التمييز الديني في المناهج المدرسية مصر نموذجاً

لعبت المصادفة دورا في أن أطلع على مناهج الدراسات الاجتماعية للمرحلة الابتدائية للعام الدراسي (2006-2007)، وانتابني الفضول الشديد أن أعرف ماذا يتعلم الأطفال في مصر عن تاريخ بلادهم في عصرنا الحالي، هذا العصر الذي لم يشهد تاريخ الإنسانية له مثيلا، والذي تتقافز فيه معدلات التقدم إلى آفاق غير مسبوقة، ويجري فيه سباق محموم للحفاظ على الهوية والقومية قبل الذوبان في بوتقة العولمة.


وقد أقدمت بنهم شديد على قراءة محتوى هذه المناهج بعين الفضول وروح وعقل الباحث، ولا أنكر أن ما وجدته قد أصابني بالحزن الشديد، بل وبالإحباط والغم، خاصة أنني كنت قد اطلعت -بالمصادفة أيضًا- على بعض الدراسات على شبكة الإنترنت والتي تتحدث عن تدريس مناهج التاريخ والتربية القومية في فرنسا وغيرها من البلاد المتقدمة، وتبينت أن الهوة السحيقة التي تفصلنا عن العالم الغربي ليست فقط هوة حضارية وثقافية، ولكنها هوة تكوينية أيضا (إذا جاز التعبير)، فتكوين المواطنين في مصر يختلف اختلافا جذريا عن تكوين المواطنين في العالم المتقدم، وما تبثه مناهج المرحلة الابتدائية في مصر، خاصة في مادة فائقة الحساسية مثل مادة التاريخ من شأنها ترسيخ قيم الانتماء والمواطنة، لا علاقة له بهذه القيم ولا بتلك المواطنة، ولا يدعي أحد أن المرحلة الابتدائية مرحلة أطفال وأن تدريس التاريخ بالمعنى الحرفي للكلمة يصعب عليهم، إن أطفال المرحلة المعادلة للمرحلة الابتدائية في فرنسا يدرسون مبدأ المواطنة بالتفصيل ويدرسون تاريخ الحضارة المصرية بوصفها مهد الحضارات بتفاصيل لا يعرفها الطفل المصري، وهم بالطبع ليسوا أكثر ذكاء من أطفالنا الذين يحملون في وجدانهم حضارة سبعة آلاف عام كاملة غير منقوصة.

ولم يكن ما أثر فيّ يتعلق فقط بسطحية العرض وفراغ المضمون، ولكن يتعلق بانتقائية مقصودة تهدف إلى عدم الإشارة إلى فترات معينة من تاريخنا وإلى شخصيات محددة في مساره. ولا يتوقف الأمر على تمجيد فترات وتجاهل أخرى، ولكن أيضا يصل إلى تمجيد عقيدة دون الأخرى، وكلاهما أمر له خطره الفادح وإساءته البالغة في تشكيل نفوس هذه البراعم الغضة التي تخطو خطواتها الوليدة في عالم لا تزال تجهل فيه كل شيء.

وحتى يكون الحديث موضوعيا، لابد أن أشير إلى وقائع محددة هزتني عند اطلاعي على هذه المناهج، وأبدأ بالقول إن منهج الدراسات الاجتماعية في المرحلة الابتدائية لا يبدأ تدريسه إلا بدءًا من الصف الرابع الابتدائي، وهو منهج هجين يشمل التاريخ والجغرافيا والتربية القومية والتربية البيئية، وسأحاول في هذه الورقة التركيز على الجزء التاريخي في هذه المناهج.

 

 

منهج الصف الرابع الابتدائي

وإذا بدأنا بمنهج الصف الرابع الابتدائي، سوف نجد أن الأحداث التاريخية في هذا المنهج تُروى بشكل أقرب إلى الذكريات المرسلة منه إلى سرد الحقائق التاريخية مثل القول في كتاب الفصل الدراسي الأول ص 49:

"فعندما نذكر القاهرة، نتذكر أحداثا تاريخية مثل:

- تأسيس مدينة القاهرة كعاصمة لمصر، وبناء الأزهر في عهد المعز لدين الله الفاطمي على يد جوهر الصقلي في 6 يوليو سنة 969م. (...)

- وعندما نذكر محافظة البحيرة، نذكر انتصار أهل رشيد على الإنجليز عام 1807م.

- وفي محافظات القناة نتذكر حفر قناة السويس وافتتاحها للملاحة عام 1869م، وبطولات شعب السويس والإسماعيلية وبورسعيد في حروب 1956م، 1967م، 1973م، ضد العدوان".

وهذه الطريقة في عرض أحداث ليس للطفل عنها أية خلفية، ولم يتم تقديمها له مسلسلة ولا مرتبة، يجعلها تتحول عنده إلى نوع من القصص المسلية التي يسمعها دون أن يندمج معها، ولا يكون لديه الحق بعد ذلك في السؤال عن تفاصيلها أو نقدها، ولا شك في أن هذه الطريقة تحفز التلقين، ولا تدعو أبدا إلى التفكير ولا إلى التدبر في أحداث الماضي. وينتهي الحديث المختصر لهذه الأحداث بقول الكتاب ص 50: "وستكون أنت وزملاؤك ممن يشاركون في بناء مستقبل محافظتك ومجد بلادك، وهذا يكون بالعلم والعمل، والصبر والجهاد، والأمانة وحسن الخلق" !!! وهذه طريقة غريبة في إنهاء الموضوع، إذ يتحول درس التاريخ، الذي لابد وأن يدعو إلى التفكير والسؤال، إلى درس في الأخلاق، وكأن التاريخ كله أخلاق، ورموزه كلهم على خُلُق، ولم يصلوا إلى مكانتهم التاريخية إلا بالأخلاق !!! وهذا تمجيد للماضي وتقديس للتاريخ يتسبب في القضاء على أية نظرة نقدية أو عقلانية، كما يكرس النظر إلى التاريخ على أنه مقدس لا يجوز نقده.

ونقرأ في عامود جانبي عنوانه "معلومات وأنشطة إثرائية" في كتاب الفصل الدراسي الأول ص 50: "هل تتمنى أن تنجز عملا مجيدا، تفتخر به مصر، مثل ما أنجزه العالم أحمد زويل أو نجيب محفوظ؟ .. عليك بالاجتهاد والتفكير الجيد والإبداع." والسؤال المحير هو تحت أي بند يوضع هذا السؤال؟ هل هذا من التاريخ أم من الوعظ أم ماذا؟ وأي إبداع منتظَر ممن يدرسون هذا الكلام المرسل؟ والسؤال الملح أيضًا هو لماذا لا يُذكر سوى المسلمون كنماذج تُحتذى؟ ولا يقل أحد إن السبب في ذكر هذين الاسمين اللامعين هو حصول كل منهما على جائزة نوبل، لأن الأطفال في هذا العمر المبكر لن يمكنهم إدراك قيمة جائزة نوبل أو غيرها، ولن يترسخ في أذهانهم سوى أسماء الشخصيات المذكورة، فلماذا لا يتم ذكر نماذج قبطية مشرفة أيضًا في السياق ذاته تغرس في نفوس أطفالنا المساواة في الإبداع والابتكار وخدمة الوطن بين المسلمين والمسيحيين؟

 

في ص 52 من الكتاب نفسه، نجد جدولا به أسماء المحافظات الست والعشرين (في وقت طبع الكتاب) لجمهورية مصر العربية، وبجوار كل منها كلمات محدودة تصف الأحداث التاريخية المجيدة في كل منها، وبجوار اسم مدينة الإسكندرية على سبيل المثال نقرأ الكلمات الآتية: "إنشاء مكتبة الإسكندرية – خروج الملك فاروق من مصر – منارة الإسكندرية"، هكذا دون أية تفصيلات، ودونما ذكر لأي معلم من تاريخ الإسكندرية في هذا المنهج أو في أي من مناهج التاريخ لسنوات الابتدائي التالية سوى هذا الوصف الهزيل لإحدى أعرق المدن في التاريخ والتي يبلغ عمرها الآن أكثر من ألفي عام، والتي كانت في يوم من الأيام قلب المسيحية النابض حتى أنه كان يُطلق عليها لقب "المدينة العظمى"، وكانت عاصمة لمصر كلها لمئات السنين، ودارت على أرضها وقائع وفظائع تعذيب واستشهاد الآلاف من المسيحيين في عصر الاضطهاد الروماني.

 

ونقرأ في الكتاب نفسه، تحت عنوان "شخصيات تاريخية مجيدة في بلادي ومحافظتي" في صفحتي 54،53: "تبين لك في الدرس السابق أن كل محافظة من محافظات وطنك مصر وقعت بها أحداث تاريخية مجيدة. كان وراء كل حدث شخصية عظيمة، بذلت الجهد من أجل بناء وطن قوي عزيز، وفي تاريخ بلادك كثير من هذه الشخصيات العظيمة، فعلى سبيل المثال: الملك مينا الذي حقق أول وحدة للبلاد، والملك أحمس الذي طرد الهكسوس من مصر، وصلاح الدين الأيوبي بطل موقعة حطين، ومصطفى كامل وسعد زغلول وطه حسين، وجمال عبد الناصر قائد ثورة 23 يوليو 1952م وأبطال حرب أكتوبر 1973م، الرئيس الراحل محمد أنور السادات صاحب قرار العبور، والرئيس محمد حسني مبارك قائد الضربة الجوية الأولى." والمدهش في الأمر، أن يحيط هذا الكلام العائم مجموعة صور تشمل: رمسيس الثاني، نفرتيتي، سعد زغلول، مصطفى كامل، أم كلثوم، أحمد عرابي، سهير القلماوي، أحمد زويل، طه حسين، محمد متولي الشعراوي!!!

وكأنه لا يوجد في تاريخ مصر سوى الفراعنة كأجداد ثم المسلمون بعدهم مباشرة، فلا يوجد قبطي واحد في هذه القائمة الوافية من الأسماء والصور، ولا يوجد حتى مجرد ذكر لفترة الأعوام الستمائة الساقطة مع سبق الإصرار والترصد من تاريخ مصر وهي الفترة الممتدة من عام 50م عندما دخلت المسيحية مصر على يد مرقس الرسول وحتى عام 629م وهو عام دخول جيوش عمرو بن العاص مصر. ومما يؤكد النية على ترسيخ إعلاء عقيدة عن أخرى هو وضع صورة للشيخ الراحل محمد متولي الشعراوي والذي يبدو ظهوره في هذا المنهج خارج السياق وكأنه قد تم الزج بصورته زجًّا لفرض فكرة معينة، لأنه إذا كانت النية معقودة على غير ذلك لوضعت بجوار صورته صورة رجل دين مسيحي ليظهر جليا في عيون الأطفال أن كلا الطرفين ساهم بدور متساوٍ في بناء الوطن، لكن من الواضح أن الوطن لم يرد على ذهن واضعي هذا المنهج.

ومن ناحية أخرى، أجد نفسي أتساءل: لماذا ينحصر الأمر دوما في تمجيد شخصيات؟ وشعرت بالشفقة على هؤلاء الأطفال، ترى بماذا يشعرون -وهم لا خلفية لهم على الإطلاق- عند قراءتهم لكل هذه الأحداث التي تُعرض عليهم وهي كالعقد الذي انفرطت حباته وضاعت معالمه؟

منهج الصف الخامس الابتدائي

وحاول منهج الصف الخامس الابتدائي أن يكون أفضل حالا، فمن الملاحظ أنه في الفصل الدراسي الأول لهذا الصف يتم التركيز على المزيد من التفاصيل التاريخية، وعلى ألا يكون الشرح عائما كما كان في الصف السابق، ويذكر منهج هذا الصف الحقبة الفرعونية، ولكن ليس من خلال استعراض أحداث مرتبة، بل من خلال تمجيد شخصيتين تاريخيتين، وتدعم هذه الفكرة من جديد نظرية تمجيد الفرد، وأنه بدون الارتكان إلى أفراد بعينهم لا يكون هناك مجد للأمة. ويبدأ الحديث بالتركيز على الملك مينا موحد القطرين والذي يمتد في الصفحات 27، 28، 29 من كتاب الفصل الدراسي الأول، ثم الملك أحمس طارد الهكسوس والذي يمتد في الصفحات 33، 34. ويكتفي مبتكرو هذا المنهج بهاتين الشخصيتين للحديث عن التاريخ المصري القديم دون الإشارة إلى أية تفصيلات أخرى عن حضارة المصريين القدماء.

ويستمر كتاب الفصل الدراسي الثاني لهذا الصف في التركيز على تمجيد شخصيات تاريخية، وينتقل هنا إلى شخصيات من التاريخ الإسلامي، ويركز على ثلاث شخصيات منها وهم: عمرو بن العاص ودخول الإسلام إلى مصر، وصلاح الدين الأيوبي وجهاده ضد الصليبيين، وسيف الدين قطز وهزيمة التتار. ويركز الجزء الخاص بعمرو بن العاص والذي يمتد في الصفحات 19، 20، 21، 22 على عمرو بن العاص كشخصية وعلى تمجيد إسلامه ووصفه بالقائد العظيم وبأنه هو السبب في إسلام منطقة عُمان بحكمته وبأنه أحد أصحاب الفضل في إعادة القبائل العربية إلى الإسلام وبأنه هو الذي فتح الشام وهو الذي اقترح فتح مصر على عمر بن الخطاب وبأنه لم يقاومه فيها سوى الروم (!!!)، وبأنها ازدهرت في عهده وأنه قام بأعمال عظيمة وظل بمصر إلى أن توفي ودفن قرب المقطم. ولا يفرض المنهج أي تساؤل فيما يختص بفتح مصر –أو بغزو مصر إذا أردنا الدقة في التعبير- فلا يمكن أن يكون محل تصديق ألا تواجه جيوش المسلمين مقاومة في مصر إلا من الرومان، وأين أهل مصر من الأقباط؟ وهل كانوا سيسمحون ببساطة لمحتل جديد أن يستولي على بلادهم ليضيف إلى ويلاتهم ويلات أخرى؟ إن الحقيقة التاريخية تقول إن عمرو بن العاص لم يتحقق له الاستيلاء الكامل على مصر إلا بعد ثلاث سنوات من بداية دخوله عند حدودها الشرقية، وأنه بعد أن طرد الرومان، لم يتعاون معه الأقباط إلا بعد أن أبدى الكثير من الدهاء السياسي في التعامل معهم، وذلك بغرض الاستفادة من خبراتهم في إدارة الدواوين الإدارية وفي إدارة شئون الدولة الزراعية التي كان العرب يجهلون سبل إدارتها جهلا تامًا نظرا لطبيعة بيئتهم المختلفة عن طبيعة الأرض المصرية، وأنه لم يبدأ الأقباط في التعاون معه إلا بعد أن استدعى حبرهم الأعظم البابا بنيامين الذي كان هاربا في الصحراء لسنين طويلة، كما أنه سمح لهم بإعادة ترميم كنائسهم وأديرتهم بل وساعدهم في ذلك بالأموال والرجال، وأنه وقتها فقط بدأ الأقباط يثقون فيه ويتعاونون معه، مع العلم أن اللغة العربية لم تصبح اللغة الرسمية في مصر إلا بعد حوالي مائتي عام من دخول المسلمين إليها؛ والسؤال هو: لماذا لا يتم طرح هذه الوقائع للنقاش بدلا من طرح الموضوع في صورة مسلمات غير قابلة للنقد ولا للنقض؟ وفي هذا السياق أيضًا أتساءل: أفلا تستحق شخصية مثل البطريرك بنيامين أن يسلَّط عليها الضوء؟ يخبرنا التاريخ القبطي أنه كان يقاوم اضطهاد الرومان، وأنه فقد أخاه الوحيد شهيدًا على أيديهم بعد أن أذاقوه (الأخ) من العذاب ما يفوق تحمل البشر ليغير عقيدته، ولما فشلوا في ذلك وضعوه في جوال وألقوا به في البحر، وظل البطريرك بنيامين هاربًا في منطقة الصحراء الشرقية لمدة تزيد عن السنوات العشر، ألم يكن هذا الحبر الجليل بطلا مصريا يحب بلده ويعتز بعقيدته ويقاوم المحتل الغاشم؟

ويركز الجزء الخاص بصلاح الدين الأيوبي والذي يمتد في الصفحات 25، 26، 27، 28 على توضيح من هم الصليبيون ومن هو صلاح الدين الأيوبي، مع وصفه على أنه أحد أبطال الإسلام، وأنه نجح في القضاء على الخلافة الفاطمية (!!!) وأنه هو الذي واجه الصليبيين وهزمهم واستعاد بيت المقدس من بين أيديهم وعقد صلحا مع الملك ريتشارد قلب الأسد، وأنه توفي ودفن في دمشق. ومن المدهش القول إن صلاح الدين الأيوبي نجح في القضاء على الدولة الفاطمية وكأن الدولة الفاطمية كانت من الأعداء، دون أن ينتبه واضعو هذا المنهج أن الدولة الفاطمية هي التي أنشأت مدينة القاهرة وهي التي بنت الجامع الأزهر وهي التي رسخت في مصر عادات ومناسبات دينية مازالت موجودة حتى الآن مثل التبرك بأولياء الله الصالحين والاحتفال بالمولد النبوي الشريف والاحتفال بعاشوراء وغير ذلك.

ولم يتحدث المنهج كذلك عن دهاء صلاح الدين الأيوبي في الاستيلاء على السلطة في مصر، كما لم يذكر أنه في معرِض تخلصه من آثار الخلافة الفاطمية الشيعية قام بإحراق جميع كتبهم عن طريق استخدامها لتحمية الحمامات العامة، ولنا أن نتصور أية خسارة تراثية فادحة تسبب فيها بغرض ترسيخ المذهب السني في مصر وما يعنيه هذا التصرف من عدم تسامح ومن إلغاء للآخر. ومن الثابت تاريخيا أنه كان قائدًا محنكًا ولكنه لم يكن ليذهب إلى عدوه الملك ريتشارد للإشراف على علاجه بنفسه -على طريقة الفيلم السينمائي الشهير- كما هو مذكور في            ص 27 في عامود "معلومات وأنشطة إثرائية". كما لم يشر المنهج إلى أن معركة حطين كانت واحدة من المواجهات العسكرية القليلة مع الصليبيين والتي منها ما انهزم فيه صلاح الدين ومنها ما انتصر فيه، أما غالبية مواجهاته العسكرية فكانت ضد حكام مسلمين بغرض تثبيت ملكه وإمعانا في توزيع الإقطاعيات على أقاربه! ومعركة حطين التي انتزع بها صلاح الدين أورشليم أو القدس بمعاهدة صلح لم يمتد أثرها سوى عشرين شهرًا عاد بعدها الصليبيون وانتزعوا المدينة منه، وفي وقت متأخر كتب المؤرخ ابن العماد في كتابه "شذرات الذهب في أخبار من ذهب" أن الكامل –أحد أقارب صلاح الدين- سلم القدس لملك الفرنج بناء على طلب من هذا الأخير وبعد أن تم الاتفاق بينهما على أن يسلم دخلها إلى الكامل على أن يحتفظ ملك الفرنج بمفاتيحها حفظًا لماء وجهه أمام ملوك أوروبا وبابا روما! وأتساءل مرة أخرى لماذا لا يتم طرح هذه الجوانب المطمورة من التاريخ دون تمجيد أو تعظيم ودون استخدام أفعل التفضيل ومصطلحات المديح؟ وما الغرض من هذا الإعلاء الضمني لأفراد بعينهم يتبعون عقيدة بعينها؟

ويركز الجزء الخاص بسيف الدين قطز على توضيح من هم المغول، وما فعلوه بالعالم الإسلامي وبأن مصر مثلما حمت العالم من الصليبيين فإنها حمته أيضا من المغول، ويستعرض المنهج قصة السلطان قطز الذي استعد لقتال المغول بعد توليه الحكم، وأنه حاربهم وانتصر عليهم في موقعة عين جالوت، وأنه منع زحفهم إلى باقي العالم، وأن مصر قد تزعمت العالم الإسلامي بعد هذا النصر. ولم يذكر المنهج أية إشارة إلى الدور المهم الذي لعبه ركن الدين بيبرس في إعداد جيش مصر لمحاربة المغول، وأنه لولا مساندة بيبرس لقطز وجمعه أمراء المماليك الذين كانوا يتأثرون بشخصية بيبرس القوية الآسرة لما كان النصر في عين جالوت، ولم يذكر المنهج بالطبع أن السلطان المظفَّر قطز لم يكن ملاكا على الإطلاق، وأن اسمه بدأ في الظهور على مسرح الأحداث التاريخية مرتبطا بالاغتيالات السياسية التي أودت بحياة الأمير المملوكي أقطاي والسلطان المملوكي عز الدين أيبك قبل أن يتولى الحكم بعد هذا الأخير، وفي غمار هذه الأحداث، أعلن قطز عبارته التاريخية التي التصقت به وهي "الحكم لمن غلب"، والتي أسست لسلوك البلطجة السياسية التي كان هو أول من دفع ثمنها من حياته عندما قتله بيبرس غدرًا عقب عين جالوت مباشرة ثم تولى الحكم بعده.

إن الهدف من سرد هذه الحقائق لأولادنا هو عدم الرفع من شأن عقيدة دون أخرى، فها هم مسلمون يقتلون بعضهم البعض طمعًا في الحكم، ولم يمنعهم اشتراكهم في اعتناق الدين نفسه أن يقتتلوا فيما بينهم طمعًا في عرض الدنيا، وأن الأمر لا علاقة له بتاتا بأي دين، ولكنه يدور في دائرة المصالح السياسية والتكالب على المطامع الدنيوية. وأن هذا من شأنه أن يحدث لمعتنقي أي دين، فليس "عدوك عدو دينك" كما قد يُشيع البعض الآن، بل إن عدوك قد يكون من دينك ومن وطنك بل ومن أقرب أقربائك إذا اشترى مصلحته وباع بعدها كل شيء. إن ما نريد ترسيخه في أبنائنا هو أن يتعاملوا مع أخلاق الإنسان أيا كانت انتماءاته الدينية أو العقائدية، وألا ينظروا إلى المسلمين فقط على أنهم أبطال، ففيهم الصالح وفيهم الطالح مثلهم مثل أية جماعة أخرى من البشر.

منهج الصف السادس الابتدائي

ويحاول منهج الصف السادس الابتدائي أن يتدارك بعض التوازن المفقود في العرض التاريخي للمنهجين السابقين، حيث يعرض المنهج في الصفحات 17، 18، 19، 20 من كتاب الفصل الدراسي الأول تاريخًا مختصرًا عن محمد علي باشا وإنجازاته لتأسيس دولة حديثة في مصر، إلا أنه ولأول مرة يبرز جانبا سلبيا لشخصية تاريخية في قوله في ص 19: "أراد محمد علي الانفراد بالسلطة، فتخلص من المماليك في مذبحة القلعة، ونفى الزعماء الوطنيين الذي عارضوه". ولا أعرف لماذا اقتصر إبراز نقاط سلبية على محمد علي باشا ولم يتم تعميمه على جميع الشخصيات التاريخية التي طرحتها المناهج؟ كما يستعرض المنهج في الصفحات 23، 24، 25، 26 مختصرًا لقصة أحمد عرابي ومقاومة الاحتلال الإنجليزي، وموقف أحمد عرابي مع الخديوي توفيق والثورة العرابية ثم قصف الإسكندرية ومعركة التل الكبير وخيانة الضباط لعرابي التي أدت إلى هزيمته في هذه المعركة، ودخول الإنجليز منها إلى القاهرة حيث بدأ الاحتلال الإنجليزي لمصر عام 1882 لتستمر روح المقاومة بقيادة مصطفى كامل ثم محمد فريد من بعده، وهو استعراض يتم قفزًا ولا يعطي أية فرصة لأية تفكير نقدي أو تحليلي.

 

ويستعرض منهج الفصل الدراسي الثاني شخصيات تاريخية من العصر الحديث، ومرة أخرى يتم سرد التاريخ من خلال شخصيات وليس من خلال أحداث، ويستعرض المنهج شخصيات سعد زغلول وطلعت حرب وجمال عبد الناصر. ويستعرض المنهج باختصار في الصفحات 1، 2، 3، 4 بداية سعد زغلول وتاريخه وقيام ثورة 1919 على إثر نفيه مع زملائه، والمناصب التي تبوأها حتى وفاته في عام 1927. ثم يستعرض باختصار في الصفحات 7، 8، 9 تاريخ طلعت حرب وإنشائه لبنك مصر والمؤسسات التابعة له، ثم يستعرض في الصفحات 11، 12، 13 تاريخ جمال عبد الناصر ومبادئ ثورة يوليو 1952 وإنجازاتها حتى وفاة جمال عبد الناصر وتولية نائبه محمد أنور السادات صاحب قرار العبور، ثم عودة سيناء كاملة في عام 1982.

ولا يذكر المنهج في هذا السياق أي اسم قبطي، على الرغم من أنه في فترة ثورة 1919 بالذات، لا يقل الدور الذي لعبه كل من ويصا واصف وسينوت حنا ووليم مكرم عبيد وغيرهم من الأقباط الوطنيين عن الدور الذي لعبه سعد زغلول ومصطفى النحاس وعبد العزيز فهمي وغيرهم، ولا يعرف أطفال مصر والكثير من الكبار فيها أيضًا أن شعار الهلال مع الصليب ابتكار قبطي في الأساس رفعه لأول مرة القمص المجاهد مرقس سرجيوس، وهو ذاته الذي خطب على منبر الأزهر وفي صحن مسجد أحمد بن طولون منددا بمحاولات الإنجليز لبذر بذور الشقاق بين المسلمين والمسيحيين في مصر، وردد عبارته التاريخية الخالدة: "إذا كان الإنجليز يتمسكون ببقائهم في مصر بحجة حماية الأقباط فإنني أقول: ليمت الأقباط وليحيا المسلمون أحرارًا." وهو ذاته الذي تم نفيه إلى رفح مع الشيخ علي الغاياتي رفيق كفاحه عقابًا لهما معًا على تحريضهما الجماهير ضد الإنجليز.

ويا ليت واضعو هذا المنهج قد قرأوا ما كتبه اللورد كرومر –المعتمد البريطاني لمصر- في كتابه "مصر الحديثة" عن فشله في تطبيق سياسة "فرق تسد" بين المسلمين والمسيحيين في مصر على الرغم من نجاحه في تطبيقها في الهند، وتأكيده على أن الأقباط كانوا يتعاملون مع الإنجليز بمشاعر خالية من الصداقة، وأنه لم يجد أية فوارق في السلوكيات العامة بين المسلمين والمسيحيين المصريين سوى أن المسلمين يصلون في المسجد والمسيحيين يصلون في الكنيسة. فأين هذه الشهادة من رجل كان يمثل رأس الاحتلال الأجنبي الغاشم على مصر من التجاهل التام لدور الأقباط في مناهجنا الدراسية؟

تعقيب

وبناء على ملاحظاتي السابقة، أسجل عدم ذكر الموضوعات التالية في تاريخ مصر في أي من المناهج المذكورة: تفاصيل حضارة المصريين القدماء، الاحتلال الفارسي لمصر، الاحتلال البطلمي لمصر وما تبعه من إنشاء لمدينة الإسكندرية ولمكتبة الإسكندرية، الاحتلال الروماني لمصر، دخول المسيحية إلى مصر وما تبعه من اضطهاد الرومان الوثنيين للأقباط ثم اضطهاد الرومان بعد تنصرهم أيضا للأقباط للاختلاف في المذهب وهي الفترة الممتدة لستمائة عام، مشاهد موضوعية للتاريخ الإسلامي في مصر الطولونية والإخشيدية والفاطمية والأيوبية والمملوكية والعثمانية، عصور أبناء وأحفاد أسرة محمد علي وإنجازاتهم وسلبياتهم حتى عام 1952، تاريخ قناة السويس من حيث الفكرة والمشروع والتنفيذ والإيجابيات والسلبيات. كما لاحظت عدم وجود تسلسل زمني في سرد الأحداث التاريخية، وأن التركيز دوما يكون على الشخصيات وليس على الأحداث، مما يتسبب في إفراغ الأحداث من مضمونها وجعل الأفراد هم المحور وليس الشعوب ولا الحركات المجتمعية، وهذا الإصرار على تمجيد وتقديس الشخصيات التاريخية يقضي على روح النقد ويكرس لثقافة أحادية لا تقبل الحوار ولا تتسامح في الاختلاف، كما أنه واضح كالشمس وجود نغمة من الانحياز الواضح للشخصيات التاريخية الإسلامية، ولفترات التاريخ الإسلامي، مع إغفال تام للدور القبطي سواء قبل دخول الإسلام مصر أو بعده.

خاتمة

إنني أود في النهاية أن أؤكد على أن المرحلة الابتدائية هي أولى المراحل باهتمام المتخصصين في مجال التعليم في مصر، ففيها تتشكل بذرة المواطن التي ستحدد مصيره فيما بعد، ولا نبالغ إذا قلنا إن الاهتمام بمادة التاريخ هو أحد دعائم ترسيخ الانتماء للوطن وعشق ترابه والعمل من أجل رفعته، وأن عدم فصل مادة التاريخ عن هذا المنهج الهجين المسمى الدراسات الاجتماعية، وعدم اعتباره مادة مستقلة بذاتها، والاستمرار في تدريسه بهذه الطريقة السطحية الانتقائية المسلوقة في هذه المرحلة الحساسة من تكوين شخصية المواطن، من شأنه الاستهانة بتاريخ الوطن والنظر إليه على أنه رحلة سفاري نذهب إليها ونعود منها وقد تعجبنا وقد لا تعجبنا؛ إنها لكارثة بكل المقاييس أن يتحول التاريخ إلى نص مقدس لا يجوز المساس به ولا النقاش حوله، أو أن يتحول إلى أداة لبرمجة العقول لصالح اتجاهات سياسية أو دينية بعينها دون غيرها، أو أن يتحول إلى وسيلة لغرس بذور التطرف والشقاق بين أبناء الأمة الواحدة والأرض الواحدة والمصير الواحد.

إن الانصياع إلى بعض التيارات الواردة إلينا من غمام الصحراء بفكر إقصائي لم يعرفه الوجدان المصري المتسامح على امتداد تاريخه المغرق في القدم آفةٌ أصابت البعض ممن غرقوا في دولارات البترول ثم عادوا إلى مصر يريدون تشويهها مثلما تشوهت نفوسهم التي كانت مصرية متحضرة فصارت بدوية مغرقة في التخلف. ولا يمكن أن يوقف هذا المد الهادر إلا تماسك أبناء الأمة على اختلاف عقائدهم دون أن يتخذ كل فريق موقفًا دفاعيا –ولا أقول عدوانيا- وكل منهم يتوهم أنه يدافع عن عزة دينه، والواقع يقول إن الأديان ليست في حاجة إلى متطرفين للدفاع عنها، ولكنها في حاجة إلى مؤمنين صادقين يفهمون فحواها الراقي المتسامح ويتعاونون مع إخوانهم من البشر حتى يتحقق الصلاح للجميع تحت مظلة الوطن.

----------------------------------------------------------------

المراجع

حسين كفافي، المسيحية والإسلام في مصر، مكتبة الأسرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2001.

يوسف زيدان، كلمات، نهضة مصر، القاهرة، 2008.


ترقبوا في عدد قادم دراسة عن التمييز الديني في المناهج السورية 

أنت الآن هنا