"الزعيم!" معمر القذافي يختبىء في مجرور للنفايات!، وعندما أدرك قرب نهايته استجدى قتلته: "حرام عليكم يا شباب"!!. هكذا هم الطغاة جبناء لا يموتون في خندقهم كما ينبغي للقادة أن يفعلوا أو كما يليق بالرجال. هذا أول درس يجب ان ينتبه إليه البعض، ممن استلبهم الطغاة. نرى مثاله النافر في صفحات الفايسبوك التي استبدل أصحابها صورهم بصور هذا الطاغية أو ذاك.. يا له من انحراف في المزاج، والقيم، والثقافة!.
سقط القذافي إذاً سقوطه المذل هذا. لا يوازي عاره إلا طريقة قتله وقد حملت قدراً من التشفي لا تتناسب وفروسية الصحراء العربية، ولا قيم الإسلام، فضلاً عن شرعة حقوق الإنسان. لكن من يدقق في التفاصيل بدءً من القاء القبض على القذافي ثم نقله، ثم سقوطه بين ايدي الثوار يستنتج أن هذا لم يكن صدفة، بل لعلها الصدفة المدروسة! ليلقى مصيره المحتوم. ربما تهيأ للمعنيين في المجلس الإنتقالي انه الطريق الأنسب "ليتفرق دمه" بين الجموع فلا يحمل (وزره) تجاه قبيلته، فضلاً عن انصاره. يتقاطع هذا مع رغبة الناتو في تصفية القذافي الذي أصبح (صندوقاً أسود) يحتوي على اسرار اتصالاته وتعاونه مع الغرب، حيث الجميع يعرف أنه قد اسدى له ولـ"إسرائيل" خدمات جزيلة في تزويدهم بأسماء المقاومين الفلسطينيين وغيرهم ممن تعاونوا معه او التجؤوا إليه. وهذه ثاني أمثولة ـ فوق أمثلة مشابهة ـ لمن يعتقد بأن في التعاون مع الغرب منجاة.
لكن اللافت هو الأمثولة الثانية؛ إذ بالرغم من تقاطع المصالح – حالياً – بين المجلس الإنتقالي الليبي والأطلسي فإن هذا الأخير ذهب تحت مُسَمى "حقوق الإنسان" ليؤسس ملف " قضية قتل القذافي" لتظل المسألة كجرح مفتوح, والى ما يترك الباب نصف مشرع لإمكانية طلب قبيلته الثأر له، فضلاً عن أنصاره؛ والتي يمكن إذكاؤها لتصبح تداعياتها من ثأر وثأر معاكس مدخلاً لفتة داخلية!. انه "ملف" احتياطي من ضمن سيناريو قد يستعين به الغرب متى شعر بأن اللعبة ستخرج من يديه. وهو سيناريو من غير الصعب استحضاره في مجتمع تتنازعه القبلية والجهوية. ولعل ما يرجح هذا الإعتقاد هو ترك "سيف الإسلام" حراً طليقاً!! ترى كيف جرى ذلك، بعد ان أُعلن عن اعتقاله؟. هناك مساحة ضبابية في هذا الأمر تسمح بالشك بأن المذكور قد جرى تسهيل هروبه ليكون طرفاً (ناشطاً!) في لعبة الفتنة الآنفة الذكر، او في أحسن الأحوال (فزَّاعة) لإبتزاز السلطة الليبية، تماماً كما كان شأن الأميركيين مع الخليجيين في ترك صدام حسين سنينَ – بعد اخراجه من الكويت ـ ليكون مصدر تهديد (نفسي) لدول الخليج يستفيد منه الأميريكيون في ابتزازهم على أكثر من صعيد، كان منها تعزيز وجودهم العسكري تحت مُسَّمى: "امن الخليج".
ان الغرب – كعادته – يتحضر لكل الإحتمالات ومنها حالة الإستغناء عن "خدماته!" من قبل أية سلطة ليبية في المستقبل. لا شك بأن هذه المسألة غير افتراضية إذا ما نظرنا الى ثقافة هؤلاء الثوار التي تستمد جذورها من خلفية اسلامية، ومن تراث وطني رافض للأجنبي، حافل بسجل تاريخي من البطولات في مقارعته. وبالتالي فإن امكانية أن ينقلب سلاح الثوار يوماً ما الى صدور الناتو هاجس يعمل له هذا الأخبر الحسابات سلفاً.
سقوط القذافي بات خلف الليبيين الآن. أما "الجهاد الأكبر"الذي ينتظرهم فهو بناءالدولة التي قضى عليها "اللانظام الليبي" خلال ما يزيد على ثلاثة عقود، الأمر الذي قد تعرقله دول الناتو حيث من مصلحتها إيجاد حالة فوضى "تستثمرها" لنهب ثروات ليبيا دون حسيب او رقيب من سلطة مركزية.
ليس هنالك من تكوين راسخ تاريخياً للدولة في ليبيا بما ينطوي عليه من تقاليد وانماط ثابتة يسهل معها إعادة بنائها. فهذه الدولة لم تكد تشق طريقها ـ (عام 1951) ـ تحت "الشرعية الدينية"، والجهادية لآل السنوسي حتى جاء انقلاب القذافي ليطيح بها!.
سيجد القارىء أننا قلنا إنها مسؤولية "الدول العربية المجاورة لليبيا" وليس (الجامعة العربية)، فهذه الأخيرة أصبح الموقف منها مشفوعاً بدعاء أحد الحكماء: "اللهم اكفني شر أصدقائي. أما أعدائي فإني كفيلٌ بهم".
لؤي حسن : كاتب لبناني نشر المقال في جريدة الانتقاد الالكترونية اللبنانية