الزواج والاحتشام عند البشر والحيوانات

إرسال إلى صديق طباعة PDF

كتعريف عام ومبسط الزواج هو ارتباط ذكر واحد بأنثى واحدة طول أو جزء من الحياة وهو موجود عند البشر والحيوانات أما الاحتشام فهو أن لا تعاشر الأنثى جنسيا إلا زوجها حصرا. بعض الثقافات تجعل تعريف الاحتشام متساويا بين الذكر والأنثى ولكن من النادر أن تم تطبيق ذلك فجميع الثقافات كانت تعتبر معاشرة الذكر لغير زوجته أمرا لا بأس به بينما كان العكس أي معاشرة المرأة لغير زوجها أمرا ممنوعا ومعيبا في الغالبية الساحقة من ثقافات البشر.  مسألة الاحتشام غير موجودة لدى الحيوانات.


الإنسان والحيوان هما أولاد ماديين لهذه الطبيعة، لهذا العالم المادي وجميع تصرفاتهما محكومة حتما بقوانين ونواميس هذه الطبيعة وبالتالي فلابد أن يكون لكل من الزواج عند الحيوانات والبشر وللاحتشام عند البشر مبررات مادية اقتضتها، فليس الحيوان والإنسان إلا كيانين ماديين محكومين بمقتضيات الطبيعة. بالنسبة للزواج من السهل معرفة الدافع وراءه: انه بوضوح ويسر بقاء النوع. تفرض الطبيعة على الأحياء غرائز تضمن استمرارهم وتطورهم الفردي والنوعي لأن الطبيعة لا تريد أن تخسر التراكم التطوري المادي الذي تجمع في هذه الكائنات. بتعبير آخر لو لم تكن هذه الكائنات (بشر – حيوانات ) مزودة بغريزة طاغية لحفظ الذات الفردية والنوعية(السلالة) لما أمكن لها أصلا أن تتناسل وتتطور خلال ملايين السنين لتصل إلى الحد من التطور المادي الذي وصلت إليه.

عند الحيوانات المتطورة وخاصة الإنسان يحتاج المولود الحديث إلى زمن طويل ليصبح قادرا على الاعتماد على نفسه من حيث تأمين الغذاء والحماية، لذلك إذا لم تأمن الأم متطلبات وليدها خلال هذه الفترة فان فرصته في البقاء شبه معدومة ولأن هذه الفترة طويلة فان الأم وحدها غير قادرة على ذلك مما استدعى إشراك الذكر بصفة زوج لها في هذه العملية. ولنلاحظ أن الثدييات العليا كالمجترات رغم أنها من الناحية البيولوجية أكثر تطورا من الطيور، لا تعيش كأزواج بينما الطيور الأقل تطورا تعيش بشكل أزواج وهذا مفهوم تماما في ضوء ما سبق فمواليد المجترات تستطيع الاعتماد على أنفسها بسرعة أكبر من الطيور الصغيرة بسبب احتياج الأخيرة إلى تعلم الطيران وهو ما يستغرق وقتا طويلا نسبة إلى مدة حياة الفرد. وبالتالي تطور لدى الطيور نظام العيش الزوجي(ذكر – أنثى ) ولم يتطور لدى المجترات رغم كون الأخيرة في موقع أعلى من الطيور من وجهة نظر تصنيف الأحياء والذي عادة يعتمد على تطور الدماغ . نفس الكلام ينطبق على البشر أو هو صار ينطبق عليهم في مرحلة متقدمة من تطورهم عندما أصبح الإنسان يسير منتصبا على قدمين وبالتالي صار المولود الجديد يحتاج إلى فترة طويلة نسبيا ليصير قادرا على الاعتماد على نفسه قياسا إلى عمر الفرد.

ولنأتي الآن إلى قضية الاحتشام والتي لا نجدها إلا عند البشر: ببساطة سببها هو الزواج مضافا إليه النشاط الجنسي المستمر لدى المرأة.

عند جميع الحيوانات(مع وجود استثناءات قليلة جدا) لا تكون الأنثى نشيطة جنسيا ومستعدة لممارسة الجنس إلا لفترة محدودة للغاية في طول حياتها: إنها فترة الإخصاب؛ فالهرمونات التي ترافق عملية الاباضة تجعل تلك الإناث نشيطة وجاهزة للاتصال الجنسي وهي أبدا لا تمارس الجنس في غير تلك الفترات القصيرة.  بينما المرأة نشيطة جنسيا باستمرار. من المفهوم أن تطور البشر أدى إلى تحول الوظائف البيولوجية لديهم إلى ممارسات اجتماعية فالطعام الذي يتناوله الحيوان في أي وقت يشعر فيه بالجوع أصبح لدى البشر وجبات يومية منتظمة وبنفس الطريقة تحولت ممارسة الجنس لدى البشر إلى عملية منتظمة ومستمرة. ربما يكون أحد أسباب ذلك هو حاجة الذكر والأنثى للعيش معا مما يجعل من الأفضل أن تكون هناك متعة مشتركة تتكرر يوميا أو كل عدة أيام لتمتين الرغبة في البقاء معا والتعاون على تربية المواليد الصغير. وهناك سبب ثاني هو أن فترات الإخصاب لدى الحيوانات  تتأثر بفصول السنة فكثير منها تمر في فترة إخصاب في نهاية الشتاء مما يعني أن المواليد الجديدة تأتي في الربيع مما يجعل فرصة نجاتها أكبر بينما قدرة الإنسان على التحكم بالمحيط الذي يعيش فيه ولو جزئيا حرر عضويته من التبعية لتغير الفصول. في الخلاصة أصبح الإنسان قادرا على استغلال أفضل لعضويته من أجل إنجاب المزيد من المواليد فمن الممكن ممارسة الجنس وبالتالي الحمل في أي وقت دون الحاجة إلى انتظار  فصل محدد.كبرأأأ من المهم أن نفهم أن هذه – طريقة ممارسة الجنس والحمل والولادة - عملية هامة للغاية فحفظ النوع أهم مهمة تواجه أفراد أي نوع وبسبب كون الإنسان مخلوق رهيف وضعيف مقارنة ببقية الحيوانات فهو يحتاج إلى عدد كبير من المواليد ليحافظ على بقاء النوع، لنتذكر أن متوسط الأعمار كان يقل عن أربعين سنة في العصور الوسطى وأنه كان أقل من ذلك بكثير في مطلع التاريخ وأن مولودا واحدا من كل عشرة مواليد ربما تكون لديه فرصة ليصل لمرحلة النضوج الجنسي وبالتالي الإنجاب.

إذاً: بقاء النوع فرض على البشر عملية الزواج وحاجتهم إلى الزواج مع كون المرأة نشيطة جنسيا طوال الوقت نتج عنه الحاجة إلى ما سميناه بالاحتشام.

لنفكر أن المجتمعات البشرية لو لم تخترع الاحتشام وبسبب نشاط المرأة الجنسي المستمر وانعدام أي وسيلة لمنع الحمل في تلك الأزمنة فان هذا كان سيعني اختفاء الزواج مما سيهدد بقاء النوع البشري لأن النساء وحدهن سيكن المسئولات عن رعاية مواليدهن وهو الأمر الذي سيعجزن عنه على الأرجح وبالتالي سينقرض النوع البشري. كما ذكرت في مقالة سابقة تم إتمام الصيرورة السابقة بإبراز دور الذكر في الإنجاب من أجل ربط الذكر بمواليد المرأة التي يعاشرها جنسيا وبالتالي وّجد ما يسمى بالأبوة وغريزة الأبوة غريزة اجتماعية فقط بينما غريزة الأمومة غريزة بيولوجية. لكن الأمر انتهى إلى الطرف المعاكس تماما حيث صار الذكر – الأب – هو المالك الفعلي للمولود الجديد.

هذه عملية مفهومة ولا غنى عنها فكون غريزة الأبوة ليست أكثر من اختراع اجتماعي غير ناتج عن فسيولوجيا عضوية الذكر كان لا بد من منح الرجل الكثير من الإغراء ليقبل ثم يستمر في هذا الدور الذي حمله مسئوليات ومهام كبيرة وقد قدمت المرأة جميع هذه التنازلات مدفوعة بغريزة الأمومة الأصيلة لديها؛ من أجل أطفالها. وبصياغة مادية بحته فان الطبيعة من أجل الحفاظ على الجنس البشري دفعت إلى ذلك المسار فطبيعة المرأة هي التي جعلتها تقدم تلك التنازلات غير مختارة وذلك بما يتناسب مع طبيعة الرجل ويؤدي به في النهاية إلى لعب الدور الذي تتطلبه عملية بقاء النوع  ومن الواضح أن الرجل كان طماعا جدا فقد لعب دور الأب المسئول عن المولود لكن بعد أن حصل على الكثير الكثير من المرأة والطفل نفسه والواقع أنه لما كان الرجل لا يملك غريزة طبيعية نحو الأطفال ولما كانت عملية رعاية الأطفال شاقة ومكلفة لم يكن هناك من وسيلة لجعله يقوم بذلك إلا ما حدث فعلا: أن تقدم المرأة تنازلات كبيرة ومؤلمة علما أن عملية حفظ النوع هي التي فرضت ذلك عليها أيضا مما يعني أنه لم يكن لدى المرأة من خيار فيما حصل. وبالتالي من الطبيعي أن يكون الاحتشام موجه بشكل رئيسي للنساء فقط.

الأخلاق إذاً تأتي من الحاجة إليها وتفرضها الأرض وليس السماء. البعض يرى حاليا أن الطريق الوحيد لإنقاذ الأرض هو تخفيف اكتظاظ الكوكب مما يعني أنه كلما انخفض عدد المواليد كلما كان ذلك أفضل وبسبب التطور الكبير في وسائل منع الحمل فانه ربما سيكون من الأفضل اعتماد أخلاق تختلف عن الأخلاق التي فرضتها مرحلة التطور في فجر البشرية كما أنه من المناسب تعويض النساء عن ما أصابهن طوال تاريخ البشرية حيث انخفضت كثيرا حاجتهن للرجال لأنهن لم يعدن بحاجة لإنجاب الكثير من الأطفال فالعالم لم يعد يتسع وأصبح مؤشر غريزة حفظ النوع يؤشر بالاتجاه المعاكس فبقاء البشر صار اليوم يعتمد على قدرتهم الحد من جلب مزيدا من الناس إلى العالم، كما أن الدولة الحديثة خاصة في الدول المتقدمة تقوم بدور هام إن لم يكن الأهم في رعاية المواليد وليس الرجل الفرد، فمع انخفاض عدد المواليد وتقدم أساليب الحياة وتطور المجتمعات وهياكل الدولة صار العبء الأكبر لتنشئة الأطفال تتحمله الدولة والمجتمع وليس الأسرة والأب.


الكاتب محمد شرينة كاتب عربي فلسطيني للتواصل  هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته

أنت الآن هنا