إشكالية التأخر الألماني، في القرن التاسع عشر، قياساً بالوضعيتين الإنكليزية والفرنسية، ولدت لدى المثقفين الألمان آنذاك شعوراً حاداً بذلك التأخر، فتلخصت التجربة الألمانية في احتداد بؤس المثقف، الذي رأى نفسه ضمير المجتمع ومنقذه في آن، وفي التهوين من مسألة التأخر رغم الاعتراف بها، والإعلان عن قيمة الميادين الروحية والوجدانية والأخلاقية كتعويض، لذلك تبلورت مكونات الأيديولوجية الألمانية في صفة مثالية ونزعة تاريخانية ومنطق جدلي. إلى أن جاء ماركس فاستوعب الأيديولوجيات الألمانية، لكنه لم يحافظ على إشكاليتها، ورفض الأجوبة التي تحتوي عليها ضمناً، ونزع عنها كل غرض قومي أو محلي ورفعها إلى درجة من الدقة والتجريد جعلتها جاهزة لكي يستعملها غير الألمان.
وضعية التأخر الألماني، وحالة الاستلاب التي كان يعيشها المثقف، وانفصال وعيه عن الواقع، ومجيء ماركس ورفضه أجوبة المثقفين الألمان عن هذه الوضعية، والتجريد الماركسي العظيم لهذه الإشكالية وجعلها إشكالية كونية، هي المقدمات التي جعلت المفكر العربي عبد الله العروي يصل إلى أهمية تبني ماركس التاريخاني من قبل مثقف العالم الثالث. ماركس التاريخاني هذا الذي سيظل ينبعث حياً مادام هناك بقعة متأخرة في عالمنا المعاصر.
أولاً: ما مضامين الماركسية التاريخانية و تحديداتها ؟
1- إنها ماركسية تنطلق من وضعية التأخر التاريخي للعرب، هذا التأخر الذي هو تأخر أيديولوجي أساساً ، أي تأخر في الذهنية، نجم عن تفاعل الأوضاع التقليدية العربية مع وسائل الهيمنة الإمبريالية وأدواتها، بدءاً بالاحتلال المباشر وصولاً إلى الهيمنة الاقتصادية والسياسية على مقدرات مجتمعاتنا. والذهنية المتأخرة، حسب العروي، هي الذهنية المرتبطة بوضعية الاستهلاك، لا بوضعية الإنتاج، وهي متعارضة مع الذهنية المدنية التي تعني وجود "جو ثقافي مديني، يتواصل فيه الناس بسهولة وتتجه فيه اهتماماتهم نحو الإنتاج وتطويع الطبيعة".
وهذا بالضبط ما هو متقدم في المدينة العربية "فلا غرابة أن نشاهد مجتمعاً مدنياً وتاريخياً يختار ثقافة بدائية وقبلية أسلوباً في التعبير؛ ولا غرابة بالتالي من وجود المثقف المتجه كلياً نحو الماضي والبعيد كلياً عن الحاضر، يتعلق بأهداب ثقافة لا تربطه بها أدنى صلة معقولة، تماماً كما كان الشاعر الأندلسي في القرن الخامس الهجري ينعم بالقصور الفاخرة والرياض العطرة فيما كانت روحه متجهة نحو صحراء لا يعرفها ولا يستطيع أن يعيش فيها".
ظاهرة التأخر التاريخي المتفاعل مع ميكانزمات الهجمة الخارجية تؤدي إلى ظهور تقهقر قطاعي في المجتمع المتأخر. فنجد، على سبيل المثال، تجاور وتعايش التقدم التقني مع أيديولوجيات تخطتها البشرية "فينتج عن التبعية تطور عكسي وتقهقر قطاعي؛ أي إن المجتمع يتقدم أو يتغير في بعض قطاعاته، في حين لا تبقى قطاعات أخرى على حالها، كما يتبادر إلى الذهن، بل ترجع عضوياً وضرورياً إلى مراحل تخطتها في الماضي".
البنية المجتمعية المتأخرة، باختصار، متأخرة عن البنيان الاقتصادي، والوعي الأيديولوجي متأخر عن البنية الاجتماعية، ومن ثم، لا يمكن الإفلات من أسر التأخر إلا بإيجاد "الإيديولوجيات المنتجة عضوياً والتي يستخلص منها برنامج مستوف لشروط الاستيعاب والشمول، يجد فيه المجتمع العربي صورة واقعية ومقنعة تدمج ماضيه وتطلعات حاضره".
ولا يمكن الإفلات من أسر التأخر الذي يتجلى في سيادة الفكر الوسطوي والانتقائي والتلفيقي إلا بثورة ثقافية كوبرنيكية تخرج الفكر العربي من دائرة الذاتية إلى دائرة الموضوعية. ولا يمكن تجاوز حالة الفكر اللاتاريخي إلا بالخضوع لمنطق التاريخانية الذي يتحدد مفهومه في صيرورة الحقيقة، وإيجابية الحدث التاريخي وتسلسل الأحداث ومسؤولية الأفراد.
الأيديولوجية العربية المعاصرة بأقسامها الثلاث التي عبر عنها الشيخ والليبرالي والتقني والتي سيطرت على حياتنا الفكرية منذ مطلع عصر النهضة تسم الثقافة العربية بالانتقائية واللاتاريخية والسلفية والوسطوية... إلخ. وهذا الاستلاب في الأيديولوجية العربية المعاصرة هو المولد للنزوع التاريخاني، وهو مبعث الحاجة إلى ماركس التاريخاني كما في الأيديولوجيات الألمانية في زمن ماركس.
2- الماركسية التاريخانية، بخلاف الماركسيات الأرثوذوكسية التي انطلقت من النصوص ورسم خطوطها الأساتذة والباحثون، تستدعي الفكر الليبرالي التنويري للقرنين السابع عشر والثامن عشر، الذي حاربت به البورجوازية الصاعدة فكر القرون الوسطى الظلامية. فإن ماركس التاريخاني يجب أن يتأسس في مجتمعاتنا المتأخرة على جذره الليبرالي. فماركس هو ابن ديكات وسبينوزا وليبنتر.
"لقد عرفت الإنسانية الحديثة ثورة دينية وثورة ديمقراطية وثورة صناعية، كل واحدة تعبر في ميدان خاص وبكيفية خاصة عن تطور المجتمع كوحدة متكاملة. ونتجت عن هذه الثورات انقلابات في الفكر تستحق أيضاً اسم الثورات: العلمية والتاريخية والعقلانية، وقد عبرت عن هذه الثورات أيديولوجيات مختلفة، أهمها الليبرالية والاشتراكية". فالحداثة في المجتمعات الغربية هي خلاصة هذه الثورات، والليبرالية والاشتراكية هما الخلاصتان الأيديولوجيتان في التعبير عنها.
الثورات الوطنية التي عرفتها المجتمعات العربية ضد الاستعمار الأوروبي لم تستوعب لا هذه الحداثة، ولا الأيديولوجية المعبرة عنها، أي الفكر الليبرالي التنويري. وإبان تلك الثورات الوطنية، لم يفرق العرب بين الغرب الاستعماري والغرب الديمقراطي الليبرالي، لذا كان هناك ارتباط وثيق بين المنطق التقليدي ومعاداة الاستعمار، وهذا المنطق التقليدي وضع الغرب كله في سلة واحدة، فوحد بين البوط العسكري الفرنسي وفرنسا الليبرالية التنويرية. من دون أن يعيش مرحلة الليبرالية.
الفكر التقليدي الذي يشكل الأرضية الأيديولوجية للمجتمعات العربية "مخالف في منهجية ومفترضاته للفكر الحديث، وهو لا يتحدد بأحكامه العينية بقدر ما يعرف بمنهجه المبني على أن الحقيقة موجودة كاملة في مكان ما وزمن ما يكشف عنها من حين إلى حين ودفعة واحدة ..". فلا بد من ثورة ثقافية تعم المجتمع العربي، بجميع فئاته، ويتغلب فيها المنهج الحديث لا في ثوب مستعار من الماضي، فالعالم من حولنا يؤثر فينا ولا نؤثر فيه، ولا أمل لنا في أن نؤثر فيه إذا انعزلنا فرحين بما لدينا من "حقائق" لا يفهما إلا نحن.
يدعو العروي إلى التمييز الخصوصية التي هي بناء شخصية متميزة مستلهمة من معطيات الحاضر، من الأصالة، أي الإبقاء على نمط اجتماعي سلوكي لم يعد صالحاً للظروف الحالية لأنه لا وجود لظاهرة ثابتة في التاريخ. فالفكر العربي لم يستوعب مكاسب العقل الحديث من عقلانية وموضوعية وواقعية وإنسية، ومع ذلك فإن هذا الاستيعاب مهما تأخر سيظل على جدول الأعمال.
إن اغتراب الفكر العربي، بشقيه السلفي والانتقائي عن منجزات العقل الحديث دعا العروي إلى طرح السؤال المهم: "كيف يمكن للفكر العربي أن يستوعب منجزات الليبرالية قبل (وبدون) أن يعيش مرحلة الليبرالية؟ فالشعوب التي تداركت حالة التأخر، كالشعب الألماني مثلاً، "جعلت أوروبا الليبرالية أفقاً لهدفها الثقافي ولهدفها السياسي"
ولكن هذه الليبرالية التي يدعو إليها العروي هي مرحلة مؤقتة للوصول منها إلى الاشتراكية العصرية. لذا يقول "إذا كان لا بد من الاختيار بين المنهج التقليدي وبين الليبرالية فإني أختار هذه الأخيرة على أن أتجاوزها سريعاً نحو اشتراكية عصرية. لكني لا أحبذ اشتراكية على أسس تقليدية لأنها تكرس منطق الماضي".
ويميز العروي بوضوح حاسم بين رفض المثقف العربي لليبرالية، ورفض المثقف الغربي لها، فالمثقف الغربي عندما يرفضها فهو يرفض شيئاً ملكه واستوعبه. إن أوروبا التي نادت بالليبرالية صارت اليوم في وضع يمكنها من تجاوزها. وما الحركات التي قامت كرد فعل على العقلانية إلا دليلاً واضحاً على هذا التجاوز، فالفوضوية التي تدعو إلى تقديس الفرد، والفردوية التي بدأت كمحاولة علمية عقلية لإدخال اللاوعي في نطاق الوعي والرومانسية الجديدة والسريالية التي ترمي إلى تكسير الأساليب العقلية والكلمات والتراكيب من أجل تحرير الحس والوجدان من أسر العقل، كلها محاولات لتجاوز العقلانية الليبرالية إلى آفاق جديدة. ولكن حبن يرفض المثقف العربي الليبرالية فإنه يرفض شيئاً لم يستوعبه بعد، لذا يغدو مجالنا الثقافي مفتوحاً للفكر التقليدي والسلفي.
تؤكد الماركسية التاريخية ضرورة تبني الثقافة البورجوازية وضرورة تبني التراث الليبرالي خاصة، لأنه الوحيد القادر على أن يهزم التقليد. وإن سيرورة البرجزة هذه ستتم بدون طبقة بورجوازية، لأن الطبقة البورجوازية العربية بحكم تكوينها الاقتصادي والفكري غير قادرة على تحقيق ذلك. وتعميم التراث الليبرالي وتجاوزه في مجتمعاتنا العربية المتأخرة لا يمكن أن يحققه إلا القوى التي تتبنى الماركسية التاريخانية.
إن نقد العروي للدولة القومية مبني على هذا الأساس، لأنها زاوجت ما بين نظرية الثقافية الاشتراكية والتقليد، وأرادت جمع المجد من أطرافه؛ فهي تريد المصالحة مع كل شرائح المجتمع ومع فكره السلفي من جهة، وتتطلع إلى امتلاك تقانة الغرب من جهة أخرى. والنظرية الاشتراكية لا يمكن أن تبنى إلا على أرضية ليبرالية. فكانت النتائج التي وصلت إليها متفارقة عن الأهداف التي رفعتها، ففشلت في موضوع التنمية المستقلة وفشلت في موضوع الاستقلال والوحدة والتحرير، وتحولت بذلك إلى أداة نهب لمجتمعاتها وأعادت إنتاج حالة التأخر بأشكال وصيغ جديدة. لذا أطلق المفكر الراحل ياسين الحافظ على النظم التي أقامتها اسم "تاخراكيات" أي اشتراكيات متأخرة.
3- الماركسية التاريخانية تستوجب التعريب أو التجوين، فالماركسية التي وفدت إلينا مع سياسات الكومنترن وتعليماته ظلت ماركسية برانية وهامشية لم تنغرز في متن الثقافة العربية، فبقيت مجرد عرض بيداغوجي مبسط لمقولات في التاريخ والاجتماع والسياسة مأخوذة من مجتمعات بعيدة، كفلسفة يختار منها المرء ما يوافق مزاجه وأحواله، كهندام جديد مستعار للزينة والمباهاة، وبسبب هذا التعريب الناقص انحصرت الماركسية في مجموعة أحكام اعتبرت قوانين منزلة تستمد قيمتها لا من اختبار قدرتها على كشف منطق التطورات الاجتماعية والتاريخية، بل تستمد قيمتها من ذاتها، ومن كونها عقيدة دولة عظمى، فتحولت إلى عقيدة جامدة منفصلة عن الواقع، ولم تساعد على حل الغاز الماضي المندسة في الأنظمة الاجتماعية ونفسانية الأفراد.
تعريب الماركسية ليس تعريباً للنصوص الماركسية الذي هو عملية بسيطة ومتيسرة، بل هو عمل فكري واجتماعي يتطلب جهداً كثيفاً من النخب العربية المثقفة تخضع بموجبه الثقافة والتاريخ والمجتمع والاقتصاد والطبقات للمنهج الماركسي، لا لنصوص دار التقدم وتعليمات الكرملين الكنسية. الماركسية الجوانية أو المعربة ينبغي أن تنشأ وتتلون بأوضاع الأمة العربية معاكسة بذلك الماركسيات الذاتية التي يختارها المرء عربياً كان أو غير عربي. إنها ماركسية تنشأ في كل مجتمع حسب متطلباته من أجل خلق مجال ثقافي تتوحد فيه طليعة مثقفة تكون نواة حركة تحديثية جديدة في المجتمع العربي؛ فمهمة النخبة المثقفة اليوم هي السيطرة على الساحة الثقافية العربية التي تركت طويلاً للفكر التقليدي، قبل السيطرة السياسية.
ثانياً: لماذا ماركس التاريخاني عربياً؟
1- لأن إشكالية الأيديولوجيا الألمانية أعيد إنتاجها عربياً، ففي كتابه "الأيديولوجيا العربية المعاصرة" حاول العروي أن يوازن بين استلاب الأيديولوجيا الألمانية في القرن التاسع عشر وتأخرها، وبين واستلاب الأيديولوجيا العربية المعاصرة وتأخرها منذ مطلع القرن العشرين. وحقبها في ثلاث مراحل أساسية: مرحلة الشيخ، ومرحلة الليبرالي، ومرحلة التقني، هذه المراحل الثلاث من تاريخ الأيديولوجيا العربية واكبت ثلاث دول متعاقبة هي الدول المستعمرة، الدولة المستقلة، الدول القومية. فالشيخ يحتفظ بالتعارض بين الشرق والغرب في إطار التعارض بين الإسلام والمسيحية ويتوهم أن المجابهة القديمة مستمرة. ورجل السياسة ينتهي به الأمر إلى الاقتناع بأن العقل ليس غائباً عن أوروبا سواء قدم إليها من الأندلس أو من مكان آخر، وبمقدار ما كان رجل الدين يبحث في كل مكان عن حجج جدالية ضد الكنيسة، فإن رجل السياسة يكف عن رؤية أوروبا على أنها مملكة للبابا والمطران، ويبدأ بملاحظة الإمبراطور والنبيل الإقطاعي ويدمج بين روسو ومونتسكيو، وينصرف إلى الإيمان بأن الإسلام لا يفرض تنظيماً دقيقاً للسلطات العامة وأنه يمكنه التلاؤم مع أي نظام حكم يختاره المسلمون ويغدو الإجماع الشرعي ميثاقاً ديمقراطياً حقيقياً مدعوماً بالطريقة التي اختارها الخليفة عمر لتعيين خلفه. أما داعية التقية فيرى أن الغرب لا يتحدد بدين خال من الأوهام ولا بدولة بريئة من الاستبداد، وإنما بقوة مادية اكتسبت بالعلم والعمل التطبيقي. وهذه النماذج الثلاثة هي استعادة لأشكال الوعي الغربي المتخطاة: الشيخ يعيد سيرة رينان وهانوتو والسياسي يردد آراء لوك وموتنسكيو، والتقني يستعيد مواعظ كونت وسبنسر، إنها استعادة لأشكال الوعي الغربي المتخطاة.
فبعد هزيمة عام 67 تقدم الشيخ بعمامته وهو يردد "غلبنا بسبب فجورنا وعدولنا عن سامي الأخلاق" وقال الليبرالي "غلبنا لأن زعماءنا تفردوا بالحكم"، أما داعية التقنية فطالب بالمزيد من الآلات والمصانع الجديدة، وصفق الغرب لكل هذه الإجابات". الشيخ أمين للسلف الصالح وعنده التاريخ امتداد لفكرة الوحي والمستقبل هو استحضار لعصر ذهبي مضى منذ ألف وأربعمئة عام. والليبرالي وداعية التقنية جزأ كل منهما الغرب وانتفى منه ما يريد، بحيث لا تتعارض هذه الانتقائية مع الوفاء لقيم المجتمع التقليدي. لذا كانت "حداثتهما" حداثة مدلسة متصالحة مع التقليد وفقاً لتتقسيم العروي للأيديولوجيا العربية المعاصرة. فقد اتسم الفكر العربي بالسلفية أو الانتقائية وفي كلتا الحالتين كان فكراً مستلباً، لا تاريخياً، لا يرى الغرب كسياق وكوحدة تاريخية متكاملة على الصعد المعرفية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية. ومن هنا أهمية التقاء النخبة المثقفة العربية مع الماركسية التاريخية التي تؤكد هذه الوحدة للغرب بحيزاته المختلفة.
2- إن أهمية الماركسية التاريخانية للنخب المثقفة العربية لا تنشأ من تشابه وضعيتي التأخر: الألماني في القرن التاسع عشر، والعربي الراهن وحسب، بل من قضية أخرى لا تقل أهمية عن ذلك هي الصفة الكونية للماركسية التي تختزن في أحشائها الموروث الليبرالي الغربي، فهي تقوم بدور الاختزال التاريخي لمراحل التطور الغربي، وتمثل الخلاصة المنهجية للتاريخ الغربي، وهو ما لم ينِ الفكر العربي المعاصر يبحث عنه منذ ثلاثة أرباع القرن.
3- إن ماركس التاريخاني الذي جب ما قبله، أي جب الميراث الليبرالي التنويري، قادر بتأويله ليبرالياً على القيام بتحديث الذهنية العربية وتحديث الفكر العربي الذي يعاني من حالة فوات تاريخي بالقياس إلى منجزات العقل الحديث. فالاشتراكية العصرية، وفقاً لهذا المنطق التاريخاني، لم تعد مجرد إجراءات اقتصادية تنموية تقرها النخبة "الماركسية" التي تستولي على السلطة وإنما هي قبل كل شيء أداة تحديث الفكر والعقل العربيين.
4- استخدم الفكر العربي مناهج غير مطابقة لأهدافه، فشعارات التنمية المستقلة والوحدة والتحرير .. إلخ التي رفعتها تيارات الفكر العربي، على اختلاف تلاوينها واتجاهاتها وصلت إلى نتائج مفلسة على هذه الصعد. ففشلت في تحقيق التنمية المستقلة وازدادت تبعية العرب للخارج، وفشلت في تحقيق الوحدة وازدادت التجزئة تجذراً واتساعاً وازداد الفقر والتخلف والجهل وانحدر وضع المرأة العربية إلى الدرك الأسفل. لماذا هذا التفارق بين الأهداف والنتائج؟ إن أحد أهم الأسباب في رأي العروي، هو استخدام مناهج غير مطابقة للأهداف. الفكر الماركسي التاريخاني يحقق هذا التطابق ما بين المنهج والأهداف المنشودة.
ثالثاً: نهاية الشيخ والليبرالي والقومي داعية التقنية في نهاية القرن العشرين:
كتب العروي كتابه القيم "الأيديولوجيا العربية المعاصرة" في أعقاب هزيمة 67 ، حينذاك كان المثقفون العرب لا يزالون مستسلمين لحالة من السكر الأيديولوجي، حجبت عنهم تضاريس الواقع العربي والعالمي وجغرافيته؛ أما وقد انقشعت بعض تلك الأوهام الأيديولوجية بعد إخفاق المشروع النهضوي، أو ما أطلق عليه اسم "محاولة النهضة العربية الثانية" التي مثلتها الناصرية وقادتها وأنضوت تحتها قوى اشتراكية وماركسية وقومية أخرى، فإلى أي مصير آلت تيارات الفكر العربي في "العصر الليبرالي"؟
مصائر الشيخ والليبرالي والقومي التقنوي؟
لقد انتهى الشيخ المتأثر بالصدمة الكولونيالية وبالمناخ الليبرالي التي أحدثته هذه الصدمة آنذاك من شيخ يقبل بالحوار ويحاول إيجاد مخرج مناسب للمزاوجة بين الشرع ونظام زمني لتنظيم حياة المسلمين إلى شيخ ظلامي تكفيري وإقصائي، ينقسم الناس، وفقاً لتصوره، إلى أهل الخير وأهل الشر وبالطبع فإن أهل الخير هم من يتبعونه. وانتهى الليبرالي على الصعيد العربي موضوعياً بحكم تلاشي الطبقة أوالشريحة الاجتماعية التي كان يمثلها، فالدولة القومية التي أرست قواعدها البورجوازية الصغيرة أقصته من الدولة والمجتمع على حد سواء أشد إقصاء. أما لليبرالية على الصعيد العالمي فانتهت إلى مفهوم الليبرالية الاقتصادية، ليبرالية السوق والبنك الدولي، فكانت نكوصاً عن ليبرالية القرن السابع عشر والثامن عشر، ليبرالية عصر التنوير الأوروبي، هذا النكوص يقبع في خلفية توجهات الليبرالية الاقتصادية الراهنة المتوحشة التي تريد الهيمنة على الكوكب الأرضي، بمعنى آخر، انتهت صدمة الحداثة في بداية القرن العشرين إلى الليبرالية الاقتصادية في مطلع القرن الواحد والعشرين.
أما داعية التقنية البورجوازي الصغير الذي بنى الدولة القومية العتيدة، فقد انحدرت هذه الدولة من مشروع دولة وطنية أو جنين دولة قومية إلى دولة طغمة أو عشيرة، وانحطت إلى سلطات أوليغارشية، وهذه انحطت إلى مجرد تسلط، نزعت السياسة من مجتمعاتها وحولتها إلى مجتمعات رعوية لا حول ولا طول لها، مجتمعات فاقدة للأمن والأمان والحرية في زمن الليبرالية الاقتصادية المنفلتة من عقالها.
باختصار شديد، انتهى الشيخ الإصلاحي محمد عبدو إلى أسامة بن لادن، وانتهى لطفي السيد موضوعياً على الصعيد العربي، أما عالمياً فقد انتهى إلى جور بوش. أما داعية التقنية الذي تبنى الاشتراكية القومية فيما بعد فقد انتهى إلى صدام حسين.
في بداية القرن العشرين صار الشيخ الظلامي والليبرالي الاقتصادي والمستبد القومي منظومة واحدة قوامها الاستبداد والإقصاء والإرهاب ومعاداة الديمقراطية والليبرالية التنويرية وحقوق الأفراد،
إنها منظومة ظلامية معادية برمتها للتقدم ولجوهر الإنسان وماهيته بوصفه إنسان العمل والإنتاج، التواق إلى الحرية وكسر أطواق الاستبداد. هذه المنظومة الظلامية المتوحشة تضع البشرية كلها في خطر، وهذه الخطر الراهن يجعل ماركس التاريخاني راهناً أكثر من أي وقت مضى، لإنقاذ البشرية من احتمال نكوصها إلى أزمان التوحش البدائية، ومن احتمال إفناء النوع البشري.
نشر نقلا عن موقع سؤال التنوير - تحرير وإدارة عبد الكريم الجباعي