ثانياً : طبيعة التزامات الدول الأطراف في العهد
توصف الحقوق المدنية والسياسية - وهي حقوق تقليدية وقديمة - بأنها حقوق سلبية يتطلب إعمالها - أساساً - امتناع الدول عن التدخل في تمتع الأفراد بها وممارستهم لها . ويظهر أن هذا هو السبب وراء اعتبار الالتزامات الناشئة عن العهد التزامات فورية وقابلة للتطبيق في الحال بصرف النظر عن الوضع الاقتصادي أو المالي أو الاجتماعي للدولة . وقد بدت هذه الفكرة بارزة للعيان في المادة ( 2 / 1 ) من العهد ، التي تقضي بأن كل دولة طرف في العهد تتعهد " باحترام وتأمين الحقوق المقررة في العهد الحالي لكافة الأفراد ضمن إقليمها والخاضعين لولايتها دون تمييز من أي نوع سواء أكان ذلك بسبب العنصر أم اللون أم الجنس أم اللغة أم الديانة أم الرأي السياسي أم غيره أم الأصل القومي أو الاجتماعي أو الملكية أو صفة الولادة أو غيرها " .
واضح تماماً أن النص السابق -بخلاف نص المادة ( 2 / 1 ) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية - يرتب التزامات فورية على عاتق الدول الأطراف . ولكن المقولة السائدة في أدبيات القانون الدولي لحقوق الإنسان التي تجعل من الحقوق المدنية والسياسية المعترف بها في العهد حقوقاً سلبية لا يبدو من ظاهر النص السابق أن واضعي العهد قد أخذوا بها كلية ، فالنص السابق يشير ضمناً من خلال عبارة " تأمين الحقوق المقررة " إلى التزام الدول بالقيام بالتدابير اللازمة والكفيلة بعدم الافتتات على الحقوق المعترف بها من قبل أطراف ثوالث ، فالتزامات الدول الناشئة عن العهد هي التزامات سلبية باحترام الحقوق المحمية وبالامتناع عن التدخل في التمتع بها ، والتزامات إيجابية بتأمين احترام هذه الحقوق من جانب الغير . وقد أشارت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في التعليق العام رقم 3 ( 1981) الخاص بتنفيذ العهد على المستوى الوطني إلى هذه الفكرة فقالت " من الضروري لفت انتباه الدول الأطراف إلى أن الالتزام بمقتضى العهد لا يقتصر على احترام حقوق الإنسان ، بل إن الدول الأطراف قد تعهدت كذلك بأن تضمن التمتع بهذه الحقوق لجميع الأفراد الموجودين ضمن ولايتها . وأن هذا الجانب يتطلب أنشطة محددة من قبل الدول الأطراف لتمكين الأفراد من التمتع بحقوقهم " . وقد أحالت لتأكيد وجهة نظرها على المادة ( 3 ) من العهد التي يتناولها التعليق العام رقم 4 ( 1981 ) . ففي هذا التعليق ، أوضحت اللجنة " أن المادة ( 3 ) من العهد - شأنها في ذلك شأن المادتين ( 2 / 1 ) و ( 26 ) - من حيث أنها تعالج المساواة ومنع التمييز لعدة أسباب ، يعتبر الجنس أحدها ، تتطلب أيضاً ليس فقط تدابير للحماية بل تتطلب اتخاذ تدابير إيجابية بقصد ضمان التمتع الإيجابي بهذه الحقوق " . ولذلك فإن الالتزام الإيجابي الذي تعهدت به الدول الأطراف بمقتضى المادة ( 3 ) " قد يكون له هو نفسه أثر أكيد على التدابير التشريعية أو الإدارية التي وضعت خصيصاً لتنظيم أمور غير تلك التي يتناولها العهد ... " . وتورد اللجنة مثلاً " ألا وهو مدى تأثير أو عدم تأثير قوانين الهجرة ، التي تميز بين المواطن والمواطنة ، تأثيراً ضاراً على نطاق حق المرأة في الزواج من غير المواطنين ، أو في تقلد الوظائف العامة " .
ومن الملاحظ أن الفقرة ( 3 ) من المادة ( 2 ) من العهد ذاته تضمنت أيضاً ما يمكن تأويله على أنه تطبيق لفكرة الالتزامات الإيجابية في إطار الحقوق المدنية والسياسية ، فهي تلزم الدول الأطراف في العهد بأن " تكفل توفير سبيل فعال للتظلم لأي شخص انتهكت حقوقه أو حرياته المعترف بها في العهد حتى ولو صدر الانتهاك عن أشخاص يتصرفون بصفتهم الرسمية " . فالدول الأطراف في العهد - على ما يوحي به ظاهر النص صراحة - ليست ملزمة بالامتناع عن إتيان أفعال من شأنها أن تخرق الحقوق المعترف بها فقط ، ولكنها ملزمة أيضاً بعدد من الالتزامات الإيجابية المنصوص عليها في العهد أو الملازمة لأحكام العهد وللحقوق المعترف بها والتي لا يتصور احترامها دون قيام الدول بها . ويضاف إلى ذلك أن النص السابق يأخذ أيضاً بالتطبيق الأفقي لأحكامه ، وهو أمر جلي ومستفاد من عبارة " . . حتى لو صدر الانتهاك عن أشخاص يتصرفون بصفتهم الرسمية ... " التي تفيد بمفهوم المخالفة أن الانتهاك قد يصدر من أشخاص لا صفة رسمية لهم أو من أشخاص القانون الخاص .
لباب القول هو أن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يوجب على الدول الأطراف احترام وكفالة هذه الحقوق في الحال . واتخاذ التدابير الضرورية لبلوغ هذه النتيجة سواء بالامتناع عن التدخل أم بالقيام بعمل متى كان ذلك ضرورياً لبلوغها . ومما له دلالته في هذا الصدد أنه لم يرد في العهد ما يفيد وجوب إعمال الحقوق المقررة فيه " خلال وقت معقول " كما ذهبت إلى ذلك بعض الوفود . ولكن السؤال الذي يثار هو هل يستبعد العهد فكرة الالتزامات التدريجية أو البرنامجية بصورة مطلقة ؟
في الواقع إن الخط الفاصل بين الحقوق المدنية والسياسية من جهة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من جهة أخرى ليس واضحاً تماماً ، فثمة قواسم مشتركة ومساحات تختلط فيها هذه الحقوق معاً ، فتكون التفرقة بين التطبيق الحال أو الفوري للحقوق المدنية والسياسية والتطبيق التدريجي أو البرنامجي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ليست أمراً حرفياً ولا يتوجب النظر إليها بمنظار سلفي جامد ، فهناك - كما بينا سابقاً - حقوق مدنية وسياسية يصعب إعمالها في الحال بسبب الوضع الاقتصادي للدولة . ومن ذلك حق كل طفل في إجراءات الحماية التي يستوجبها مركزه كقاصر ووجوب تسجيل كل طفل فور ولادته ( المادة 24 / 1 أو 2 من العهد ) . ومعاملة السجناء معاملة تستهدف إصلاحهم وتأهيلهم ( المادة 10 / 3 ) من العهد ) . ويسمع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بإمكانية التطبيق التدريجي لهذه الحقوق ، فالمادة ( 2 / 2 ) من العهد التي تطلب من الدول الأطراف " إذا كانت تدابيرها التشريعية أو غير التشريعية القائمة لا تكفل فعلاً إعمال الحقوق المعترف بها في العهد ، بأن تتخذ طبقاً لإجراءاتها الدستورية ولأحكام العهد ، ما يكون ضرورياً لهذا الإعمال من تدابير تشريعية أو غير تشريعية " . تضفي على الالتزامات التي يفرضها قدراً من المرونة بحيث يترك للدول حرية اتخاذ التدابير المطلوبة في الوقت المناسب . ودون أن يعد عدم قيامها باتخاذ هذه التدابير في الحال إخلالاً بأحكام العهد . وفي المقابل هناك العديد من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يمكن تطبيقها في الحال والتي لا تعتمد على موارد الدولة . ومن ذلك الحق في تكوين النقابات والانضمام إليها بحرية ، والحق في الإضراب ( المادة ( 58 ) ، وحظر تشغيل الأطفال في أعمال مؤذية ( المادة 10 / 1 ) ، واحترام حرية الآباء في اختيار مدارس لأبنائهم خلاف مدارس الدولة ( المادة 13 / 2 ) واحترام حرية البحث العلمي والنشاط الإبداعي ( المادة 15 / 3 ) .
يستخلص في النهاية أن الحقوق المدنية والسياسية المعترف بها في العهد ، وإن كانت كلاسيكية وقديمة ، غدت تتمتع بخصائص وبطبيعة مختلفة عن تلك المستقرة لها في الأدبيات التقليدية سواء أكانت فلسفية أم قانونية ، وهو تطور يتسق بالضرورة مع تطور المفاهيم الفلسفية والقانونية ومع التغيرات التي لحقت بالحياة الاجتماعية والإنسانية عموماً .
ثالثاً : تعطيل أو تقييد الحقوق المعترف بها :
يتضمن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية " بند تحلل " CLAUSE DE DEROGATION درجت العادة على وصفة بأنه من الأحكام المحورية الواردة في العهد ، فهو يجيز للدول الأطراف في العهد تعطيل أو وقف التمتع بالحقوق الواردة فيه في حالات الطوارئ الاستثنائية التي تهدد حياة الأمة ، ولكنه يضع عدداً من الشروط والضوابط
لإعلان حالة الطوارئ في الدول الأطراف ، سواء من حيث دواعي أو مبررات إعلانها أم من حيث الحدود التي لا يجوز للدول أن تحيد عنها في ظل هذا الوضع . إذ يشترط لذلك توافر بعض الشروط الموضوعية والإجرائية ، الإعلان رسمياً عن قيام حالة الطوارئ الاستثنائية ، أن تكون تدابير المخالفة في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع ، أن لا تتعارض مع الالتزامات الأخرى المقررة في القانون الدولي وأن لا تنطوي على تمييز يكون مبرره الوحيد هو العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الأصل الاجتماعي .
كما تشترط المادة المذكورة على الدول الأطراف التي تستخدم حقها في التعطيل أو التقييد أن تعلم الدول الأطراف الأخرى حالاً ، عن طريق الأمين العام للأمم المتحدة بالأحكام والحقوق التي جرى تعطيلها أو تقييدها وبالأساليب التي دفعتها إلى ذلك .
ويثار التساؤل حول الفارق بين التعطيل والتقييد ، فالأول يحمل صورة للتدخل في التمتع بالحقوق المعترف بها أكثر شدة ، بحيث قد يؤدي تدخل الدولة المتخذ صيغة التعطيل إلى تحييد الحكم القانوني الوارد في العهد والمتعلق بأحد الحقوق المعترف بها ويستبعده من التطبيق كلية . أما التقييد ، فإنه لا يمس وجود الحكم القانوني محل التقييد لكنه يضيق من نطاق تطبيقه أو من مداه ومضمونه .
ولكن العهد لا يجعل الحكم القانوني المنصوص عليه في المادة ( 4 ) منه شاملاً للحقوق جميعها المعترف بها ، فهو يحظر المساس بسبعة حقوق ولا يبيح تعطيلها أو الخروج عليها أو تقييدها في الأوقات جميعها سواء في زمن السلم أم في زمن الحرب .
وهذه الحقوق هي : الحق في الحياة ( المادة 6 ) ، الحق في عدم الخضوع للتعذيب أو للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة ( المادة 7 ) ، الحق في عدم الاسترقاق أو العبودية ( المادة 8 ) ، عدم جواز حبس الإنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي ( المادة 11 ) ، عدم جواز رجعية قوانين العقوبات أو فرض عقوبة أشد من تلك التي كانت نافذة وقت ارتكاب الجريمة ( المادة 15 ) ، الحق في الاعتراف بالشخصية القانونية ( المادة 16 ) والحق في حرية الفكر والوجدان والدين ( المادة 18 ) .
ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الخصوص أن قائمة الحقوق غير القابلة للمساس أو التي يمتنع تعطيلها أو تقييدها تختلف من اتفاقية دولية إلى أخرى ، ولكن الصكوك الاتفاقية العالمية والإقليمية المتعلقة بحقوق الإنسان تتفق فيما بينها على اعتبار أربعة منها بمثابة " نواة صلبة " أو " نواة أساسية " UN NOYEAU DUR لحقوق الإنسان ، وهي : الحق في الحياة ، الحق في عدم الخضوع للتعذيب ، تحريم الرق والعبودية وعدم رجعية القوانين الجزائية .
لقد تنبهت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان إلى المشاكل التي تثيرها المادة ( 4 ) من العهد في تعليقها العام رقم 5 ( 1981 ) المتعلق بالمادة ذاتها ، فأوضحت أنه عندما تقوم حالة طوارئ عامة تهدد حياة الأمة ويعلن عنها رسمياً ، يحق للدولة الطرف المعنية أن تعطل عدداً من الحقوق بالقدر اللازم لمواجهة حالة الطوارئ .
ولا يحق لهذه الدولة البتة أن تعطل عدداً من الحقوق المحددة بعينها . فاللجنة تشير هنا إلى مبدأ التناسب بين حالة الطوارئ وتعطيل الحقوق القابلة للمساس . وقد أضافت اللجنة إلى الصعوبات والمشاكل التي تحيط بتطبيق المادة المذكورة مشكلة عدم وضوح الإعلان الرسمي عن قيام حالة الطوارئ في عدد من الدول التي لجأت إلى " بند التحلل " المذكور ، وإلى عدم احترام عدد من الدول للقيد الخاص بعدم تعطيل الحقوق التي يحظر العهد تعطيلها . إضافة إلى الحكم الوارد في المادة ( 4 ) من العهد الذي يجيز تعطيل عدد من الحقوق المعترف بها في أوقات الطوارئ ، فإن الحقوق والحريات المنصوص عليها في العهد ليست مطلقة حتى في الأوقات العادية ، إذ يجيزالعهد للدول الأطراف بشروط محددة وضع قيود على الحقوق المعترف بها . وتهدف هذه القيود إلى تحقيق نوع من التوازن بين حقوق الفرد وحقوق الجماعة ومصالحها المشتركة . فإذا كانت الحقوق المدنية والسياسية ذات طابع فردي في الأساس فذلك لا يعني إهدار مصالح الجماعة وحقوقها لحساب حقوق الفرد وحرياته ، فكلاهما يتآزران معاً لتحقيق الصالح العام داخل الدولة . وتختلف الأحكام المتعلقة بالقيود من حق إلى حق آخر . ففي بعض الحقوق المعترف بها في العهد ، يوجب الأخير أن تكون القيود غير تعسفية ، وهذا هو الوضع بالنسبة للحق في الحياة الوارد في المادة ( 6 ) من العهد التي تنص على أنه " لا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفاً " . فالحماية المقررة بمقتضى هذا النص ذات أهمية بالغة ، ويتوجب على الدول الأطراف منع أعمال القتل التعسفي التي قد ترتكبها قوات الأمن التابعة لها ، وليس فقط مجرد منع حرمان الإنسان من حياته عن طريق الأعمال الإجرامية . وقد أوضحت اللجنة المعنية في هذا الصدد في تعليقها العام رقم 6 ( 1982 ) المتعلق بهذه المادة أن القوانين الداخلية النافذة على أقاليم الدول الأطراف ينبغي أن " تضبط وتقيد بشكل صارم الظروف التي يمكن فيها للسلطات حرمان أي شخص من حياته " . ومن التطبيقات التي أوردتها اللجنة المعنية على عدم جواز حرمان الإنسان من حياته تعسفاً الحد من استخدام عقوبة الإعدام وقصرها على " أشد الجرائم خطورة " . ولا يجوز للدول الأطراف تأويل عبارة " أشد الجرائم خطورة " بصورة واسعة ، فينبغي أخذها بمعناها الضيق وهو أن عقوبة الإعدام يجب أن تكون إجراءً " استثنائياً جداً " .
وقد ورد حكم مماثل بالنسبة للقيود على حق الفرد في الحرية وفي الأمان على شخصه ، إذ أوضحت المادة ( 9 ) بأنه " لا يجوز توقيفه واعتقاله تعسفاً " . فإذا استخدم الحبس الاحتياطي لأسباب تتعلق بالأمن العام ، فلا بد أن يخضع ذلك لشروط صارمة بحيث لا يكون تعسفياً وأن يقوم على أسس ينص عليها القانون ليس أقلها ، إعلام الموقوف بأسباب توقيفه وتوفير المراقبة القضائية للاحتجاز والحق في التعويض في حالة التوقيف غير القانوني .
والأمر ذاته موجود في المادة ( 12 ) من العهد التي تنص على عدم جوازه حرمان أحد ، تعسفاً ، من حق الدخول إلى بلده " والمادة ( 17 ) التي لا تجيز " تعريض أي شخص ، على نحو تعسفي أو غير قانوني ، لتدخل في خصوصياته أو شؤون أسرته أو بيته أو مراسلاته " .
ومن جهة أخرى ، انتهج العهد بالنسبة لحقوق وحريات أخرى أسلوباً مختلفاً إذ اكتفى بعدم جواز خضوعها لأي قيد سوى تلك التي ينص عليها القانون ، والضرورية لحماية الأمن الوطني أو النظام العام أو الصحة العامة أو الأخلاق أو حقوق وحريات الآخرين . ومن الحقوق التي تنطبق عليها هذه الحالة : الحق في حرية التنقل وحرية اختيار مكان الإقامة ( المادة 12 ) ، الحق في حرية الفكر والوجدان والدين ( المادة 18 ) . وقد أوضحت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في تعليقها العام رقم 22 ( 1993 ) بشأن المادة ( 18 ) من العهد أنه يجب على الدول لدى تفسير نطاق أحكام القيود الجائزة على هذا الحق ، والمنصوص عليها في المادة ( 18 / 3 ) ، أن تنطلق من ضرورة حماية الحقوق المكفولة في العهد وأن لا تطبقها على نحو يبطل مفعول الحقوق المقررة بمقتضى المادة ( 18 ) . ولاحظت اللجنة أنه يجب تفسير الفقرة ( 3 ) من المادة ( 18 ) بشكل دقيق ومحدد : فلا يجوز فرض قيود لأسباب غير محددة فيها ، حتى لو كان مسموحاً بها كقيود على حقوق أخرى في العهد ، مثل الأمن القومي ، ولا يسمح بتطبيقها إلا للأغراض التي وضعت من أجلها ، كما يجب أن ترتبط مباشرة بالغاية المحددة التي تستند إليها وأن تكون متناسبة معها . ولا يجوز فرض هذه القيود لأسباب تمييزية أو تطبيقها بصورة تمييزية . ومن هذه الحقوق أيضاً الحق في التجمع السلمي ( المادىة 21 ) والحق في تكوين الجمعيات ( المادة 22 ) . ويلاحظ بأن قيوده الأمن الوطني أو النظام العام أو الأخلاق " غامضة ومبهمة ، وتحتمل أكثر من تفسير ، وقد يتسع تطبيق هذه القيود أو يضيق بحسب النظام الاجتماعي والثقافي والاعتقادي السائد في الدولة . وقد أدركت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان هذه الحقيقة ، فأشارت في تعليقات عامة عديدة - منها التعليق العام رقم 22 ( 1993 ) بشأن المادة ( 18 ) - إلى أن مفهوم الأخلاق يستمد من تقاليد اجتماعية ومن مفاهيم فلسفية ودينية عديدة : مما يعني أن القيود المفروضة على الحق في حرية المجاهرة بالدين أو المعتقد بغرض حماية الأخلاق يجب أن تستند إلى مبادئ ومفاهيم " غير مستمدة حصراً من تقليد واحد " .
وتحظر المادة ( 5 / 1 ) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية إهدار أي من الحقوق أو الحريات المعترف بها في العهد أو فرض قيود عليها أوسع من تلك المنصوص عليها فيه . وتبقى السلطة الممنوحة للدول في مجال تعطيل أو تقييد الحقوق المحمية خاضعة بطبيعة الحال إلى رقابة الأجهزة الدولية المعنية بمراقبة احترام الدول لحقوق الإنسان وعلى رأسها اللجنة المعنية بحقوق الإنسان .
الفرع الثالث : العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية
يتسم العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية - رغم عمره القصير نسبياً - بمكانة مهمة وبخصوصية تميزه عن غيره من الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان . ولعل خصوصية العهد تستنتج ضمناً من فصله عن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية رغم أنهما يتحدان في الغرض الأساسي وهو حماية حقوق الإنسان . وتبدو خصوصية العهد في الحقوق المحمية بمقتضاه وفي طبيعة الالتزامات الناشئة عنه وهو ما سنبحثه تباعاً إضافة إلى تقييد الحقوق الواردة فيه .