوق الإنسان .

ب - إعلانات أو اتفاقيات دولية حول الحريات المدنية ووضع المرأة وحرية الإعلام والمسائل المشابهة .

جـ - تحريم التمييز على أساس العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين .

د - أية مسألة أخرى تتعلق بحقوق الإنسان ولا تشملها البنود السابقة .

وقد وضعت اللجنة أيضاً مشروعي العهدين الدوليين لحقوق الإنسان ومشروعات العديد من الإعلانات والاتفاقيات المتعلقة بحقوق الإنسان والتي أقرتها الجمعية العامة بعد ذلك .

وتدرس اللجنة في دوراتها السنوية التي تعقد في جنيف في أوائل شهر شباط من كل عام ولمدة ستة أسابيع ، أوضاع حقوق الإنسان في العالم ، وكثيراً ما تدعو الدول إلى مراعاة حقوق الإنسان والحريات الأساسية . وتعين اللجنة من بين أعضائها مقررين أو ممثلين للقيام بدراسات معينة في مجال حقوق الإنسان . وعقب إعلان فيينا وبرنامج عمل عام 1993 ، ركزت اللجنة أنشطتها على تقديم المعونة الفنية والتعاون مع مختلف الدول لحماية وتعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وحقوق المجموعات الضعيفة أو المحرومة .

فعلى سبيل المثال ، هناك مقررون خاصون ومجموعات عمل الآن تعني بالحق في التعليم ، وأخرى تعمل في مجال الحق في الغذاء وأخرى تعني بالحق في المسكن الملائم . أما فيما يتعلق بالمجموعات الضعيفة أو المحرومة ، فهناك مقررون خاصون معنيون بحقوق الإنسان وبالحريات الأساسية للشعوب الأصليين ، وبحقوق المهاجرين وبالعنف ضد المرأة .

ويشار في هذا الخصوص إلى أن فرق العمل أو المقررين الخاصين ، الذين تقرر اللجنة إجراء تحقيق ما في بلد معين من خلالهم ، يملكون تقديم تقارير وإبداء توصيات إلى اللجنة وإلى الجمعية العامة ، ومن حقهم أيضاً عند وقوع انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان اتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة .

وتقوم لجنة حقوق الإنسان بتقديم تقارير سنوية عن أوجه نشاطها إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي ، الذي يمكنه أن يوجه إليها تعليمات أو مبادئ توجيهيه .

وإلى جانب الصلاحيات والاختصاصات آنفة الذكر ، تتلقى لجنة حقوق الإنسان بلاغات فردية سنداً لقرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي رقم 1503 ( 1970 ) . إن هذا القرار الأخير الذي أسند للجنة اختصاصاً لم تتمتع به ابتداءً جاء ثمرة كفاح طويل للحركات المناهضة للاستعمار وللفصل العنصري . وبموجب الإجراء 1503 ، تقوم اللجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات بفحص ودراسة بلاغات تقدم من أفراد أو مجموعات يقوم الدليل بصددها على وجود انتهاكات جسيمة وواسعة لحقوق الإنسان . وقعد ذلك ، قد تقوم لجنة حقوق الإنسان بإجراء دراسة خاصة بالدولة أو المنطقة ذات الصلة بهذه الانتهاكات ، وفي كل الأحوال ، يتم هذا الإجراء برضا الدولة المعنية وبالتنسيق معها . وقد يصدر المجلس الاقتصادي والاجتماعي توصية على أسا التقرير الصادر سنداً للإجراء 1503 .

وقد قامت لجنة حقوق الإنسان بمراجعة هذا الإجراء الذي يتسم بالسرية عام 2000 ، ورغم ذلك ما زال يطلق عليه الإجراء 1503 . لقد أقر المجلس الاقتصادي والاجتماعي في قراره رقم 3 / 2000 المعنون بـ " إجراء للتعامل مع البلاغات ذات الصلة بحقوق الإنسان " ، فكرة إنشاء فريق عمل خاص بالبلاغات مؤلف من أعضاء اللجنة الفرعية لتشجيع وحماية حقوق الإنسان ( وهو الاسم الجديد الذي أطلقه المجلس الاقتصادي والاجتماعي على اللجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات عام 1999 ) .

يجتمع فريق العمل سنوياً ليفحص البلاغات والعرائض التي يقدمها الأفراد والجماعات المتضمنة الادعاء بوجود انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان . فإذا وجد فريق العمل أن هناك أدلة معقولة على وجود انتهاكات منهجية وواسعة لحقوق الإنسان ، يحال الموضوع لفريق عمل خاص بالأوضاع WORKING GROUPS ON SITUATIONS التي تقرر بدورها إحالة المسألة إلى لجنة حقوق الإنسان أو عدم إحالتها . فإن أحيلت ، تجتمع اللجنة في جلسة مغلقة وتدعو حكومة الدولة المعنية لبيان ملاحظاتها ثم تفحص النتائج التي توصل إليها فريق العمل الخاص بالأوضاع قبل أن تصل إلى قرارها النهائي .

ويعلن رئيس لجنة حقوق الإنسان علانية الدولة التي خضعت أوضاع حقوق الإنسان فيها إلى فحص بمقتضى الإجراء 1503 ، بينما تبقى التقارير للاستخدام الخاص ولا تنشر إلا إذا وافقت الدولة المعنية على نشرها .

ومن الطبيعي أن تلجأ لجنة حقوق الإنسان في بعض الحالات - بسبب العقبات المحيطة بالإجراء 1503 وتجنباً لشرط رضا الدولة المعنية - إلى إنشاء جهاز مؤقت أو خاص ADHOC للتحقيق أو أن تعين مقرراً خاصاً .

ويؤخذ على لجنة حقوق الإنسان الانتقائية والتسييس في بعض الأحيان ، وكثيراً ما ترفض الدول التعاون مع فرق التحقيق التي تنشؤها اللجنة مما يؤدي إلى عدم فعاليتها . كما أن طريقة تكوين اللجنة تجعل منها هيئة سياسية تتمتع بصلاحيات أوسع من تلك المقررة لها من جانب الدول . ورغم ذلك ، أدت اللجنة دوراً لا يستهان به في زيادة الاهتمام بحقوق الإنسان وبالقضايا المتصلة بها في الأمم المتحدة ، وبزيادة الوعي بهذه المسألة الحيوية والنبيلة في العالم أجمع . وقد أنشأت اللجنة في دورتها الأولى المعقودة عام 1947 اللجنة المعنية بحرية الإعلام والصحافة واللجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات ، غير أن اللجنة الأولى توقفت عن العمل منذ العام 1952 ، أما اللجنة الثانية ، فقد استبدل اسمها عام 1999 ، بـ " اللجنة الفرعية لتشجيع وحماية حقوق الإنسان " .

ثانياً : اللجنة الفرعية لتشجيع وحماية حقوق الإنسان

في عام 1946 ، أنشئت اللجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات كجهاز فرعي تابع للمجلس الاقتصادي والاجتماعي وللجنة حقوق الإنسان . وقد كرست هذه اللجنة التي تتألف من ( 26 ) عضواً وتتمتع بوظيفة استشارية وفنية شطراً من أعمالها وأنشطتها لحماية حقوق الأقليات كإحدى الجماعات الضعيفة أو المحرومة . وفي عام 1999 ، أقر المجلس الاقتصادي والاجتماعي تبديل اسمها ليصبح " اللجنة الفرعية لتشجيع وحماية حقوق الإنسان " . كما كان العام 1999 هو العام الأخير الذي اجتمعت فيه اللجنة في دورة واحدة مدتها أربعة أسابيع ، فمنذ عام 2000 أصبحت دوراتها لمدة ثلاثة أسابع ؛ مما حدا باللجنة ذاتها في دورتها المعقودة عام 2001 أن تطلب من لجنة حقوق الإنسان الإبقاء على الأسبوع الرابع من دورتها السنوية ، وذلك بالنظر لجدول أعمالها المهم والمعقد والواسع ولدورها وأهمية عملها بالنسبة للجنة حقوق الإنسان . تتمثل مهمة اللجنة الفرعية أساساً بالاضطلاع بدراسات وتقديم توصيات إلى لجنة حقوق الإنسان ، وذلك فيما يتعلق بمنع التمييز من أي نوع في مجال حقوق الإنسان والحريات الأساسية وحماية الأقليات العرقية والقومية والدينية واللغوية . كما أنيط باللجنة أيضاً القيام بأية وظيفة يطلبها المجلس الاقتصادي والاجتماعي أو لجنة حقوق الإنسان ( قرار المجلس المؤرخ في 21 / 6 / 1946 ) .

وتنتخب لجنة حقوق الإنسان أعضاء اللجنة الفرعية من بين الخبراء الذين ترشحهم الدول الأعضاء في الأمم المتحدة على أساس التوزيع الجغرافي العادل ولمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد . ويمارس أعضاء اللجنة وظائفهم بصفتهم الشخصية كخبراء وليس بصفتهم ممثلين عن حكوماتهم كما هو الحال في لجنة حقوق الإنسان .

تشمل الدراسات الحالية التي تقوم بها اللجنة الفرعية العولمة وتداعياتها على التمتع الكامل بحقوق الإنسان ، وتطبيق الحق في الشرب والصحة . ويتبع اللجنة الفرعية فرق عمل تختص بمسائل معينة ، وكثيراً ما عهدت اللجنة لمقررين خاصين بمهمة إعداد دراسات في مجال اختصاصها .

ثالثاً : لجنة مركز المرأة :

تتألف لجنة مركز المرأة التي أنشأها المجلس الاقتصادي والاجتماعي في عام 1946 من ( 45 ) عضواً ينتخبهم المجلس لمدة أربع سنوات كممثلين عن دولهم وليس بصفتهم الشخصية ، ومع مراعاة مبدأ التوزيع الجغرافي العادل .

وتتلخص مهام اللجنة في إعداد توصيات وتقارير للمجلس بشأن تعزيز حقوق المرأة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية ، كما تختص اللجنة برفع توصيات إلى المجلس بِشأن المشكلات العاجلة التي تستدعي انتباهاً فورياً في ميدان حقوق المرأة . وقد وسع المجلس بناءً على توصية اللجنة في دورتها الأولى ( 1947 ) من مهام اللجنة لكي تشمل تعزيز الحقوق المدنية للمرأة . وأكد المجلس صراحة بأن توصيات اللجنة في المجالات العاجلة التي تهم حقوق المرأة يجب أن تتوخى التطبيق الواقعي لمبدأ المساواة بين الرجال والنساء ، وأن على اللجنة أن تقدم مقترحاتها لإعمال مثل هذه التوصية ( قرار المجلس 48 ( 4 ) لعام 1947 ) .

وتجتمع اللجنة في دورة عادية سنوياً ، وتؤدي المنظمات غير الحكومية التي لها صفة استشارية دوراً نشطاً في اجتماعاتها . وهي التي أعدت مشروعات الإعلانات والاتفاقيات الدولية الخاصة بالمرأة . وفي عام 1980 ، اعترف لها المجلس الاقتصادي والاجتماعي بصلاحية النظر في البلاغات الخاصة بانتهاك حقوق المرأة .

الفرع الرابع : الأمانة العامة

يتولى الأمين العام للأمم المتحدة ، الذي هو أعلى موظف في المنظمة ، أعماله بصفته هذه في كل اجتماعات الأجهزة الرئيسة للأمم المتحدة ( باستثناء محكمة العدل الدولية ) ، ويقوم بالوظائف التي تكلها إليه الأجهزة المذكورة . ويعد الأمين العام تقريراً سنوياً عن أعمال المنظمة وفقاً للمادة ( 98 ) من الميثاق . ويبذل الأمين العام مساعيه الحميدة في حالة الانتهاكات الجسيمة والواسعة أو الجماعية لحقوق الإنسان .

تتسم دبلوماسية حقوق الإنسان التي يمارسها الأمين العام بأنها دبلوماسية هادئة ، وهي تستند كما ذكرنا إلى مساعيه الحميدة ، وعادة ما تكون دبلوماسية فعالة . فقد استخدم الأمين العام مساعيه الحميدة في حالات عديدة بغية إعادة أسرى إلى أوطانهم ، أو لتقديم الإغاثة للاجئين أو لمساعدة قوافل الإغاثة في حالة الكوارث أو الحروب للوصول إلى المنكوبين أو لمنع مجازر وجرائم دولية ترتكب في مناطق معينة . وتعد إدارة الإعلام التابعة للأمانة العامة وتنشر دراسات تعريفية بأنشطة الأمم المتحدة في ميدان حقوق الإنسان . ويستطاع القول إن الأمانة العامة تمارس أغلب أنشطتها المتعلقة بحقوق الإنسان ، بالإضافة إلى الأمين العام ، من خلال :

أولاً - المفوض السامي لحقوق الإنسان :

يستمد مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان وظائفه من المواد ( 1 ) ، ( 13 ) و ( 55 ) من ميثاق الأمم المتحدة ، فمهمته الأساسية هي " حماية وتشجيع حقوق الإنسان للجميع " . وقد جرى دمج مركز حقوق الإنسان التابع للأمانة العامة مع مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان في عام 1997 لتحقيق أكبر قدر من الفعالية . وكنتيجة لذلك ، غدا مكتب المفوض السامي يقدم وظائف السكرتارية لهيئات الرقابة الاتفاقية .

يمارس المفوض السامي لحقوق الإنسان وظائفه ومهامه في جنيف . وقد أنشئت وظيفة المفوض السامي لحقوق الإنسان من قبل الجمعية العامة بموجب القرار رقم 48 / 141 الصادر في 20 / 12 / 1993 . واشترطت المادة الثانية من هذا القرار أن يكون المفوض السامي من الأشخاص المتمتعين بمكانة معنوية وأخلاقية رفيعة وأن يكون ذا خبرة في مجال حقوق الإنسان وفي فهم الحضارات والمدنيات المختلفة . يجري تعيين المفوض السامي بتنسيب من الأمين العام وبقرار من الجمعية العامة لمدة أربع سنوات ، مع مراعاة التناوب الجغرافي على هذا المنصب .

والمفوض السامي هو المسؤول الأول عن أنشطة الأمم المتحدة ذات الصلة بحقوق الإنسان ، ويعمل تحت إمرة وسلطة الأمين العام للأمم المتحدة ، وتشمل مهمة المفوض السامي لحقوق الإنسان : تشجيع وحماية حقوق الإنسان من خلال منظومة الأمم المتحدة ، تقديم الخدمات الاستشارية ، تقديم المعونة الفنية والمالية في مجال حقوق الإنسان ، المساهمة النشطة في إزالة العوائق التي تحول دون تحقيق وتطبيق حقوق الإنسان ، تعليم حقوق الإنسان وتنظيم البرامج التعليمية الهادفة إلى تشجيع حقوق الإنسان وتهذيب آلية الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان لزيادة فعاليتها وكفاءتها .

ويتمتع المفوض السامي لحقوق الإنسان بدور لا يستهان به في إدارة أنشطة الأمم المتحدة المتعلقة بحقوق الإنسان ، ولذلك درجت العادة على اختيار أشخاص مرموقين لتولي هذه الوظيفة .

ثانياً - مركز حقوق الإنسان :

حتى العام 1997 ، مارس المركز دوراً مهماً في مجال حقوق الإنسان ؛ فكان يعد الأداة الرئيسة للأمانة العامة في هذا الخصوص . وكانت وظائفه تشمل تقديم المشورة والمساعدة الفنية في مجال حقوق الإنسان للجمعية العامة وللجنتها الثالثة وللمجلس الاقتصادي والاجتماعي وللجنة حقوق الإنسان ، وللجنة الفرعية لمناهضة التمييز وحماية الأقليات . وللجان الرقابة المنشأة بمقتضى اتفاقيات حقوق الإنسان مثل لجنة مناهضة التمييز العنصري ؛ لجنة مناهضة التعذيب ، لجنة حقوق الطفل . ولكن المركز في العام المذكور جرى دمجه بمكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان وأصبح جزءاً منه .

الفرع الخامس : محكمة العدل الدولية :

محكمة العدل الدولية هي الأداة القضائية الرئيسة للأمم المتحدة ، وليس إلا للدول أهلية التقاضي في الدعاوي التي ترفع أمامها ، فهي ليست مختصة للنظر في دعاوي قد يرفعها ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان من الأفراد . ولكن ذلك لم يمنع المحكمة من البت في عدد من القضايا التي تمس حقوق الإنسان ، كما أصدرت عدداً من الآراء الاستشارية التي تتصل بهذا المجال .

من بين أحكام المحكمة المتصلة بحقوق الإنسان تخص بالذكر الحكم الصادر في القضية المعروفة باسم حق اللجوء بين كولومبيا وبيرو ( 13 تموز و 20 تشرين ثاني 1950 ) . ونظرت المحكمة دعوى أخرى رفعتها كل من أثيوبيا وليبيريا على جنوب أفريقيا عام 1960 ، للحكم بإخلال هذه الدول بالالتزامات التي يفرضها عليها نظام الانتداب على إقليم جنوب غرب أفريقيا ( الذي عرف باسم ناميبيا فيما بعد ) ، ولكن المحكمة قضت بعدم قبول الدعوى على أساس عدم ثبوت مصلحة مشروعة للدولتين المدعيتين .

وفي قضية برشلونة للقطر والإنارة ( بلجيكا ضد إسبانيا ) ، قررت المحكمة أن الحقوق الأساسية للكائن البشري تنشئ التزامات في مواجهة الكافة ERGA OMNES ، أي أن حقوق الإنسان ذات صفة موضوعية وليست تعاقدية . وقد سبق للمحكمة ذاتها أن أشارت بشأن مضيق كورفو إلى أن الدول يجب أن تخضع لبعض الالتزامات الناشئة عن وجوده بعض المبادئ العامة والمعترف بها ، كالاعتبارات الإنسانية المبدئية ، المفروضة في وقت السلم أكثر منها في وقت الحرب " . وقد انتهت المحكمة في هذه القضية بأن ألبانيا كانت ملزمة بالاعتراف بوجود حقل الألغام في مضيق كورفو ، وأن " تقوم بإخبار البوارج الحربية البريطانية ، في الوقت الذي كانت تقترب فيه وتنبهها إلى الأخطار الأكيدة التي ستتعرض لها في حقل الألغام " . وقد عادت المحكمة من جديد إلى هذه الاعتبارات في عدد من قراراتها ، ففي القرار الصادر عنها في 24 / 5 / 1980 الخاص بالرهائن الأمريكيين في طهران ، أوضحت المحكمة أنه يجب على إيران أن تفرج فوراً عن موظفي الهيئة الدبلوماسية والقنصلية للولايات المتحدة المحتجزين وقتذاك في طهران . وقد بررت المحكمة قرارها بأن تجريد الإنسان من حريته ووضعه في ظروف مؤلمة وممارسة الإكراه الجسدي عليه يعتبر متنافياً بصورة واضحة مع مبادئ الإنسانية والحقوق الأساسية .

وفي قضية الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا وضدها ( نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة ) ، أكدت المحكمة في حكمها الصادر في 27 / 6 / 1986 على وجوب احترام القانون الدولي الإنساني والمبادئ العامة المعترف بها ، كالاعتبارات الإنسانية

المبدئية" .

ونظرت محكمة العدل الدولية منذ آذار / 1992 في قضية تتعلق بتطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها ( البوسنة والهرسك ضد يوغوسلافيا ) . وقد استندت البوسنة والهرسك إلى المادة ( 9 ) من الاتفاقية لتبرير اختصاص المحكمة . وفي 18 نيسان 1993 ، أصدرت المحكمة أمراً طلبت فيه من يوغوسلافيا أن تتخذ في الحال كافة التدابير التي يوسعها لمنع ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية . وفي 11 / تموز / 1996 ، أعلنت المحكمة اختصاصها للحكم في الطعن المقدم من البوسنة والهرسك ، ولاحظت بأن تطبيق الاتفاقية بشأن مذابح الإبادة الجماعية ليس مرتبطاً بارتكابها خلال نزاع مسلح أم لا ؛ داخلي أو دولي .

وأوضحت المحكمة كذلك أن التزامات الدول الناشئة عن هذه الاتفاقية ليست مرتبطة بحدود أقاليمها فقط ، فالدول تكون ملتزمة بمنع ومعاقبة هذه الجريمة الدولية حتى لو وقعت خارج أقاليمها .

وفي قضية الحدود البرية والبحرية بين الكاميرون ونيجيريا ( التدابير المؤقتة ) ، استندت محكمة العدل الدولية إلى الغرض الأساسي للأمم المتحدة وهو حفظ السلم والأمن الدولي ، لتأمر باتخاذ التدابير المستعجلة اللازمة في حالة النزاعات المسلحة بغية ضمان الحق في الحياة لمواطني كلا الدولتين طرفي النزاع . لقد كان الحق في الحياة لهؤلاء الأشخاص عرضة للخطر بسبب استعمال القوة من طرفي النزاع ، لكن المحكمة اتخذت من صلاحيتها في تقرير تدابير مستعجلة كأداة لحماية هذا الحق .

ومن الأمثلة الأخرى على استناد محكمة العدل الدولية لنظرية التدابير المستعجلة بغية حماية حقوق الإنسان الأساسية قضية ( لاجراند ) ، ففي هذه القضية ، حكم على مواطنين يحملان الجنسية الألمانية بالإعدام من قبل المحاكم الأمريكية ، وقد لجأت ألمانيا في محاولة منها لوقف تنفيذ العقوبة إلى محكمة العدل الدولية طالبة إصدار تدابير مستعجلة لهذه الغاية ، ومستندة إلى انتهاك الولايات المتحدة لأحكام المادة ( 36 ) من اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963 . فقد امتنعت الولايات المتحدة عن إعلام المواطنين الألمانيين بحقهما المقرر في المادة المذكورة ، والمتعلق بالحصول على المساعدة القنصلية بعد توقيفهما من جانب السلطات الأمريكية . استجابت المحكمة للطلب الألماني ، فقررت تدابير مستعجلة فحواها وجوب اتخاذ حكومة الولايات المتحدة ما بوسعها لمنع تنفيذ عقوبة الإعدام . ولكن هذا الإجراء لم يسعف المحكمة في الحيلولة دون تنفيذ العقوبة . حيث قامت السلطات الأمريكية بإعدامه يوم 3 / 3 / 1999 عقب إصدار المحكمة لقرارها . أعادت المحكمة التأكيد على قرارها هذا في الحكم الصادر عنها في موضوع القضية ذاتها بتاريخ 27 / 6 / 2001 ، فقد أكدت على حجية قرارها المتعلق بالتدابير المستعجلة وعلى أن احترامه كان واجباً للحفاظ على حقوق أطراف النزاع المنظور أمامها .

في الواقع ، لم تحفل المحكمة في قضية LA GRAND بالإشارة صراحة إلى قيام المسؤولية الدولية بحث الولايات المتحدة على أساس عدم قانونية عقوبة الإعدام أو على أساس خرق أحكام الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان ، فقد خلصت المحكمة إلى أن الأخوين ( لاجراند ) انتهكت حقوقهما المقررة في المادة ( 36 / 1 ) من اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963 ، ولكنها أشارت من جانب آخر إلى أهمية الحق في الحياة المعترف به في القانون الدولي وإلى دول المادة ( 6 ) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 المتعلقة بحق الإنسان في الحياة .

ومن بين الآراء الاستشارية التي أصدرتها المحكمة ذات الصلة بحقوق الإنسان لابد من الإشارة إلى الرأي الاستشاري الصادر عنها بتاريخ 28 / 5 / 1951 بناء على طلب الجمعية العامة حول أثر التحفظات التي أبدتها بعض الدول على أحكام اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948 والاعتراضات التي أبديت على هذه التحفظات . وقد ذهبت المحكمة إلى " أن المبادئ الكامنة وراء الاتفاقية هي مبادئ تعترف بها الأمم المتحدة بأنها ملزمة للدول ، بصرف النظر عن أي التزام اتفاقي " . وكأن المحكمة هنا تود القول بأن الالتزامات الناشئة عن هذه الاتفاقية هي التزامات حجة على العموم ERAGA OMNES وأنها باتت جزءاً من القانون الدولي عام التطبيق .

ومن ناحية أخرى ، وجدت محكمة العدل الدولية ذاتها في عدة مناسبات أمام أسئلة وإشكاليات تتعلق بحقوق الشعوب ، فأصدرت آراء استشارية تعالج جوانب مختلفة تتصل بهذه الحقوق . ومن ذلك ما أصدرته بشأن ناميبيا . ففي 1 / 7 / 1950 ، أعلنت المحكم أن تخويل الأمم المتحدة لجنوب أفريقيا حكم منطقة جنوب غرب أفريقيا كان لصالح المنطقة والإنسانية عموماً ، وذلك بصفتها هيئة دولية أوكل إليها تحقيق غاية دولية ، وأنها " مهمة حضارية مقدسة " .

وخلصت المحكمة إلى استمرار انتداب عصبة الأمم على الإقليم ، وإلى التزام جنوب أفريقيا بالخضوع لإشراف الأمم المتحدة فيما يتعلق بإدارة الإقليم وإلى عدم وجود ما يلزم جتوب إفريقيا قانوناً بوضع الإقليم تحت الوصاية .

وفي رأيها الاستشاري الصادر بشأن الآثار القانونية المترتبة على الدول بسبب وجود جنوب إفريقيا المستمر في ناميبيا المؤرخ في 21 / 6 / 1971 ، أوضحت المحكمة أن جنوب إفريقيا ملتزمة في ناميبيا بمراعاة واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع دون تمييز .

وانتهت إلى أن هذه الدولة ملزمة بسحب إدارتها فوراً من ناميبيا ، ومن ثم إنهاء احتلالها للإقليم ، وأن سياسة الفصل العنصري المتبعة من جانبها في ناميبيا تشكل " إنكاراً لحقوق الإنسان الأساسية وتنطوي على انتهاك صارخ لمبادئ ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة " .

وفي رأيها الاستشاري الخاص بالصحراء الغربية ، تعرضت المحكمة لحق الشعوب في تقرير المصير بصورة أكثر عمومية . ولم تقم المحكمة بتحليل أو بمعالجة هذا الحق سنداً لأحكام المادة ( 2 / 1 ) من ميثاق الأمم المتحدة فقط ، ولكنها قامت بذلك على ضوء ما اعترى هذا الحق من تطورات لاحقة . وقد أوضحت المحكمة في رأيها الاستشاري الصادر عام 1975 أنه ليس هناك ما يفيد وجود أية سيادة إقليمية على إقليم الصحراء الغربية من جانب المملكة المغربية أو موريتانيا . ولم تجد المحكمة أية روابط قانونية من شأنها أن تمس بتطبيق قرار الجمعية العامة 1514 ( د - 15 ) بشأن منح الاستقلال للشعوب والبلدان المستعمرة.

حال البلد :

ملاحظة هامة : أفادنا الصديق خالد حمود أن نفس النصوص توجد مترجمة في الكتابين التاليين :

- محمد يوسف علوان- د/ محمد خليل الموسى, القانون الدولي لحقوق الإنسان, المصادر ووسائل الرقابة, دار الثقافة للنشر والتوزيع 2005م عمان.

- محمد يوسف علوان د/ محمد خليل الموسى, القانون الدولي لحقوق الإنسان, الحقوق المحمية, الجزء الثاني, دار الثقافة ,2007, الطبعة الأولى

بالنسبة لنا نحن نشكر الصديق خالد ونحفظ ما امكن للسيدين المحترمين حقوقهما في الكتابين الذين لم نتمكن للأسف من شراءهما حالياً و المادة المنشورة هي مادة تدرس في إحدى الجامعات الغربية باللغة الإنكليزية .

 

أنت الآن هنا