قراءة معاصرة في فكر الكواكبي

القراءة هـي محاولةُ إدراكِ النص وفهمِه، وإذا كان للقراءة مستوياتٌ متعدّدة، فإننا نعتني - هنا - بالقراءة المعرفية الناقدة والفاحصة بالمعنى الذي ذهب إليه الدكتور نعيم اليافي في كتابه (أطياف الوجه الواحد).

أما المعاصرة فهي تأخذ معنيين : الأوّل، أن يُقرأَ النصُّ بوصفه معاصراً لنفسه على صعيد المنظومة المعرفية لزمنه بمعزلٍ عنّا، والمعنى الثاني أن يُقرأَ بوصفه معاصراً لنا على صعيد الفهم والتأويل وإيجاد الصلة بين القارئ والمقروء.

ونحن سنحتفي بمعنَيي المعاصَرة كليهِما.


القراءة المعاصرة لاتعني الرفضَ والشجب والإدانة لكل ماهو قديم، كما أنّها لاتعني الانغلاقَ في إطار ماكان، بحُجّةِ الأمانة التي تحافظ على زمن المقروء. إنها تقترحُ تأويلاً للمقروء يراعي عصرَ النص وعصرَ القارئ معاً.

وفي قراءتنا - هذه - نرجو أن نحفزَ المتلقي على إعمال الفكر النقدي لاأن يقفَ على حدود الإصغاء مكتفياً به…

ولا أن يأتي محمّلاً بأفكار مجزوءة عن الكواكبي أو عن عصره ثم يحاول أن يرمي معلوماتِه في وجوهنا على أنها الحقيقة المطلقة التي لاتحتملُ النقاش.

إن مانطرحُهُ - هنا - مجرد قراءة تحتاج لغةً حواريّةً بيننا كي نصل إلى قراءة فاعلة.

وهي قراءة في فكر الكواكبي، أي في نصوصه التي خاطب قرّاءهُ بها، وهي وسيلتُنا الأولى للاتّصال به.

إن غايةَ هذا اللقاء الأساسية هي استجلاءُ بعضِ أفكار الكواكبي وبيان ميزاته، انطلاقاً من استقراء نصوصه من دون فرضيات مسبقة، ومن دون إعادة بناء آرائه بما يناسبُ زعمنا أو الأفكار التي نتبنّاها.

ولأنّ إمكانية عرض أفكاره بصورة تحليلية غير متاحة الآن… لذلك سنكتفي بفرش قراءتنا له، والتي لاندّعي - بأي حال - أنها القراءة الوحيدة الممكنة، بل هي إحدى القراءات التي اجتهدنا كي تكون موضوعية قدرَ الإمكان وهي تحاول أن تكشفَ أبعادَ خطاب الكواكبي العام.

*      *      *

نشأ الكواكبي في حلب عندما كانت ولاية في السلطنة العثمانية المريضة التي دخلت في طور الانحلال، بعد أن تراكمت ديونُها واستفحل الفسادُ فيها.

وقد عانت حلب ماعانته أجزاءُ السلطنة الأخرى من الظلم والفساد، في ظلّ سلطانٍ تمسّك بمركزية الإدارة، وحوّل الجيش عن وظيفته الأساسية، من الدفاع عن السلطنة إلى الدفاع عن أمنه الشخصي، مستعيناً على ذلك بشبكةٍ من الجاسوسيّة الأخطبوطية، وبفرض رقابة مشدّدة على المطبوعات.

بعد مجيء روّاد النهضة الأوائل، ظهر الكواكبي ليدفع قُدُماً مشاريعَ من سبقوه في محاولة التأثير في السلطة السياسية، وتطوير المجتمع - ثقافياً - ليعي دورَه في النهضة والتقدّم، فكان الكواكبي محصّلةَ اطّلاع المفكرين العرب على الفكر الغربي وضَفرَهُ بالتراث العربي- الإسلامي.

وفضلاً عمّا سبق، نجدُ عواملَ شخصيّة تكوّن بعضُها من خلال معاناة الكواكبي في أثناء صدامه مع الولاة المستبدّين وأعوانِهم من المنافقين، ذلك الصراع الذي بدأ بتعطيل صحيفتيه (الشهباء) و (اعتدال)، ثم تلفيق التُهم ضدَّهُ مما أدّى إلى سجنه غير مرّة. حتى انسحب أخيراً إلى مصر هرباً من مدينةٍ لسانُ حالها يقول: " ارشِ تمشِ " وهذه العبارة كواكبية وردت في (الشهباء) عن الشهباء التي كتب في رحابها (أم القرى وطبائعَ الاستبداد)، وكثيراً من المقالات.

إن قراءة أعمال الكواكبي، بتمعّن وتدقيق، سمحت لنا باستنتاج بعض النقاط الأساسيّة في فكره. فبدا لنا أنّ الاستبداد الذي يعنيه هو الاستبداد السياسي بالدرجة الأولى. وهو يرى أن الحكومات كلَّها استبدادية مالم تكن منتخَبة، ومُلزَمة، ومُراقَبة من قِبَل الشعب مراقبةً تسمح بالعقاب، ومُنسَّقاً بين هيئاتِها: التنفيذية والتعليمية والتشريعية. لذلك دعا إلى مراقبة الحكومة، مهما يكن شكلُها، اتّقاءً لمزالق الحكم التي تُحوِّلُ حتى الحكومات العادلة إلى مستبدّة، إذا لم ترَ نفسها مسؤولةً أمام الشعب.

وهو يطالب بالفصل المتّصل بين التشريع والتنفيذ. صحيح أنّ كلّ هيئة مسؤولة عن عملها بشكل مستقل، لكنّ ذلك لايعني انفصالاً كليّاً بينهما، بل لابد أن تكون وظيفةُ كلّ منهما مكمّلةً لوظيفة الأخرى، من غير أن يؤدّي ذلك إلى تدخّل إحداهما في شؤون الأخرى. وإنّما تترابط الهيئاتُ من خلال مراقبة الشعب لهما معاً .

ومسؤوليّةُ الاستبداد تقع على عاتق الجميع، بمن في ذلك المستبَد بهم أنفسِهم. إذ يحمّلهم الكواكبي كثيراً من مسؤوليّة وقوعهم بين براثن الاستبداد. ومن أهم الأمور التي طرحها الكواكبي هي العلاقة بين المستبِد والمستبَد به، محلّلاً نفسيّة كلّ منهما، مؤكّداً دورَهما معاً في بقاء الاستبداد وفي دعمه .

وهو يرفض الاستبداد ويطالب بإزالته انطلاقاً من معتقداته الإسلاميّة، ومن الواقع المُعانى في ظلّ الحكم العثمانيّ، ومن ملاحظته أنّ الأمم المتقدّمة لم تصل إلى تقدّمها إلاّ بعد إزالة الاستبداد؛ فهو يرفضه على صعيدَي العقل والدين معاً .

وقد تميّزت أفكارُه بالطابع الأخلاقي الذي يغلب على الفكر العربيّ بأسره. وهذا التفكير الأخلاقي يتعلّق بمنطلق الكواكبي الديني. فإذا كان قد رأى أنّ الأخلاق ملكةٌ مطّردة على قانون فطري، وأنّ تربتَها التربية، وسقياها العلم، وأقوى ضابط لها هو النهي عن المنكر؛ فهذا يعني أنّ المنبعَ الأصلي للأخلاق عنده هو الدين الذي فُطِرَ عليه الناس أجمعون، وتكون تربيتُه هي إدراك أنّ الله يرى ويراقِب، وبالتالي فكلّ إنسان مكلّف بمراقبة نفسه . من هنا ندرك أنّ الكواكبي لايفصل الفعل السياسي عن الأخلاق، ونراه يرفض تحييد الأخلاق الذي يؤدّي إلى إيجاد هوّة تفصل بين الحاكم والمحكوم. وبما أنّ الدين هو مصدر الأخلاق، لذلك يكون الدين هو مصدر السياسة. وبذلك نكون قد عدنا إلى ملاحظة أنّ الكواكبي لاينحّي الدين عن أيّ تفكير أو فعل، بما في ذلك الفعل السياسي والتفكير به .

وقد فرّق الكواكبي، في الإسلام، بين ماهو عقيدة دينية، وبين ماهو تراث فيه. فالأوّل - أي الإسلام بما هو دين - إنّما هو من وحي إلهي لايشمل سوى القرآن الكريم والحديث الشريف. أمّا الثاني فهو من صنع بشر اجتهدوا قبلنا وتوصّلوا إلى نتائجَ معيّنة، ولا يتحتم علينا أن نتقيّد بما ارتأوه من آراء، وإنّما علينا نحن أن نبني اجتهاداتِنا الخاصّة لنصنع فهمنا الخاص ونشكّل تراثاً للاّحقين. وتتضح ثوريّةُ فكره الديني من تقويمه لبعض الاجتهادات السابقة، ورفضه الزهدَ الذي لم يعد سوى قشور، وعدم قبوله بتفسير بعض المتعمّمين للقرآن، ومهاجمتِه المتستّرين خلف الدين.

وإذا كان الكواكبي مفكّراً ثوريّاً، فإنّ ثوريّته تدريجيّة وداخليّة. لقد طلب التقدّم، وعدّ أنّ تحقيقه منوط بإزالة الاستبداد أوّلاً. واقترح أن يتمّ ذلك بالتدريج، وبالاعتماد على تكاتف الواعين، وتهيئة الرأي العام للمشاركة في التغيير المنتظَر، وفي صياغة الهدف وتحقيقه، بعيداً عن القوّة والعنف، وذلك لاعتقاده بأنّ كلّ شيء يتحقّق، بقوّة وزمان متناسبَين مع أهميّته. وهو يريد الثورة أيضاً بعيداً عن الانتظار المستكين، لأنّه لايقوم بالثورة إلاّ من تأذّى من الوضع الراهن فقام يطلب التغيير. وبذلك استطاع الكواكبي أن يفهم الثورة الحقيقيّة، التي لايمكن أن تؤتي ثمارَها إلاّ بعد الوعي لإمكاناتها وأهدافها، وتجنيد الأدوات اللازمة لانتصارها. ويبدو أنّه ثوري متعقّل، بدأ بإصلاح مفاهيم الدين السائدة لإصلاح الفكر وتوحيد الرأي العام، مستعيناً على ذلك بملاحظاته حول مافعله الإصلاح الديني في الفكر الغربي. ومنطلِقاً أيضاً من اعتقاده بأنّ الدين هو حامل هذه الثورة، وأنّ الإصلاح الديني هو أقرب طريق للإصلاح السياسي، مع إدراكه أن الإصلاحات كلَّها مترابطة ومتكاملة .

وهو مع العقل ضدّ النقل الأعمى، يجاهد لإثبات أنّ العقل لايخالف الدين، وأنّ الدين لايتناقض والعقل، لأنّ الإسلام بُني على العقل، وخاصّة فيما يتعلق منه بالحياة الدنيا. وهو إذ يفعل ذلك، إنّما يفعلُه لصالح الدين والانتصار له، بعد أن اقتنع بصحّة مبادئه التي تطالب بالعمل الدؤوب. ويرى أنّ وقف السعي المتواصل للعثور على الذات أخَّر الشرق، ممّا جعل الاستبداد يعشّش في أرضه (وهنا يبدو تأثير ابن خلدون واضحاً) إذ بطِر الناسُ ووصلوا إلى مرحلة الاستنعام فأهملوا إعمالَ الفكر، وتراخوا في الدّين، وتركوا واجب (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) الذي هو فرضُ عين على الجميع، وتفرّقوا واختلفوا فيما بينهم، وأهملوا رسالتَهم الحضارية في تنوير عقول العالمين، مكتفين بالنقل العشوائي عن بعض المنافقين الذين شوّهوا تعاليم الدين؛ فخرج منهم من استطاع حسمَ الاقتتال لصالحه، واستلم زمام الأمور وراح يستبدّ بهم. وهكذا فإنّ الكواكبي ينطلق في تفكيره من العقل حتى في انتقاء مايأخذه من النقل، ناهيك عمّا يقتنع به من الأفكار القادمة من أوروبه أو من التراث. فلا يبدأ من مسلّمات منقولة من غير أن يشكّ في صحّتها، ولو شكّاً بسيطاً لايرقى إلى شك الغزالي أو الشكّ الديكارتي. وهذه العقلانيّة هي التي هدته إلى انتقاءِ الآراء التي تونسِن الإنسان، وتَفَحُّصِها. وفي كتاباته نلمح آثارَ فكرِ الثورة الفرنسيّة التي أعاد بناءها على أساس عروبته وإسلامه، وعلى أساس اتّجاهه العقلي. لقد استوعب تلك الأفكار، وحاول الاستفادة منها بما يتلاءم وحاجات الإنسان العربي، مرتكزاً على وجهة نظر دينيّة - أخلاقيّة في الوقت عينه.

إنّ مايُعَدُّ تفكيراً عقلانيّاً في عصر النهضة العربية، هو مافعله الكواكبي حيث أيّد ليبرالية الطبقة الوسطى في أوروبة، مطالباً بحكومة دستوريّة، وبتحديد سلطة الحكومة، وتأمين حرّية الفرد؛ لكنّ ذلك تمّ استناداً إلى أسس عقليّة من منطلق إسلامي. لقد حاكم الكواكبي الاستبداد استناداً إلى تراث العرب في الحريّة، وإلى مايطالب به الإسلام، وإلى مالاحظه في الغرب. فهو، بعد أن اقتنع عقليًّا بالأفكار القادمة من الغرب، راح يبحث عن جذور دينيّة لقناعاته. ورأيُهُ القائل أنّ صلاح الحاكم والحكم من صلاح الرعيّة، إنّما يؤكّد منطلقَه الإسلامي الذي يصدر عن حديث: (كما تكونوا يولّى عليكم). ومع ذلك فإنّه كثيراً مايورد دلائلَه من العقل والنقل معاً. وهو لايمانع من الأخذ عن الغرب، مع الإبقاء على الخصوصيّة العربيّة الإسلاميّة، وعدم التقليد الأعمى ، لا للغرب ولا للتراث. فهي ليست مسألة استعارة بل استيعاب مايطرحه الآخر من أفكار، والتصرّف وفق الواقع الذي نعانيه، والذي علينا أن ننطلق منـه لإصلاح الدين وتحسين التربية وإشاعة العلم لمقاومة الاستبداد. وقد كان مدركاً أنّ التغيّير عمليّةٌ لايقوم بها إلاّ من يعاني من وطأة الاستبداد، بحيث تجتمعُ قوى الشعب بوساطة جمعيّةٍ تستلم زمامَ التوعية والتنظيم والتنوير. وأنّ استبدال الإسلامية بالاستبداد لايمكن أن يحدث إلاّ بتحقيق شروط حدوثه، وهي شروط دينيّة وأخلاقيّة وسياسيّة. فالمسلمون يحتاجون إلى الحكمة العقليّة ليفهموا دينَهم فهماً صحيحاً. وقد أراد العودة، ليس إلى مناقشة أصل الدين الإسلامي وجوهرِه، بل إلى إصلاح مااعوجّ منه في أذهان الناس. فما أصاب الإسلام ليس خللاً دينيّاً، بل هو خلل سياسيّ. وما يجب إصلاحُه ليس إلاّ تلك السياسة التي تلبّست بالدّين وقادت إلى الانحطاط. وإذا نشد النّاسُ التحرّرَ من أسر الاستبداد، عليهم أن يجتهدوا ، لأنّ الحريّةَ لاتؤخذُ عفواً، بل تحتاج إلى جهادٍ في سبيلِ نيلها، بتنبيه حسّ الأمّة وتوعيتِها لتكوين رأي موحّد يطلب التغيير ويسعى إليه. ويضع الكواكبي منهجاً تدريجيّاً للحلّ، بالتربية والتعليم وبثّ الحماسة، لأنّه يرى أنّ مايحصل بالتدريج يكون أنفعَ وأرسخَ وأحكمَ ممّا يحصل بثورة مفاجِئة. وهنا تظهر ثوريّته الواقعية التي لاتريد أن تقفزَ قفزاً عشوائيّاً، خشية السقوط بين براثن استبدادٍ أشدَّ مرارةً من سابقه. ومن الملاحَظ أيضاً أنّ صياغتَهُ قانونَ جمعيّة أمّ القرى متأتيّةٌ من عمله الفعلي في المحاماة والقضاء، فنراه يضع موادَّ القانونِ ثم يسعى إلى تفسيرها .

لقد حمل الكواكبي فكراً واقعيّاً استهدف خيرَ الإنسان، وواقعيتُه تتّضح من خلال النقاط الآتية :

1- الاستبداد فكرة عاناها واقعاً وفكراً .

2- ثقتُه بأنّ الدين ضرورة إنسانية.

3- ربطُه العلمَ بالعمل.

4- استنتاجُه أنّ الحكومة لابُدّ أن تستبدّ مالم تجد عليها رقيباً.

إن مواقف الكواكبي الفكريّة جاءت متوافقةً وسلوكَه العملي، واستطاع أن يثبت أنّه مفكر مناضل، جريء في طرح أفكاره، دقيق في تحليله، صادق في الدفاع عن إنسان بلاده.

كما أنّه عربيّ مسلم، ويتّضح انتماؤه العربي من خلال تمييزه مصالحَ العرب من مصالح الشعوب الإسلاميّة الأخرى، ومطالبتِه بتحرّرهم من أسر الحكم التركي.

لقد أحبّ الكواكبي العربَ وعدّهم قادةَ الجامعة الإسلامية، فبهم يتمُّ إصلاحُ الدين، وعلى أيديهم تقومُ الجامعة الإسلاميّة، والخليفةُ الإسلامي يجب أن يكون عربيّاً قرشيّاً. ذلك كلُهُ يعبّر عن إرهاصات المطالبة بالقومية العربية لديه.

وقد لاحظ الكواكبي أنّ هناك ترابطاً قويّاً بين العرب، مسلمين وغير مسلمين، كما أنّه وجد رابطاً دينيّاً بين الشعوب الإسلاميّة، العربيّة، وغير العربيّة، وانتمى - بدوره - إلى العرب في وطنه العربي، وإلى إخوانه المسلمين في البلاد الإسلامية الأخرى، من خلال الرابطة الإسلامية التي دعا إليها. فكان مع القوميّة العربيّة ومع الجامعة الإسلاميّة في الوقت ذاتِه.

أمّا منطلق الكواكبي الأساسي فهو الإسلام. إنّه مفكّر متديّن، ولأنّه يَدين بالإسلام، فقد شرحه مبيّناً اختلافه عن الإسلام الرسميّ السائد، وميّز بين المسلمين والإسلام والإسلاميّة التي عدّها المنهج المشتق من الإسلام، وبهذا المعنى شكّلت الإسلاميّة، عنده، المنطلقَ والمنهجَ والهدف.

وقد حاول تعزيزَ انتماءيه: القومي والديني، من خلال وحدة سياسية عربية، وجامعة إسلامية يتولاّها خليفةٌ عربي. وهكذا فإنّ علاقةَ إسلامِ الكواكبي بعروبته، علاقةُ تكامل وانسجام، لاعلاقةَ تنافرٍ وخصام.

وهو، فضلاً عن إعلانه الانتماء إلى العرب والمسلمين، ينتمي أيضاً إلى الإنسان، لأنّه يرى روابط إنسانيّة وحضاريّة تجمع بين النّاس جميعاً، وتسعى إلى رقيّ الإنسان وتقدّمه. ولهذا نجده يزاوج بين المفاهيم الغربيّة الحديثة وما يطرحه الإسلام، وخاصّة حول مبادئ الديمقراطية. وهو حين يقيم مصالحة بين الفكرين: الغربي والعربي- الإسلامي، فإنّه إنّما يبني توفيقيتَه لمصلحةِ منطلقه الإسلامي، موفّقاً بين العلم والدين، من خلال توفيقِهِ بين ثوابتِ الدين والمعطيات الغربيّة الحديثة. إنّه مفكّر توفيقيّ - انتقائيّ، وتوفيقيتُه تنطلقُ من طبيعةِ الإنسان ذاتِه، وتهدُفُ إلى تحقيقِ مصلحتِه.

وبشكل عام فإنّ الكواكبي مفكّر متفائل إذ لم يشكّْ لحظةً واحدة في إمكانيّة إصلاح الفتور الحاصل في المجتمع العربي - الإسلامي …

تلك هي منجزاتُ الكواكبي وإسهاماتُه من أجل تحرّر الإنسان العربي وتقدّمه، وتلك هي المنطلقات التي رأى من خلالها الأمور، فكانت تجربتُه غنيّة، وحلولُه مرتبطة بظروفه ومصادر ثقافته.

لقد وعى مشكلاتِ شعبه، وكان واحداً من الذين تصدّوا للإجابة عن سؤال النهضة الأساسي: لماذا تخلّف العرب وتقدّم غيرُهم. كما كان واحداً من الذين عانوا من تخلّف الأمّة، ووهبوا لها حياتَهم محاولين أن  يضعوا لبنة على طريق تقدّمِها، وغادروا تاركين لنا مسؤوليّة السير في درب النهضة الطويل، فهل ترانا فاعلين؟! ..


 


أنت الآن هنا