
لا يمكن في العمل المعرفي أن نستخلص النتائج قبل أن نحدد الأسباب التي قادت إلى هذه النتائج ، وليس منطقياً أن تقدم مصادرة أو بديهة أو ما نسميه فرضاً ونبني على أساسها مدماكاً معرفياً يقدم هو الآخر بداهاته دون إعمال العقل فيه تدقيقاً وتمحيصاُ وتحفيراً حتى لو كنا نتكلم عن ظاهرة معرفية قد نعتقد أنها بسيطة .
في المنهج الأرسطي و وفق تعريف أرسطو وتعريف كل من تلاه يجب أن نحدد فرضاً ونبني عليه ونستنتج على ضوءه نتائجنا ولكن ماذا نفعل إذا كان فرضنا خاطئاً ؟؟؟ نعيد التفكير مرة أخرى ونبني مرة أخرى وهكذا إلى أن نصل إلى ما نعتقده سليما في مقدماته وفي نتائجه .
إن مشكلة الفرض في الفكر و الفلسفة مشكلة قديمة ، ولكن التطور العلمي حلها على مبدأ التجريب في العلوم الرياضية والفيزيائية وأما في العلوم الفلسفية والفكرية فقد بدا أن المشكلة مستمرة لحد اللحظة ولكن ليس بالثوب القديم للمشكلة ، فهناك معطيات حدت بشكل كبير من سعة الفرض فلم يعد بإمكاننا أن نذهب بالفرض بعيدا عن منجز تاريخي و علمي وثقافي وحضاري كبير يضع المنطق والعقل فوق كل اعتبار حتى لو تعارض مع كل النصوص المقدسة بما هي مقدسة بكينونتها أو مصدرها السماوي أو حتى الأرضي .
نستخدم المنطق الأرسطي في تبيان المقولات المقدمة في مقال المرتضى حاتم فنقول أن تعريف الشعور بالرضا كما يقدمه الكاتب هو مصادرة لفظية أتهامية تقريرية أولاً ، وثانياً تحيل هذه المصادرة إلى جعل الشعور بالرضا خطراً مجتمعياً داهماً ، وثالثاً وهو الأهم يصادر عنها جملتها المعرفية فتبدو وكأنها ـ المصادرة ـ أقرب للحقل الديني الوضعي ومعّرفة تعريفاً منجزاً نهائيا بأنها سبب بلاوي العالم الإسلامي من جهة كما هي سبب بلاء العالم العلماني أو غير الديني من جهة ثانية ووفق تقسيم للعالم يرفضه العقل .
السؤال الذي يظهر بعد هذا الكلام : كيف يمكن استخدام هذه المصادرة في بناء مدماك معرفي إذا كانت كما نرى خاضعة بحد ذاتها لتهمة عراء المرجعية المعرفية أو بشكل أدق غياب الجملة الإحداثية التي يستند إليها في إصدار حكم قيمي كهذا الحكم؟؟
في تعريف الشعور بالرضا نجد وفقاً لموروثنا المعرفي أنه توازن شعوري بين الأنا العليا الفردية ( أو الجماعية ) والأنا الدنيا الفردية أو الجماعية بتعبير فرويد ينتج عن توازن بين المحتوى الفكري الواعي و المحتوى الفكري غير الواعي للشخص أو المجموع وهو كذلك اتفاق العقل الباطن على جملة قضايا ومفاهيم و نظريات وتراكمات معرفية تجعل من إمكانية إصدار الحكم القيمي على العالم والأشياء أمراً ممكناً وليس نهائياً ، بسبب كون هذا التوازن هشاً لأنه يستند إلى داخل مهما بدا هدوءه ظاهرا فهو بركان خامد جاهز للانفجار في أي وقت .
هنا في هذا التعريف توجد مرجعية وهي المعايير : الحدود والمساحة و البنية والحامل المعرفي أو بتعبير أرسطو علة ومعلول وثالث مفارق ويكون الشعور الناتج عنها تالياً بمعنى انه لا يمكنك أن تصدر حكما قبل أن يكون لديك معرفيا ما تستند إليه في تقرير حكمك القيمي هذا ، وعلى سبيل المثال فإن السارق وقبل أن يسرق وأحياناً بعد ذلك يقدم تبريراً لنفسه قبل الفعل بأنه مثلاً محتاج ولديه عائلة وراتبه لا يكفيه ومن ثم ترتفع الشحنة الشعورية لديه إلى درجة الاستعداد للفعل وعند وصولها إلى الذروة يقوم بالفعل بقلب غير مطمئن لأن "أناه " الأعلى أو " ضميره " سيبقى رقيباً حسيباً حياً لا يمكن قتله ، ولكن المشكلة تحدث مع التكفيري لأسباب نوضحها لاحقاً ( يقول مثل إنكليزي أنه حتى اللص عندما يضع المفتاح في ثقب الباب يقول : يالله !) .
أما التبريرات التي يقدمها مفهوم الشعور بالرضا فهي منبثقة من أدلجة سابقة في العقل تبعاً للتعريف السابق وليست هي بحد ذاتها سبباً في نشوء الأدلجات والآحزاب ، فمفهوم الشعور بالرضا كمقولة هو أحد تاليات الأدلجة تماما كما يخلق القتل راحة نفسية لدى الإرهابي عندما يفجر قذيفة وسط أبرياء يعتبرهم كفاراً وفق المنطوق الإرهابي القاعدي في الإسلام مثلاً ، ولا يختلف هذا الأمر عند إرهابات أخرى من نوع علماني أيضاً .
ترى ما الذي يجعل التكفيري ( المجاهد !!!!) والتجهيلي بتعبير المرتضى حاتم على أتم الاستعداد لمصادرة ومطاردة الآخر نفسيا وفكريا وعسكريا إن لم تكن لديهم القناعة الفكرية بصوابية ما يفعلون وقدسيته ؟؟
إن أي كائن كان يحتاج عند فعل أمر ما إلى أن يعبد طريقه النفسية كي يصل إلى الهدف المعلن ،سواء كان الاقتصاص من كفار العالم الذين ينغصون عليه عيشته ، أو من مديره العام أو من أي كان ، وينطبق الكلام على من يسميهم الكاتب التجهيليين ولو أن هناك عدم توضيح لهذا المصطلح الذي يبدو كأنه شكل آخر للتكفير الديني أقرب لمصطلح التكفيرين من غيره من المصطلحات وهذا له وقفة لوحده.
ماذا نستنتج إذا كان التعريف جاهزاً ومبستراً ويقدم حقيقة يراها منجزة ؟؟ نخلص في هذا الجزء إلى أن التعريف المقدم خاطئ و لكن نتائجه قد لا تكون بالضرورة خاطئة وفقاً للمفهوم الأرسطي نفسه .
التكفير والتفكير وافتراق المرجعيات مرة أخرى :
يقول الكاتب أن ما يحرك هؤلاء التكفيريين هو قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باعتباره نوعاً من الجهاد في سبيل الله . لنقف عند هذا التقرير بمرجعية التكفيريين ، يفترض الكاتب أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو قانون إلهي ، أي أنه يجب أن يكون هناك في المجتمع الإسلامي من يدعو إلى المعروف وينهي عن المنكر ، ورغم أن تفسيرات متعددة قدمت حول هذه الآية وغيرها من متشابهاتها إلا أن التخصيص فيها وارد في عدة أحاديث نبوية باختصاصها في جماعة محمد الزمنية كما ورد عن عثمان بن عفان في تفسير ابن كثير الجزء الرابع .
هناك تخصيص وهناك على الجانب الآخر سوء في التفسير ؟؟ أم انه السياق الطبيعي للأمور حين تفقد الأمة مرجعيتها الحضارية التاريخية والفكرية و تتحول من مبدع إلى ملقن ومتلقن ؟؟
لنعد زمنياً إلى عهد النبي محمداً ونرى هل كانت هناك هيئة كهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السعودية التي هي بتعبير الهيئة الحصن الأمين وسفينة أمان المجتمع ، سنجد العجب العجاب !
في عهد النبي محمد كان في المدينة بغاء ! والكلام ليس من عندي بل ستجده في عديد كتب التراث العربي ومنها [ تفسير ابن جريج: جمع وتحقيق على حسن عبد الغنى 1992 م ـ مكتبة التراث الإسلامي ـ القاهرة ]. ويضم أفضل الأفكار عن هذا الموضوع تحديدا كتاب الباحث والشيخ خليل عبد الكريم " النص المؤسس ومجتمعه " وفيه تفصيل كبير لمجتمع الرسول و زمنيته وزمانه وأن هذه المثالية التي تطبع رؤانا لم تكن بحسبان النبي محمد !!
إن مرجعية التكفيري الذي يصفه الكاتب بالمجاهد لا تفرق عن كلمة المجاهد ، هذه المرجعية ليست في الشعور بالرضا النفسي بل في السند المعرفي الذي يقدمه ليس النص المقدس غير القابل للنقد الأمر الذي يقوم به التجهليين ( كما يقول الكاتب متهماً بإضاعة الهوية ) بل والنص التالي الفقهي والمجتمعي السلطوي الأموي والعباسي و غيره من فقهاء ووعاظ السلطان في كل زمان ومكان والذين أدوا أدوارهم بشكل متقن لدرجة أن أحدهم أفتى بأن من يقتل فلاناً سيدخل الجنة بضمانته هو!
بين هذا الإقرار بالقانون والآيات التالية المذكورة تناقض واضح بين حرية الاختيار المذكورة وبين التقييد بقانون الأمر بالمعروف والنهي بالمنكر ، و هذا التناقض يكاد يجعل من النصوص أكثر من مجرد " حمالة أوجه " كما حدث بذلك الإمام علي بن أبي طالب وهو العارف بالنص القرآني أيما معرفة، بل إنها مفاتيح متعددة لقفل واحد كل يظن أنه وحده يمتلك أسرار خزنته .
للتكفيري كما نرى سنده المعرفي في النص المقدس ولا يماري في ذلك عاقل ، نص مقدس يقول له افعل كذا وكذا ، نص مقدس يستطيع حتى مع إعمال النقد أن يقصف العقل ويحيله إلى هرطقة كما فعلت كل الأديان عبر التاريخ تاريخ اختلافها مع العقل .
التكفيري يلجأ إلى النص ليبرر فعلته المؤمن بها وتكون حسب فهمه كل النتائج مبررة ، يكون من حق السنة تكفير الشيعة والعكس صحيح ، وهكذا إلى آخر السلسلة ولا يكون من حق الفرد العاقل الخروج من هذا القطيع وإلا كفر !
و ليس التكفيري هو وحده من يقود جوقة الاختلافات في الإسلام وليس من المنطقي تبرير أو تفسير الخلافات بين المسلمين فقط لأن هناك من بينهم تكفيريون ، هناك أيضاً مؤمنون وهناك أنصاف مؤمنون ولا يقاس مجتمع بالمسطرة حتى نعمم ، إن مشاكل المجتمعات تحدث وتنتج لأسباب اقتصادية و اجتماعية و فكرية وليس لأن فئة من الناس في هذا المجتمع شعرت بالرضا فقامت تقتل الناس !!
إن الخلاف التاريخي بين علياً وعائشة مثلاً لا يمكن رده إلى أن عائشة شعرت بالرضا لأن عليها أن تقوم ضد علياً الخليفة لأنه لم يقتص من قتلة عثمان ، إن عائشة كانت تبحث عن دور غيبه محمد حين ألزم نساءه زوجاته بعدم الاشتغال السياسي من بعد موته ومحمد يعرف ما يفعل ولكن ماذا تفعل امرأة في الثامنة عشرة من عمرها هي الزوجة الفضلى لدى محمد إذا كان زوجها فارقها في ربيع عمرها وعليها ألا تتزوج بعده أبداً ؟؟ هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن هذه المرأة المغيبة الفعل كانت تقضي بين الرجال ولذلك تمكنت من جذب أنصار و خلق تلك الحرب التي راح ضحيتها مئات الآلاف من المسلمين كرمى لعينيها لدرجة أن شاعراً مغموراً قال أن تلك المرأة هي حلم كل رجل شارك في تلك الحرب القذرة .
المهم وبالعودة فإن في المجتمعات ما هو أكثر من مجرد رضا بالنفس والناس ليسوا على دين ملوكهم إلا حين يعمل القمع والإرهاب على وضع القيود، والترهيب والترغيب كانا على الدوام ديدناً للحكومات في تعاملها مع الناس ، وقد ذهب المسلمون في تأليه السلطان أكثر مما ذهب غيرهم ، نسوق كل هذا وغيره ما لا يسمح به المقام لنؤكد على فكرة رئيسية هي أن في المجتمعات جميعها حراك أكبر من أن يحتوى في عبارة صغيرة أو فكرة تؤسس لقطيعة معرفية أو غير معرفية مع العالم ، ودون شك فإنه عند الحديث عن إخفاقات المسلمين لابد من التذكير بأنهم وقعوا بعد استيقاظهم على وقع مدافع نابليون بين رحى التطوير المطلوب الذي يجب أن يقوموا به هم و بين تطور تاريخي عالمي استغلهم وحول كثيرا من بلادهم إلى زرائب للمستعمرين وحدائق خلفية يعبث فيها و يمتصها محولاً إياها إلى عظام بدون لحم ، إلا أن هذا لا يعني أنه لم تكن هناك أرضيات مستعدة لقبول هذه الفتن ( تذكر كتب التاريخ أن العراق بين عامي 361 هجري 502 هـ سقط في الخلاف السني الشيعي أكثر من نصف مليون قتيل في العراق وحده ـ المرجع : البداية والنهاية لا بن كثير من الجزء 10 – 12 ، و العبر في خبر من عبر للذهبي وغير ه كثير لا حاجة لوضعه هنا ولكن يمكن لمزيد من الاطلاع قراءة المادة التالية على موقع حال البلد نفسه ) ، أرضيات فكرية وثقافية ودينية وفقهية وغيرها وعلى رأس هذه الأرضيات تغييب العقل لصالح النقل وهي ميزة فعلها أبو حامد الغزالي وغيره ممن رفض فكر المعتزلة وجميع من حاول بناء صرح العقل على قاعدة قبول الآخر وحارب العقل والحوار ( مثلا : أفتى ابن تيمية في وثيقة غير مؤكدة المصداقية بأن الشيعة كفار ويجب قتلهم وسبي نسائهم و سلبهم أموالهم وما إلى ذلك ، ترى ألم يكن ابن تيمية قاضياً ويقرأ أن من قتل مسلماً فكأنما قتل الناس جميعاً أم أنه قرأ : وقاتلوا الذين كفروا..... ولم يكمل الآية ! ) ، وبالمثل لم تتأكد لدى أية مرجعية شيعية في العراق ضرورة إصدار فتوى بتحريم دماء السنة ومن بينهم الأطفال والنساء تأكيداً ، لولا تدخل كريم من الحاكم الأميركي للعراق !!!!!!!! ) .
التجهيل والجهل ومحاولة في التعريف أيضاً :
التجهيل الذي يقدمه الكاتب كتعريف هو جزء من تعريف أشمل لموضوعة أشمل خلط فيه الكاتب بين جملة من المفاهيم التي لا تلتقي معاً إلا بإذن ربي !
إن نعت أو وصف الإسلامي بالجهل و الجمود والسلفية لا يكفي إصدار حكم قيمي على أن قائل القول تجهيلي ، فهذه الأوصاف إن أصدرها كاتب فهي تؤدي إلى سؤال جميل : لماذا ؟؟ وليس إلى اتهام بأنه يمارس تجهيلاً ، صحيح أنه يقدم في تعريفه وصفاً ولكنه حسب المنطق الأرسطي ذاته يقدم فرضاً نفترضه خاطئاً و لكنه في معلوله يقود إلى وصف العلة وتشريحها والسؤال عنها وليس إلى دفنها ، وهنا يكمن الفرق بين التجهيلي بتعبير الكاتب وبين التكفيري ، الثاني يقودك إلى القبر والذبح والأول إن صادر لك مقدمة فقد ترك لك نتيجة قد تختلق وقد تتفق معها .
إن التجهيلي إذ يصادر في مقولته الإسلامي إلا أنه يقوم بذلك على أساس معرفي وليس عسكري ، وتأكيداً لسنا ندافع عن التجهيلي ولكن نوضح الفرق الذي غاب عن ذهن الكاتب ، ونوضح كذلك أن مكمن الخطورة عند التجهيلي ليس في إضاعة الهوية ـ الضائعة أصلاً ـ من خلال نقض وليس نقد التراث العربي الإسلامي بل من كون الاثنين ينهلان من نبع واحد هو نبع النص المقدس !!!
وسنتوقف هنا عند د.نصر حامد أبو زيد في كتابه الغني عن التعريف "التفكير في زمن التكفير" وقد حمل الكتاب عنواناً ثانوياً هو :ضد الجهل والتزييف والخرافة في طبعته الثانية عن مكتبة مدبولي .
لقد اشتغل الدكتور نصر حامد أبو زيد وطوال ربع قرن على بناء قراءة جديدة للفكر العربي الإسلامي وبطريقة لا حاجة للقول أنها بنت العقل المبدع التنويري الباحث المصبوب في بوتقة العمل البحثي المدقق المنقب ،و لكن كل هذا لم يشفع لهذا الرجل أمام التجهيليين من الإسلاميين والتكفيريين من الأصوليين فتم التفريق بينه وبين زوجته ، لقد بدا واضحاً في هذه القضية أن التجهيليين هم الإسلاميين بحد ذاتهم وأن شعورهم بالرضا عن نتيجة محاكمة نصر حامد أبو زيد بدا في تضامنهم مع غوغاء الشارع و تجهليي النص المقدس وعلى رأسهم محراك التنور عبد الصبور شاهين في حين برز للدفاع عن العقل أولئك الكفار من العلمانيين والدنيويين و الذين بكتاباتهم يضيعون التراث و الهوية ! مثل الطيب تيزيني وسيد القمني وخليل عبد الكريم .
إن التجهيليين بالدرجة الأولى هم الإسلاميين من المفكرين ( أو من يسمون كذلك ) في حين أن ما عداهم يعمل بطريقة الباحث المدقق فلا يتحدثون ولا يكتبون بغير توثيق مرجعي منهجي وتأكيدا ليس هذا تعميماً فهناك تنوع يختلط فيه الحابل بالنايل في طرق البحث ولكن اللافت هو أن سياسة التجهيل تقوم بها مؤسسات إسلامية تلبس لبوس المعرفة وتتزيا بالعقل والعقل منها براء ومنها أشهر مؤسستين في العالم الإسلامي : الأزهر وقم الإيرانية ! وتالياً مؤسسات النفط السعودي !
أخير اً : في تجاوز المحنة !!!
هل ما نعاني منه في العالم العربي وهو ما يهمنا بالدرجة الأولى وليس الإسلامي لأن هذا مدار توسيع كبير ينافي التخصص والمنطق معاً ، هل ما نعاني منه هو محنة ؟؟
ولكي نتخلص منها نقوم بكذا وكذا وتنحل المشكلة معرفياً على الأقل ؟؟
دعنا يا سيدي الفاضل نستقرئ أحوال العرب في بداية قرن جديد سيمضي عقده الأول والعرب من حال سيئة إلى أسفل السافلين بفضل ولاة الأمر والحكام من رجال الدين والسياسيين ومن تبعهم بغير إحسان إلى أن يحين الحين .
1- لقد امتد تأثير الفقه المعسكر للمجتمع والخارج من عباءة فقهاء السلاطين والمعارضين إلى الشارع العربي فباتت القاعدة هي الاستثناء في تعاطي العرب مع الفكر والثقافة والعلم الذي لسنا بحاجة إليه كما أكدت فتوى تجهيلية لا بن باز ومثلها لزغلول النجار ولا فرق بين الشيعة والسنة و غيرهم في هذا الامتداد اللاعقلاني خارج الزمان والمكان ، والرجوع إلى مضارب قريش الأولى باستخدام طائرات الشبح الأميركية وبرفقة كاترين زيتا جونز محجبة !!!
2- لم تخلق ردة فعل لدى المسلمين ( كونك تتفضل هذا الاسم ) بعد أحداث 11/9 تجاه أنفسهم ولا تجاه الغرب ولا تجاه الله حتى فلا زال العرب والمسلمين يدكون صواريخ المقدس على العقل أو بقية البقية من العقل العربي فيصادرون كل أمل قد يبزغ في صحراء العروبة الجافة ويقلعونه وهم اليوم يرسلون وفداً ليتأكدوا من أن اليهود يزرعون شجر الغرقد في فلسطين لأن القيامة قد اقتربت ( من حديث حقيقي لدكتور في إحدى جامعات الكويت ) وهاهو أيضاً فقيه العرب وعالمهم الكبير زغلول بك النجار يستنتج أن الأرض ليست كروية و..... يستنتج الدكتور السعودي محمود المنجد أن الفأر ميكي ماوس مخالف وكافر ويجب قتله ويستنتج الدكتور العبقري محمد سعيد رمضان البوطي أن مشكلاتنا هي في عقلنا الذي يرفض الاعتراف بأن الله يعاقبنا على عدم تطبيق الشريعة الإٍسلامية فيرسل تسونامي ليقتص من الأطفال الكفرة والنساء المارقات في جنوب شرق آسيا وغير ذلك كثير من غث وغث يكاد يطغى على المشهد البصري الإعلامي العربي لدرجة أن الجزيرة تعتذر عندما تحدثت الدكتورة وفاء سلطان من على منبرها بكلام لم يعجب فقهاء وناس العصر !!
3- لا يحدث إضاعة للهوية إن تم نقد أو نقض التراث العربي الإسلامي بل يحدث مثلما قال جوجول عن روسيا : هذه الأمة الروسية الحقيرة ، الفرق أن جوجول كان يحب روسيا ولا أحد في العالم العربي يحب بلاده إلا على مقاس فساده العقلي .
4- إن الاشتغال على التراث العربي الإسلامي محفوف بالمخاطر التي أصبحت كثيرة أكثر من ذي قبل لدرجة أن كاتباً إسلامياً كبيراً يخشى اليوم أن يتم تكفير ابن رشد و ابن سينا والرازي ـ وهذا كان ملحداً ـ وحرق كتبهم .
أخيراً : إن أجمل ما في مقالة المرتضى حاتم رغم تخبطها المعرفي الواضح هو أنها اعترفت في آخر النص أن الحضارة لا تنبجس إلا من ذاتها و لا تؤسس من خارج صيرورتها لدرجة أن هذه العبارة بدت خارج السياق كله وهي تؤسس لبذرة معرفية تعترف بضرورة غائبة هي تحقيق الهوية القومية الوطنية الدينية من الداخل حين تكون المسارات قد أتمت عملها الجدلي فحفرت أسس معرفة قرآنها الأول والأخير هو العقل ، وما يتلو ذلك مجرد تنويع على سجادة الوطن .