ما الذى يدفع طائراً ليرحل ويترك وطنه وعشه الذى نشأ وترعرع فيه ليذهب الى مكان لا يدرى عنه شيئاً ,وما الذى يدفع مهاجرا ليرمى نفسه فى خضم أمواج البحر المتلاطمة فإما أن يصل إلى الساحل المقابل واما أن يرحل الى الأبد ,لقد تساءل العلماء فى أمريكا عن سر رحيل ألاف النحل الذى يجلب العسل عن بلادهم وخاصة عندما فوجئوا بأسراب من النحل الميت قرب مزارعه ,ومازالوا يبحثون عن سبب هجرة النحل الأمريكى حتى الآن.
ونحن هنا فى معرض تساؤلنا عن سر رحيل العلماء وهجرتهم الى بلاد أخرى....على صعيد نظرية المؤامرة التى يتبناها البعض يُحكى أنه فى بلاد عربية بعيدة كان هناك شاب عربي عاد الى أرضه وموطنه قد عانى الأمرين حتى يلملم شتات نفسه ويعزم على الرحيل من أرض استطاعت استيعاب طموحه وحظي فيها بكل تقدير واحترام وحصل على أعلى الدرجات العلمية وعمل كأستاذ جامعى بعد تخرجه.....واتخذ قرار العودة عندما شعر بالحنين الى بلاده كى يفيدها بعلمه وخبراته ....وعندما عاد و التحق بمركز البحوث فى بلاده استطاع اكتشاف دواء لمرض سيئ انتشر فى ذلك الزمان ولم يوجد له ترياق شافى حتى الآن وحصل على براءة اختراع وعندما بدأ مرحلة التعاقد مع شركات الدواء لانتاج ذلك الدواء, فوجئ بقرار وقف تصنيع الدواء الى اجل غير مسمى ولا يُعرف لصدور ذلك القرار سببا حتى الآن, الا أن مصادر مقربة فى حينها قالت ان هذا الدواء يوقف ترويج الدواء المستورد المنتهى صلاحيته الذى يشتريه أهل تلك البلاد والذى يباع بأضعاف ثمنه الأصلى والذى يتسبب فى موت العديد من أهل ذلك المكان سنويا!
سياسة التحطيم والتفشيل
في احد المواقع على الانترنيت يدعى احدهم انه اخترع جهازا يولد حركة متصلة غير منقطعة ويطلب مهندسا ليعينه على انتاج الجهاز بصورة افضل... هنا يتدخل الفضوليون الذين يفندون مذهبه ويقنعونه انه من المستحيل الوصول الى مثل ذلك الاختراع ورغم انه يرد عليهم قائلا ان الجهاز موجود عنده بالفعل وانه لم يطلب الراى والمشورة من احد ولكن الردود المتواصلة الغير منقطعة تستمر فى تفنيد مزاعمه وترميه بالكذب والبهتان بل وبالسحر والكهانة ايضا!!!
هناك فكرة تقول ان الهدف من العمل على طريق تطويع العلم لراحة البشرية ليس الوصول الى تلك الراحة ولكن الهدف هو اثبات جدارة الانسان وقدرته على تطويع الارض وما عليها لخدمة البشرية ولقد اثبت الاسلام ذلك بفكرة استخلاف الانسان على الارض وبسط يده عليها, فمن العجب بعد هذا كله ان يخرج علينا الخارجون عند كل نظرية علمية جديدة بالتحبيط والتثبيط والاتهام بالدجل والشعوذة داعين بأقوالهم هذه الناس الى الخلود الى الدعة والاستكانة ومنتظرين من الدول التى يدعونها المتقدمة أن تعمل وتبدع بالنيابة عنهم!
بين التحطيم والتحفيز
يجد العالم فى بلادنا الاستهانة والتقليل من شأن قدراته ولا نقول يجب تقديس العلماء وآرائهم ولكن يجب ان يجدوا الدعم الكافى والتقدير لمواهبهم وقدراتهم, بالاضافة لوجود من يعينهم على الوصول الى الطريق الصحيح بمساندة جهودهم وتأييدها على طريق البحث العلمى الصحيح .
يقول د.فاروق الباز فى معرض استضافته لالقاء محاضرة عن هذا الموضوع...(لابد من توفير منظومة كاملة تحث على البحث العلمى وطرح عدد من المبادرات التى بمقدورها ان تدفع عجلة العلوم والتكنولوجيا ان ذلك يبدأ من مدارسنا التى يجب ان تطلق عنان الطالب باطلاق فكره للتوصل الى خيارات مختلفة غير موجودة فى المنهجومن ثم تدعمه الجهات الرسمية عبر توفر الادوات والمعامل لتبادل الخبرات و الاستفادة من الفكر الجديد),لقد طرح الدكتور الباز فكرة ايجاد أرضية جديدة خصبة تمكننا من اللحاق بركب الحضارة والتقدم .
المنهج التجريبي
أكبر مشكلة تواجهنا كما قلنا سابقا هى التطبيق والتنفيذ وهذا المنهج دائما ما نجد صعوبه فى اتباعه لا ادرى لماذا فمدارسنا على سبيل المثال الدراسه فيها نظرية بحته وقليلا ما نجدها تدعم اتجاه التجريب والتطبيق , مع اننا لو نظرنا حولنا فى الحياة فسنجد ان الانسان غالبا لا يتعلم الا بالتجريب فمثلا الام تحذر طفل الصغير من الاقتراب من النار ولكن نجد ان اصرار هذا الطفل على التجريب طبيعى وفطرى, فلا يقتنع الا اذا اقترب و شعر بحرارتها على يده فلا معنى عند هذا الطفل للحرارة الا اذا أحسها بنفسه ,وكما اننا لم نعترف بالمنهج التطبيقى فى مدارسنا فكذلك كانت دائما افكار عباقرتنا حبراً على ورق وكذلك يتخرج الجامعيون عندنا لا يعرفون فى الحياة العملية الا ما حفظوه فى الجامعات والذى يختلف اختلافا كليا عن الجانب العملى التطبيقى من الحياة, ونجد أنه تتوفر هذه المناحى التطبيقية للدارس فى الخارج فضلاً عن توفير مجالات العمل بعد التخرج والتى كثيراً ما لا يجد لها اثرا أو معنى عندنا, فما الذي يجبره على العودة الى بلاده وهناك احتمال الا يجد عملا يدعم ما تعلمه فى الجامعة فبالنسبة لتلك العقول كثيرا ما يكون عصفور فى اليد خير من عشرة على الشجرة ليسوا موجودين من الأساس, ولعلنا نتساءل عن عمل دارسى كليات العلوم بعد التخرج التى كثيرا ما لا يجد المتخرج الا احد خيارين وافضلهما اسوء من الاخر فاما ان يشغل مجال التدريس واما ان يعمل فى مختبرات التحاليل فى المستشفيات, فما الصلة فى رايك بين العالم والحياة بين عينات الصرف الصحى!!!
لا غرابة اذا بأن مستوى ذكاء الطفل العربى يقل كلما تدرج صعودا باتجاه السلم التعليمى ومما يؤسف له ان هناك اطفال عباقرة وموهوبين يتدرجون ايضا فى طريق البلاهة والتقليد وتعليمهم كيفية ايقاف العقول عن الاستنتاج والفهم على طريقة الحفظ والترديد ,ولذلك فان عدم اتاحة الفرصة لعقولهم كى تنطلق من عقالها يحط من قدراتهم ويرسخ فى نفوسهم العجز الانسانى عن الفهم والاستنباط, وتلك العقول العربية الموهوبة ان وجدت مخرجا للارتقاء بها وتطويرها وتدريبها فى مكان آخر فما العيب فى ذلك ؟ وانما يجب علينا الاستفادة بنصائح العلماء العرب العائدين فى مجال تطوير الكادر العربى على الدرب الصحيح وذلك باستضافتهم وعقد الندوات لهم كخطوة اولى للاستفادة من تطوير منهج شامل لتطوير المناحى العلمية التى سيتبعها تطور مناحى الحياة الأخرى,واجد ذلك افضل من ارسال البعثات الى الخارج لانه ليس من عايش الحقائق كمن رآها او سمعها لعدة لحظات فضلا عن ان توجيهات العالم ليست كتوجيهات الدارس المبتدئ.
الكاتبة خديجة الجمل ، دبي ، من هيئة تحرير الموقع