| فهرس المقال |
|---|
| حقوق الإنسان : من حقي أن أختلف عنك ! |
| حقوق الإنسان 2 |
| كل الصفحات |
المحاضرة الثانية : التحضيرات الاتفاقية 
كما أمكن للمجتمع الدولي وضع مجموعة من القواعد التي يتعين مراعاتها أثناء الحروب، ومن بين هذه القواعد نخص بالذكر اتفاقية جنيف الأولى لحماية جرحى ومرضى الحروبلعام 1864 التي جرى تنقيحها عام 906 والاتفاقيات التي تمخضت عنها مؤتمرات لاهايفي عامي 1889 و 1907 .
الفرع الرابع : عصبة الأمم وحقوق الإنسان
أسفرت المآسي التي نجمت عن الحرب العالمية الأولى ( 194 - 1918 ) عن اتفاق الدول المنتصرة المجتمعة في فرساي على إنشاء عصبة الأمم . وجاءت معاهدات السلام بين دول الحلفاء ودول الأعداء ( ألمانيا والنمسا وبلغاريا والمجر وتركيا ) متضمنة لنظام العصبة ( 28 / 4 / 1919 ) .
ولا يتضمن عهد العصبة أي أحكام عامة بشأن حقوق الإنسان والحريات الأساسية . بل لقد قوبل اقتراح الرئيس الأمريكي تودرو ويلسون تضمين العهد نصاً بشأن الحرية الدينية بالرفض . ولكن عهد العصبة الذي تضمن نظام الانتداب أوجد بعض الضمانات المتواضعة للشعوب التي تخضع للنظام المذكور . ولا يتضمن العهد نظاماً لحماية الأقليات ، ولكن العصبة لعبت دوراً مهماً في إنشاء مثل هذا النظام . وقد تضمنت معاهدات الصلح دستور منظمة العمل الدولية .
أولاً : نظام الانتداب :
أنشئ نظام الانتداب ، وهو نظام استعماري ، أطلق عليه هذا المصطلح زيفاً وتضليلاً ، بموجب المادة 22 من عهد عصبة الأمم . وقد طبق هذا النظام على الدول المهزومة في الحرب العالمية الأولى والأقاليم التي كانت تتبعها وبخاصة في إفريقيا والشرق الأوسط . وبموجبه تعهدت الدول القائمة بالانتداب ( وهي دول استعمارية ) بالعمل على رفاهية وتقدم الشعوب الموضوعة تحت انتدابها ( مستعمرات في الحقيقة ) ، باعتبار ذلك " أمانة مقدسة في عنق المدنية " . ويوفر العهد حماية متواضعة جداً لسكان الأقاليم المشمولة بنظام الانتداب . فقد تعهدت الدول الأعضاء في العصبة " بالعمل على توفير المعاملة العادلة للسكان الوطنيين في الأقاليم المشمولة برقابتها " ( م 22 / 7 ) . وتقوم اللجنة الدائمة للانتدابات ( تتكون جزئياً من الدول الاستعمارية ) بتلقي التقارير السنوية من السلطات القائمة بالانتداب ومن ممثلي الأهالي المحليين وفحصها وتقديم المشورة إلى المجلس في المسائل المتعلقة بتطبيق أحكام الانتداب ( م 22 ) . وابتداءً من عام 1923 أصبحت تقوم باستلام التماسات خاصة في هذا الأمر .
وقد أدت لجنة الانتدابات دوراً مهماً في الإشراف على إدارة الدول المنتدبة وعلى أسلوب معاملتها لأبناء الأقاليم الخاضعة لنظام الانتداب . وانتهى النظام مع حل عصبة الأمم غير أن الأمم المتحدة أنشأت نظاماً بديلاً هو نظام الوصاية ( الفصل الثاني عشر من ميثاق الأمم المتحدة ) . الذي انتهى بدوره مع بلوغ الأقاليم الخاضعة له كافة للاستقلال .
ثانياً : نظام حماية الأقليات :
ينطوي نظام حماية الأقليات الذي أنشأته عصبة الأمم على إقرار مبكر من جانب الدول بحاجة مجموعة من الأفراد المؤلفين فيما بينهم أقلية في الحماية من الدول التي يخضعون لسلطانها . وبذلك تختلف الدولة التي تخضع الأقليات لسيادتها : أي في مواجهة دولة الجنسية ، خلافاً لما عليه الحال في الحالتين الأخريين حيث تكون الحماية في مواجهة دولة الإقامة .
لقد وجدت فكرة إيجاد حماية قانونية للأقليات صدى لها في بدايات القرن عشر في أوروبا ، حيث يوجد عدد كبير من الجماعات الإثنية واللغوية والدينية والقومية . إلا أن للفكرة تطبيقات سابقة على هذا التاريخ بكثير ، فقد تضمنت معاهدة سلام AUGSBURG المعقودة عام ( 1000 ) النص على حماية الأقليات الدينية . كما تضمنت معاهدة وستفاليا المعقودة عام 1648 والاتفاقيات البولندية - الروسية المعقودة في عامي 1767 و 1775 نصوصاً مماثلة . وفي مؤتمر فيينا المنعقد عام 1815 ، أعلنت كل من النمسا وبروسيا وروسيا عن رغبتها في احترام جنسية رعاياها من البولنديين . كما عبر البيان الختامي لهذا المؤتمر عن وجوب احترام الحقوق الدينية للأقليات وعدد من الحقوق المدنية . وفرضت معاهدة برلين المعقودة عام 1878 التزامات على تركيا بشأن حماية جميع الرعايا والمساواة فيما بينهم .
لقد استندت معظم الصكوك الدولية المتعلقة بحماية الأقليات إلى مبدأ مؤداه فرض الدول القوية ضمانات كهذه على الدول الأضعف في اتفاقات تبرم بينها . وجاءت الحرب العالمية الأولى ، التي كان لكفاح الأقليات القومية والدينية في أوروبا الشرقية والوسطى من أجل الاستقلال دور في اندلاعها ، لتغير الخريطة السياسية والديمغرافية لأوروبا والشرق الأوسط ، فقد ظهرت في أعقابها دول جديدة وأعيدت إلى الوجود دول سابقة في حين جرى تجزئة دول ثالثة ، وبرزت بالنتيجة إشكالية الأقليات الإثنية واللغوية والدينية في العديد من الدول . ولعل الانتقائية في تطبيق مبدأ القوميات والحق في تقرير المصير لأسباب سياسية واستراتيجية هي التي كانت وراء ظهور هذه المشكلة وتفاقمها في القارة الأوروبية .
من أكثر الصعوبات التي يواجهها المرء عند دراسته للحماية الدولية لحقوق الأقلية هي مسألة تعريف الأقلية في القانون الدولي . فليس هناك إلى الآن أي تعريف مقبول عموماً في القانون الدولي للأقلية . ولكن عدم وجود تعريف للأقلية لن يؤثر طبعاً على الحماية الدولية لها لأن هناك جملة من المعايير والضوابط التي أضحت محل اتفاق لدى الدارسين والمختصين . ولعل التعريف الذي قدمه البروفيسور كابوتورتي في دراسته المقدمة إلى لجنة حقوق الإنسان بات ذا طابع عرفي كما يذكر جانب من الفقهاء . فالأقلية استناداً إلى هذا التعريف هي مجموعة من الأشخاص أقل عدداً من أغلبية مواطني الدولة ، وتكون في وضع غير مسيطر ، وتتوافر لأفرادها سمات إثنية أو دينية أو لغوية تختلف عن خصائص بقية السكان ، وتبدي - ولو بشكل مستتر - شعوراً بالتضامن ، بغية الحفاظ على هويتها أو ذاتيتها المميزة لها من ديانة وتقاليد ولغة وثقافة .
لقد لاقى تعريف كابوتورتي المذكور رواجاً كبيراً ، فشاطره العديد ممن لحقه العناصر والضوابط المدرجة فيه : ولعل أكثر هذه الضوابط أهمية - إلى جانب العدد والسمات الموضوعية والعنصر الشخصي - هو ضابط الوضع غير المسيطر ، فالوضع الإقصائي لأفراد الأقلية داخل المجتمع هو الذي يدفعهم إلى التمسك بذاتية جماعتهم وإلى المطالبة بالحصول على وضع أقلية .
تضمنت معاهدات الأقليات MINORITES, TREATIES المعقودة بعد الحرب العالمية الأولى ( 919 - 1923 ) لأول مرة نظاماً دولياً لحماية الأقليات التي تعيش في كنف الدول الجديدة ( بولونيا وتشيكوسلوفاكيا السابقة ) ، أو التي توسعت بضم أقاليم جديدة إليها ( يوغوسلافيا السابقة ورومانيا واليونان ) ، أو التي تعيش في بعض الدول المهزومة أو التي قامت على أنقاض الدول المهزومة ( تركيا والنمسا والمجر وبلغاريا ) . كما جعلت حماية الأقليات شرطاً لقبول عضوية بعض الدول في عصبة الأمم ، فقد طبق نظام حماية الأقليات على عدد من الدول التي أعلنت بتصريح منفرد ، وقت قبولها في عصبة الأمم ، احترامها وضمانها لحقوق الأقليات الخاضعة لسيادتها أو لسلطانها ؛ وذلك مثل العراق وألبانيا وفنلندا واستونيا وليتوانيا ولاتفيا ( 1921 - 1932 ) . وطبق النظام كذلك على بعض الأقاليم المتمتعة بوضع خاص مثل جزر ألاند في فنلندا وسيليزيا العليا في ألمانيا .
أشارت المحكمة الدائمة للعدل الدولي في حكمها الصادر في القضية المتعلقة بمسألة مدارس الأقليات في ألبانيا أن الاتفاقيات ذات الصلة بنظام حماية الأقليات تهدف إلى ضمان المساواة بين الأقليات والأغلبية وعدم التمييز بين الأفراد المنتمين لها والمواطنين الآخرين في الدولة . إلا أن المساواة الواجب تحقيقها بين الأقلية والأغلبية ليست مساواة شكلية ، فلابد من " تمييز معكوس " أو " تمييز إيجابي " لصالح الأقلية بغية تمكينها من الحفاظ على الخصائص المميزة لها عن الأغلبية . ولقد اعترفت السابقة الذكر للأقليات بصفتها تلك أو للأشخاص المنتمين إليها بالحق في ممارسة الشعائر الدينية ، وحرية استعمال اللغة القومية أمام أجهزة الدولة وإمكانية إنشاء مدارس خاصة بها .
وقد اعترفت كل دولة من الدول المعنية بنظام حماية الأقليات أن النصوص الدولية الخاصة بالأقليات هي بمثابة التزامات ذات طبيعة دولية لا يجوز تعديلها عن طريق تشريعاتها الوطنية.
كما وضعت هذه الالتزامات تحت إشراف مجلس العصبة ، واضطلعت العصبة بدور الضامن للتعهدات التي أخذتها الدول الأطراف على عاتقها . وعلى هذا الأساس كان المجلس يختص بالنظر في الالتماسات أو العرائض PETITIONS التي يتقدم بها الأشخاص المنتمون إلى الأقليات أو التنظيمات التي تعمل نيابة عنهم ، بشأن مخالفة النظام المذكور .
اتصف نظام حماية الأقليات الذي استحدثته عصبة الأمم بالفعالية وبالتطور النسبي في وقته . ومن أهم معالم تطوره إقراره لعدد من الأقليات بحقوق بصفتها تلك ؛ أي بصفتها جماعة مستقلة عن الأشخاص المكونين لها . إلا أن العيب الأساسي في هذا النظام تمثل في طابعه التمييزي ، فلم يكن عاماً بحيث يسري على المجتمع الدولي بعمومه بل وجد لينطبق على عدد من الدول المستقلة حديثاً والتي وقفت إلى جانب ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى . فلم تخضع للنظام دول كبرى وقتئذ مثل ألمانيا -إلا فيما يتعلق بسيليزيا العليا - وإسبانيا وإيطاليا وبريطانيا وفرنسا . ولم ينطبق النظام كذلك إلا على مجموعة من الأشخاص تتمثل في الأقليات العرقية والدينية واللغوية ، التي تشكل جزءاً من شعوب الدول التي خضعت للنظام . فالنظام كان تمييزياً ، ولم يكن يستند إلى مبدأ المساواة ؛ فهو لا يحمي الإنسان كونه إنساناً ، وإنما يحميه بسبب انتمائه إلى عنصر معين أو تدينه بدين معين أو استخدامه لغة معينة .
وقد ساعد النظام على استمرار الاضطراب في أوروبا الوسطى ، فدفع بعض الدول إلى دعم الأقليات العرقية الموجودة في الدول المجاورة . فاجتاحت ألمانيا تشيكوسلوفاكيا السابقة عام 1939 ، وبعد أشهر ضمت إيطاليا ألبانيا واحتلت ألمانيا بولندا . وقد كان الرد الدولي على ذلك استخدام القوة ، فاندلعت الحرب العالمية الثانية . ولهذا فليس مستغرباً أن ينظر إلى نظام الأقليات كواحد من الأسباب التي أدت إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية .
أما اليوم فتحظى حماية الأقليات بأهمية كبيرة ، فما زال القانون الدولي يتضمن عدداً من القواعد القانونية الهادفة إلى حماية حقوق الأقليات وصيانة هويتها وإدامة وجودها . وسنتطرق للقانون الدولي المعاصر ذي الصلة بالأقليات في موضع لاحق .