انتظرته طويلاً عند باب الشرفة، ترقَّبتُ إطلالته وراء الستائر المخملية .
أزهر الربيع في موعده
خيَّم الليل في أوانه
لكنه تأخر
تُفتَح البوابة بشريط حريري لندخل سرداباً يتدرج الى قمة يعتليها بشموخ.
أقتل حلمي بصمت ، أحِّول كلامي لمتاهات مغلقة ، أعود . أستنشق رائحة عفونة حياتي ، أعلن بدء استسلامي لقدري الموجِع .
قال لي :
- أكرهك
أدركتُ ذلك متأخرة ، حين كبَّلني بنظراته الحديدية ، أحاطني بهالة عصرت أنفاسي .
أقف وحيدة ، يلفُّني السواد ، يحتل أحلامي ، يقتل أملاًً أزهر مذ عرفته .
كلمة مزَّقت كياني ، بعثرته أشلاء حطام متكسر .
تحاصرني لحظات الانتظار ، تشحن مخيلتي بصور مبهمة .
كان يمجِّد بطولاته النسائية ، تمر ذكراهن كلفافة تبغ محترقة ، يهرسها بيديه في منفضة الماضي .
ينسج خيوطاً متشابكة لكلَّ امرأة ،يجعلها عارية، يعلَّقها على جدار الذكريات ، ليصنع من التعري خمراً تفترس النفوس .
ألمح ظِلَّه وراء الستائر وهو يضحك ساخراً. متسائلاً
- ماذا تفعلين هنا ؟
تستقر مشاعري في قاع بارد ، لمحت بعينيه رهبة تكوي جسدي ، و في شفتيه سلطة تقوي عزيمتي.
- أنا هنا لأجلكَ
أعود إليه .
في البدء كان . ثمرة نخيل نمت في خيالي ، مهداً أرعاه منذ الطفولة ، هدية السماء لنفسي العطشى للحب ، أيقونة توَّجت مشاعر عشقي للحنان .
كلماته توقظ فيَّ نشوة التحدي ، تفجِّر ثورة الابداع ، يشرق على روحي كلَّ صباح بوجهه المندَّى بماء الورد .
تميل الستائر مع حركة يديه ، تعانق بلوراً شفافاً ، تضمه بحنان ، يتحدا معاً ، وتذوب الهمسات في بحر من الصمت .
يتملكني ضعف قديم ، أنمو معه . يتغلغل في تفاصيل حياتي ، و قدرتي على اتخاذ أي مبادرة .
تجري دماء شيطانيَّة في عروقنا ، تقودنا لفقدان السيطرة على العقل
يمد يده ليصافحني من بعيد
تسافر أحلامي معه للحظات ، حيث نجلس على جسر عتيق ، داخل أمواج الضباب ، فنضيع فوق الدروب المغطاة بأوراق تشرين الصفراء .
أتسمر مكاني
تتعانق روحانا للحظات
حاولتُ إشعال نيران الأشواق بقلبه منذ البداية ، جعلت يديَّ اسطورته .
عظمته تحيط بي ، تطوف حولي ، تلف روحي ، تحتويني بداخلها ، تعصر
قطرات الحب ، تجمعها ، لتصنع باقة أملٍ يُتوِّج بها شعري الأسود المسدول
على أكتافي الطفولية الحالمة .
ولكنني ما زلت أوفى الأوفياء لكآبتي ، لحزني ، وأوراقي الممزقة التي تدغدغ الآلام داخل روحي .
يقولها ثانية بنظراته .
يخشى الاقتراب من مقصلتي . من حناني المتدفق . يرتبك . يضعف . حين يمسك بأحاسيسي . تثيره رائحة جسدي . تعبق بأنفه عبيراً ساحراً .
تتماوج الستائر مع النسيم ، أحاول تسلقها لأصل إليه ، أقفز أعلى السور الحديدي ، أتمسك بخيوط تنسدل بحرية .
صدى صوته صقيع يخترق أضلعي ، نظراته تصفرُّ منها أوردتي ، ينزف غضبه ثلجاً أحمرَ في حقول عمري . يحملني قسراً إلى منفاه البعيد ، لأغرق في بحور جنونه .
تنجلي ليلة العمر عند ستائره المخملية ، تتباعد روحانا في فضاء قذائف كلماته ، تطلق فجر حب ميت . تقف عند بوابة قلعته المحصنة .
ولدنا توءَمَين من مخاض الحزن . توحَّدنا بالألم . فتحنا ثغر السماء . نلتقط شعاع نور الشمس الهارب .
أدركتُ أني أكرهه . حين التقينا خلف الستائر. فأحاطنا ظلالها ليبدِّد غشاوة الصمت
تركت المكان بسرعة .
أدفن اللحظات في مقبرة الحلم ، أنفض عنها غبار حبه العالق بجسدي
لا أعلم . هل أشتاق لروحي أم أغار منها بعد أنْ رحلت إلى حيث هو . لتسكن معه
لكنْ سأبقى أسافر من عينيه إلى يديه مروراً في طريق عودتي بأحضانه .
الكاتبة عبير بدور ، من هيئة تحرير الموقع صدر لها رسائل ثلج يحترق ، ولها سيناريو مسلسل تلفزيوني قيد الإنتاج
