تـلك المـواد الخـطرة على البيئـة (الوطنية)!

فهرس المقال
تـلك المـواد الخـطرة على البيئـة (الوطنية)!
المواد الخطرة على البيئة 2
كل الصفحات

يقدم الكاتب عادل الجندي دراسة لما قدم قبل سنوات لتعديل الدستور المصري في حالة قانونية تتشابه مع حالة محاولة إقرار قانون الحوال الشخصية الجديد في سوريا . نترككم مع الدراسة التي لم تفقد راهنيتها .

 

في البداية لا بد من بعض المقدمات:

1.   يستند المجتمع، بالمعنى الحديث للتعبير، إلى عقد سياسي مزدوج التوجه: عقد اجتماعي مع من يقومون بالحكم، يتوافق فيه المواطنون على السلم المدني ونبذ العنف على المستوى الفردي؛ وعقد يربط المواطنين معا بمجموعة من المباديء السياسية والأماني المشتركة". الدستور هو إذن، كما يقول جان جاك روسو، "تسجيل لعقد يحول رغبات الأمة إلى مباديء محددة للعمل".

2.   الدولة كائن معنوي لا دين له، وليس من مهامها إدخال الناس للجنة. بينما الدين والشريعة، كما يقول المستشار العشماوي، مَعنِيان بالإنسان لا بالنظم؛ بالضمير أكثر من القواعد القانونية.

3.   يزعم، أو يظن، الكثيرون أن الحكم الديني (الثيوقراطي) يعني قيام رجال الدين بالحكم مباشرة. ولو صح هذا فإنه لا توجد في عالم اليوم سوى دولتين ثيوقراطيتين: إيران والفاتيكان!! لكن تعريف الدولة الدينية الصحيح (طبقا لموسوعة السياسات والدين، التي يرأس تحريرها روبرت ووثنو) هو في الواقع: "الحكم الذي يكون فيه الجهد الأساسي موجها نحو تطبيق قوانين إلهية". وبالتالي فهو يعني أي نظام حكم يستند بصورة أو بأخرى إلى "مرجعية دينية". إذن فالدستور المصري يؤسس لنظام حكم ديني (ثيوقراطي).

4.   مفهوم الدولة الحديثة ككيان سياسي اجتماعي، يستند إلى الشعب مصدراً للسلطات، يتنافى بصورة مبدأية مع شكل ومفهوم الدولة الدينية. الدولة الحديثة لا تستلهم السلف الصالح على حساب الخلف الطالح. الدولة الحديثة تتعامل مع النسبي والواقعي وليس مع المطلق والغيبي. الدولة الحديثة عقلانية ولا تزعم أنها دولة الكمال، لكنها دولة "السعي المستمر نحو الأفضل".

5.   عندما استخدم مصطلح "دين الدولة الرسمي" في بعض الدول الأوروبية حتى عهود قريبة، فهذا لم يكن يعني أكثر من تنظيم إداري بحت، مثل أن يقوم جهاز الدولة بتحصيل تبرعات (مع الضرائب) من المواطنين الراغبين لصالح المؤسسة الدينية الرئيسية في البلاد، مع ضمان حق باقي المواطنين في دفع تبرعاتهم (التي تتمتع بنفس المميزات الضريبية) لمؤسسات دينية أخرى بحسب اختيارهم. ولم يكن المصطلح يعني بأي شكل من الأشكال أن تنال تلك المؤسسة (أو الدين الذي تتبعه) معاملة تفضيلية، ولا أن تتأثر الدولة في سياساتها أو قوانينها بتوجهات تلك المؤسسة (أو الدين الذي تتبعه) ولا أن تقوم بدور "الدعوة" داخل البلاد أو خارجها. وعلى سبيل المثال، فإن دستور إيطاليا "أرض الكاثوليكية" ينص على أن "كافة الديانات تتساوى أمام القانون". أما في اليونان "أرض الأرثوذوكسية" فالدستور يذكر أن "الديانة السائدة في اليونان هي الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية" ولكنه يؤكد على كون "حرية الضمير الديني لا يمكن التعدي عليها. والتمتع بكافة الحقوق والحريات المدنية لا يتوقف على المعتقدات الدينية للفرد".

6.   البديل للدولة الدينية ليس "الدولة المعادية للدين" (كما حدث في النظم الشيوعية) بل الدولة العَلمانية (أي الدولة الحديثة) التي تحفظ للدين مكانه في القلوب إيمانا وتعبدا، وفي الضمائر والأخلاقيات عملا، وفي المجتمع دورا يليق به بدون فتح الباب لاستغلاله.

***

أولا:  أسباب عامة ومبدأية لضرورة إلغاء المادة الثانية

1.   إقحام الدين في السياسة ونظم الحكم، هو خلط يسيء لكليهما، إذ يسعى لسحب غطاء التقديس على ما هو غير مقدس ظنا، أو ادعاء، بأن في ذلك تنفيذاً لإرادة الإله وإعلاءً لشرعه. والاعتراض على قوانين أو ممارسات ذات مرجعية دينية سرعان ما تجري إدانته وحظره باعتباره تعديا على الدين نفسه، ثم الدخول في دوامة الاتهام بالكفر والإلحاد تودي بالمجتمع كله في هاوية سحيقة لا بد أن تنتهي إلى أعمال العنف والإرهاب. بينما الأصل أنه لا توجد قداسة أو نجاسة في نظم الحكم والسياسة؛ بل كل شيء قابل للنقاش والمجادلة، طبقا للمصلحة العامة ولتراضي الفرقاء من أبناء الجماعة الوطنية في إطار احترام مباديء الحرية والمساواة والعدالة.

2.   وجود مرجعية دينية في الدستور يعني بالضرورة قيام رجال الدين وفقهائه (بل وأدعيائه) بتفسير النصوص الدينية (التي هي بطبيعتها عامةٌ وحمالةُ أوجه وقابلة للتأويل) واستخلاص الأحكام التي تروق لهم منها منها والقيام بدور الرقيب على الدولة ومؤسساتها التشريعية والتنفيذية، وانتحال حق التفسير والتفقه والتوجيه. والتاريخ يعلمنا أن هذا لعب بالنار لم يحدث أن نجا منه أحد في الماضي. ونذكر أن مرشد الإخوان السابق، رحمه الله، قال عندما سئل عن "ولاية غير المسلمين على المسلمين" أن هذا أمر سيقوم ببحثه، في الوقت المناسب، "أهل الحل والعقد". من هم هؤلاء، ياترى، وما هي سلطاتهم ومن يعينهم ويفصلهم ومن يراقبهم ويحاسبهم؟ وماذا لو لم يختلفوا (إذ في اختلافهم رحمة) بل اتفقوا على فرض أمور تتناقض مع معايير حقوق الإنسان العالمية الحديثة؟

3.   وجود مرجعية دينية في الدستور يفتح الباب أمام مزايدات المتطرفين. وكلنا نذكر ما حدث أثناء الانتخابات البرلمانية عندما صرح مرشد الإخوان بأن هدفهم هو "تفعيل وتطبيق الدستور الذي ينص على الشريعة، لا أكثر ولا أقل". أي إن الإخوان أصبحوا في موقع "حماة الدستور" والمدافعين عنه، مما يضع الدولة في موقف غريب وعجيب! وأيضا ما حدث عندما أثير موضوع إلغاء الشريعة الإسلامية من الدستور وما قاله زعماء الإخوان من أن هذه المطالب "خط أحمر لا يجوز الاقتراب منه، كما أن الاقتراب منه سيفجر حربا أهلية داخل مصر". وبغض النظر عن كون المطالبة بإلغاء الصبغة الدينية للدولة واستبدال الدستور بآخر "مدني" هو، أولا وقبل كل شيء، مطلبُ أعدادٍ لا تحصى من المسلمين العقلانيين المستنيرين المتحضرين الذين يعرفون تماما أن هذا أمر أساسي لا بديل عنه لإقامة دولة حداثية متحضرةفي مصر، فإن التهديد بالمذابح وحمامات الدم يبين بوضوح إلى أي مدى يمكن أن يصل دعاة الدولة الدينية الفاشية.

4.   وجود مرجعية دينية في الدستور يحجر على دعاة الدولة المدنية الحداثية حرية التعبير والعمل السياسي، ويترك الساحة مفتوحة ومقصورة على دعاة الدولة الدينية. بينما العكس ممكن: ففي الدولة المدنية يمكن لدعاة أيه أيديولوجية أن يعملوا بكامل حريتهم. ويكفي التذكير بأن قانون تنظيم الأحزاب السياسية ينص في مادته الرابعة على أنه "يشترط لتأسيس أو استمرار أي حزب سياسي عدم تعارض مقومات الحزب أو مبادئه أو أهدافه أو برامجه أو سياساته أو أساليبه فى ممارسة نشاطه مع مبادئ الشريعة الإسلامية بإعتبارها المصدر الرئيسي للتشريع (..)".

5.   وجود مرجعية دينية في الدستور ينسف الأساس الذي تقوم عليه أي نصوص أخرى، مذكورة في نفس الدستور أو في القوانين، حول المساواة في حقوق المواطنة أو حول الحريات الأساسية وضماناتها؛ إذ لا يمكن أن تُفَسر مثل هذه المواد إلا في "ضوء" تلك المرجعية.

6.   وجود مرجعية دينية في الدستور يفتح الباب أمام خلط الأمور، بل وإمكانية الإساءة للدين نفسه. وعلى سبيل المثال فقد قضت محكمة القضاء الإداري المصري في القضية رقم 35721 لسنة 59 قضائية بإلغاء قرار لوزير الداخلية بتغيير خانة الديانة في البطاقة الشخصية لمن يشهر إسلامه بعد أن يقوم بتوثيق ذلك في "الشهر العقاري". وقد جاء الحكم "استنادا إلى المادة الثانية من الدستور (..) وخاصة أن الإسلام لا يتطلب سوى النطق بالشهادتين...". وبغض النظر عن كون القرارات المشار إليها تتحدث فقط عن "إشهار الإسلام" وليس "تغيير الدين" بصفة عامة، فإنه في ضوء الحكم المذكور يكفي أن "يتطوع" اثنان بسماعهما أحد الأفراد ينطق بالشهادتين لكي يصبح ذلك الشخص مسلما، سواء رغب في ذلك أم لم يرغب؛ وبكل ما يتبعه هذا التحول من تبعات...

وعلى سبيل المثال أيضا فقد قضت الدائرة الأولى بمحكمة القضاء الإداري بتاريخ 8 نوفمبر 2005 برفض الدعوى القضائية رقم 3253 لسنة 60 قضائية ضد رفع شعار "الإسلام هو الحل" أثناء الحملة الانتخابية لمجلس الشعب، وجاء في حيثيات الحكم: "إن هذا الشعار لا يدعو إلى إثارة الفتنة الطائفية، فالمادة الثانية من الدستور تنص على أن دين الدولة هو الإسلام ومباديء الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع".

ولا نعلم إن كان المدعون قد استأنفوا الحكم، لكن المرء لا يحتاج لأن يكون خبيرا دستوريا ليدرك أن الحكم يشوبه فساد الاستدلال، كما يقول أهل القانون، لاستناده إلى مادة دستورية موجهة للمشرع وليس للقاضي الذي عليه الالتزام بنصوص القوانين السارية؛ إذ يبدو أن المحكمةفي تعاملها مع القضية قد انتحلت وظيفة المحكمة الدستورية العليا لتحكم في شأن "دستورية أو عدم دستورية القانون الذي يحظر استخدام الشعارات الدينية"، وهو سؤال لم يطرحه المدعون أصلا. وعلى أي حال فلا يسعنا أن نخفي تعجبنا من الإهانة التي تضمنتها حيثيات الحكم التي يبدو وكأنها تتعامل مع "الإسلام" كأيديولوجية سياسية مثل الاشتراكية والشيوعية والرأسمالية الخ.

7.   وجود مرجعية دينية في الدستور يفتح الباب أمام الغوغاء ومثيري الشغب و "ضعاف النفوس" لأخذ الأمور بأيديهم وفرض أو منع ما يعتقدون أن تلك المرجعية الدينية تتطالبهم بفرضه أو منعه ويسبغ نوعا من الشرعية على ما يقترفون. والحوادث المتكررة التي يقوم فيها همج متوحشون بالاعتداء على الكنائس في أنحاء مصر (غالبا تحت أعين، بل وبتشجيع، مسئولي الأمن والإدارة والحزب الحاكم، ودائما بدون أن ينال المعتدينَ عقابٌ) بحجة أنها "غير مرخص لها"، ما كان لها أن تحدث بهذه الصورة المنفلتة لو كان لمصر دستور مدني متحضر يتساوى فيه المواطنون في الحقوق والواجبات.

8.   في دراسة مقارنة بين دساتير العالم قمنا بها ونشرت منذ حوالي عامين، وبصورة أكثر توسعا (بالإنجليزية) في يوليو 2005، خلصنا إلى أنه لا توجد في العالم اليوم دولة متحضرة ومحترمة واحدة يستند دستورها إلى شريعة دينية أيا كانت؛ وإلى أن مصر تمثل حالة شاذة لا مثيل لها: فهي الدولة الوحيدة في العالم ذات أقلية دينية لا يستهان بها، التي تفرض شرائع الأغلبية الدينية على الأقلية.

 



أنت الآن هنا