| فهرس المقال |
|---|
| حقوق الإنسان بالتفصيل ! |
| حقوق الإنسان بالتفصيل ! |
| حقوق الإنسان بالتفصيل ! |
| كل الصفحات |

مقدمة المترجم والمعد : تعتبر هذه المواد التي تقدم بشكل محاضرات في إحدى الجامعات الغربية محاضرات فريدة من نوعها وهي جديدة على القارئ غير الاختصاصي ،فرادتها تأتي من كونها تشرح السياق التاريخي والقانوني لحقوق الإنسان بدون كثير من المصطلحات وبكثير من التبسيط القانوني وإذ يقدمها حال البلد للقارئ العربي على حلقات فهو يرجو القانونيين والحقوقيين العرب تقديم وقراءة ونقد هذه المواد على ضوء معرفتهم ونرحب بالمطلق بأي نقد لهذه المواد .
نرجو لكم وقتا طيبا معنا .
المحاضرة الأولى : ماهية حقوق الإنسان
الفصل الأول : ماهية حقوق الإنسان وبواكير الحماية الدولية لها
تؤلف حقوق الإنسان ساحة مشتركة لأكثر من علم من العلوم الاجتماعية والإنسانية ، فهي بتعلقها بالحاجات والمطالب الأساسية الواجب توفيرها للإنسان بغية صيانة كرامته الآدمية ووجوده الإنساني تغدو مجالاً خصباً تتفاعل فيه العلوم السياسة والقانونية والفلسفية . وقد وصفت هذه الحقوق في بواكير ها الأولى بالحريات الأساسية أو بالحريات العامة ، إلا أنها اليوم باتت تتميز عنها ( البحث الأول ) . كما أنها نشأت أول ما نشأت بوصفها جزءاً من النظام القانوني الوطني ، فلم يكن النظام القانوني الدولي بعيداً بعلاقة الدولة بسكانها الذين يخضعون لولايتها ، لأن هذه العلاقة كانت تعد من السلطان الداخلي للدول ، لكن جملة من الأسباب تضافرت معاً مؤدية إلى تدويل هذه العلاقة وجعلها شأناً دولياً ( البحث الثاني ) .
البحث الأول : التفرقة بين حقوق الإنسان والحريات العامة
ثمة فكرتان يلجأ إليهما عادة للتعبير عن الحقوق والرخص المتعلقة بحماية حرية الإنسان وكرامته ، فقد أصبح شائعاً ومألوفاً في أدبيات القانون الدولي الإشارة إلى " حقوق الإنسان " وإلى " الحريات العامة " . ورغم ما يعتري الفكرتين من تقارب في بعض الجوانب ، إلا أنهما ليستا متماثلتين . فهما لا تستندان إلى المعيار ذاته ، وتختلفان أيضاً من حيث المضمون والمحتوى .
المطلب الأول : الموقع القانوني لكلا المفهومين
من الثابت تاريخياً وفلسفياً أن فكرة " حقوق الإنسان " ترتد بأصولها إلى " القانون الطبيعي " . ففكرة حقوق الإنسان - سنداً للقانون الطبيعي - تعني أن الحقوق المقررة لحماية الحرية والكرامة الإنسانية أساسها تمتع صاحب هذه الحقوق بوصف " الإنسان " : فهي حقوق ملازمة أو لصيقة بشخص الإنسان ، وإنكارها لا يمنع وجودها لأنها وجوداً وعدماً مع الكائن الإنساني.
يستنتج إذاً أن فكرة " حقوق الإنسان " تقع خارج دائرة القانون الوضعي ، خلافاً لما عليه الحال بالنسبة لفكرة " الحريات العامة " . فهذه الأخيرة لا تظهر إلى الوجود إلا من خلال القانون النافذ فعلاً في زمان ومكان معينين . فهي عبارة عن حقوق ورخص ممنوحة بمقتضى القوانين الوضعية الموضوعة من قبل السلطات العامة المختصة بذلك داخل الدولة . وهي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالدولة وبالقانون الوضعي ، ويصعب تحققها خارج إطار نظام قانوني محدد . وبمعنى آخر ، فإن الحريات العامة هي وحدها التي تعبر عن حقيقة قانونية une realite juridique لأنها تنشأ بموجب قوانين الوضعية النافذة فعلاً في دولة محددة ، بينما حقوق الإنسان تدخل فيما يمكن وصفه " بالمخيال القانون " L, IMAGINIAIRE " . حيث تعد القوانين الوضعية كاشفة عنها لا منشئة لها .
يضاف إلى ذلك أيضاً أن موقع " حقوق الإنسان " هو القانون الدولي ، أما " الحريات العامة " فموقعها القانون الداخلي . فعندما ينصرف همنا وجهدنا إلى دراسة القوانين الداخلية للدول وما يقرره للأفراد من حماية لحرياتهم وكرامتهم ، فإننا نلجأ إلى استخدام مصطلح " الحريات العامة " . وحين يتعلق الأمر بدراسة النظام القانوني الدولي وما يقرره للأفراد من حقوق متعلقة بكرامتهم ، فيصار إلى استخدام مصطلح " حقوق الإنسان " .
المطلب الثاني : مضمون كلا المفهومين
تعرف " الحرية " تقليدياً بأنها عدم الخضوع لسلطة أعلى أو بأنها القدرة على القيام بعمل ما أو الامتناع عن عمله . فالحرية هي القدرة على " التقرير الذاتي " ، حيث يختار الإنسان بمقتضاها سلوكه الشخصي دون إكراه . وتوصف الحرية بوصف " العامة " لأنها تفترض تدخل السلطات العامة في الدولة لتنظيمها ومعالجتها . ومما يميز " الحرية " في الفكر القانوني أنها سلطة يباشر ها الشخص في مواجهة ذاته ، فهي تختلف عن أية سلطة أخرى يقررها القانون وتخول الإنسان إمكانية التصرف في مواجهة الغير ، حيث توجب على الغير ضرورة القيام بعمل . ومن ذلك الحق في الحصول على تعويض عادل في إطار المسؤولية التعاقدية أو المسؤولية التقصيرية .
فاعتراف القانون بحق يؤدي إلى جملة من النتائج في مواجهة الغير ، فإن لم تتحقق تلك النتائج أو الآثار فإن الاعتراف بهذه القدرة لا يرتب سوى التزام سلبي بالامتناع عن القيام بعمل ، أي أنها تفيد وجوب احترام الشخص لحرية الآخرين والامتناع عن التدخل في حياتهم وممارستهم لحرياتهم . فثمة اختلاف واضح بين الحق والحرية ، فهذه الأخيرة تنصرف إلى سلطة التقرير الذاتي في مواجهة المنتفع بالحرية ذاته وترتب التزاماً سلبياً في مواجهة الغير ، أما الحقوق الأخرى التي يعترف بها القانون للشخص فتنطوي على سلطة فرض سلوك إيجابي على الغير وليس مجرد الامتناع عن القيام بعمل .
يضاف إلى الفرق الموضح أعلاه بين مضمون " حقوق الإنسان " ومضمون " الحريات العامة " . حقيقية أخرى مؤداها أن هذا المفهوم الأخير ينصرف إلى جملة من حقوق الإنسان المحددة والمعرفة بدقة . وإذا كانت حقوق الإنسان في بواكير ها الأولى اقتصرت على الحريات العامة المتمثلة بإقرار عدد من الحقوق التي لا تتطلب من الدولة سوى الامتناع عن التدخل عند ممارسة هذه الحريات ، فإن الطبيعة الإنسانية اقتضت الإقرار للإنسان بحد أدنى من الأمن الاجتماعي المتمثل في ضرورة حماية حق الإنسان في الصحة وفي الحصول على العمل . كما استلزمت الصفة الإنسانية لأشخاص هذه الحقوق الاعتراف بحد أدنى من النماء الذهني والفكري لهم ؛ فأقرت المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان بالحق في التعليم وبالحق في الثقافة والمشاركة في الحياة الثقافية وبالحق في الحصول على المعلومات وتبادلها ونشرها .
وليس خافياً أن هذه الطائفة من حقوق الإنسان تختلف عن الحقوق المقررة سابقاً اختلافاً جذرياً من وجهة النظر القانونية ، فهذه الحقوق لا تنمح أصحابها سلطة بالاختيار الحر أو بالتصرف الحر ولا يقتصر أثرها على ترتيب التزامات سلبية في مواجهة الدول ؛ فهي ترتب التزامات إيجابية على عاتق الدولة حيث تفترض أن الدولة مدينة للأشخاص بجملة من الالتزامات والت أديات الواجب الوفاء بها . وهي بالنتيجة لا تمثل حريات عامة فقط كسابقتها ، بل تتعدى ذلك إلى إلزام الدولة بعدد من التأديات والخدمات العامة .
صفوة الأمر هي أن الحريات العامة كلها تعد حقوقاً للإنسان ، بينما يتعذر القول بأن حقوق الإنسان كافة هي حريات عامة . فحقوق الإنسان تتجاوز النطاق الضيق للحريات العامة لتشمل أفقاً أكثر رحابة واتساعاً يمتد ليشمل كل ما تفرضه الطبيعة الإنسانية .
يمكن تصنيف الحريات العامة استناداً إلى غرضها ( حرية التنقل ، حرية المراسلات .... ) أو استناداً إلى أسلوب ممارستها ( حريات فردية وحريات جماعية ) . وقد يخضع تصنيف الحريات العامة إلى معايير وضوابط أخرى ، ومن أميز هذه التصنيفات ذلك الذي اقترحه ري فيرو ، حيث صنفها إلى : حريات خاصة بالسلامة البد نية وحرية الحياة الخاصة وحريات تخص الشخص الطبيعي تتمثل في حق الشخص الطبيعي في تقرير شؤونه وتصريفها ذاتياً وحريات فكرية وذهنية وحريات اجتماعية واقتصادية . ومعظم هذه الحريات تدخل في نطاق الجيل الأول من حقوق الإنسان ، فهي الحقوق التقليدية التي أقرت لصالح الكائن الإنساني ولا تضم حقوق الإنسان المستحدثة ( الجيل الثاني والجيل الثالث من حقوق الإنسان ) .
المبحث الثاني : بواكير الاعتراف العالمي بحقوق الإنسان
شكلت الحرب العالمية الثانية حدثاً مهماً وجوهرياً في تطور الاعتراف العالمي بحقوق الإنسان ، ولذلك فقد غدا مألوفاً ودارجاً في الفكر القانوني الإشارة إلى هذه الحرب كمرجعية أساسية عند دراسة مسألة الحماية الدولية لحقوق الإنسان وتطور مركز الفرد في القانون الدولي . لذا يتوجب دراسة هذا الموضوع في مطلبين يخصص أولهما لحقوق الإنسان قبل الحرب العالمية الثانية ، وثانيهما يعالج حقوق الإنسان بعدها .
حقوق الإنسان قبل الحرب العالمية الثانية
لم يلتفت المجتمع الدولي كثيراً إلى مسألة حقوق الإنسان قبل الحرب العالمية الثانية . وقد كانت الفكرة المهيمنة هي استثناء الفرد من دائرة القانون الدولي، وأن العلاقة بين الفرد والدولة تعد شأناً داخلياً محضاً يدخل في " المجال المحفوظ " وفي " الاختصاص المانع للدولة " . وقد عبر الفقيه اليوناني نيكولاس بوليتيس بأدل تعبير عن هذه الفكرة بقوله إن " الدولة صاحبة السيادة تمثل قفصاً حديدياً بالنسبة لرعاياها " .
ورغم أن المجتمع الدولي لم يعرف حماية عامة لحقوق الإنسان ، إلا أنه توصل إلى مجموعة من القواعد القانونية لحماية عدد من الجماعات الإنسانية المختلفة . وسنعمد هنا إلى عرض أهم الملامح الخاصة بهذه الحماية في إطارها التاريخي ، أما التطبيقات الراهنة المتعلقة بهذه الحماية فسيصار إلى دراستها بصورة مفصلة في الجزء الثاني من هذا الكتاب . ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد أنه خلافاً للحماية الدولية الأولى لحقوق الإنسان التي كانت تهتم بفئات معينة من البشر ، فإن السمة الأساسية للحماية الدولية لحقوق الإنسان تتمثل في أنها تتوجه إلى حماية الأفراد كافة بوصفهم كائنات إنسانية .
الفرع الأول : معاملة الأجانب
تعد حماية حقوق الأجانب تعبيراً عن فكرة ارتباط الشخص بدولة ما وخضوعه لاختصاصها الشخصي ، وقد ساهمت فكرة حماية الأجانب المقيمين خارج دولهم والخاضعين لاختصاص إقليمي غير الاختصاص الإقليمي للدول التي يحملون جنسيتها في نشأة القانون الدولي لحماية الإنسان .
لقد أقر القانون الدولي التقليدي معاملة خاصة بالأجانب المقيمين خارج دولهم ، وقد وجدت هذه المعاملة صدى لها في نظام الامتيازات الأجنبية الذي جرى تطبيقه في مواجهة الإمبراطورية العثمانية منذ القرن السادس عشرة . ولا ينكر في هذا المجال دور نظرية " الحماية الدبلوماسية " في توطيد أركان معاملة الأجانب واحترام حقوقهم المقررة لهم دولياً .