السلاح في سوريا: السلاح بيد .... يجرح!

قبل أيام قليلة نقلت وسائل التواصل الاجتماعي خبراً مفاده أن خلافاً بسيطاً في منطقة الرمل الشمالي في اللاذقية (غرب سوريا) تطور ليصبح اشتباكاً حقيقياً بالأسلحة الخفيفة انتهى بمصرع شخص وجرح اثنين آخرين، في ذات الوقت نقلت قنوات على منصة التيلجرام خبراً آخراً عن إلقاء شاب قنبلة على عائلته المكونة من أبيه وأمه وأخته الصغيرة في منطقة من ريف دمشق (وسط البلاد) انتهت بمصرعها كلها.

في مناطق أخرى من البلاد تسيطر عليها جماعات معارضة مسلحة، يسمع يومياً أخباراً مشابهة، فانتشار السلاح الخفيف (مثل المسدسات والبنادق الآلية والقنابل والرمانات اليدوية) بين السوريين تجاوز حدوده القديمة ليصبح \"ظاهرة\" يمكن البحث في بناها وهياكلها المتشابكة مع الظروف السورية الراهنة من حرب تكمل عامها السابع بثقة مكملةً طريقها الطويل على ما يبدو.

قبل الحرب (حتى عام 2012) قامت الحكومة بإصدار قرار تسلّمت بموجبه مختلف أنواع الأسلحة الخفيفة مقابل تعويضهم مادياً عنها، يذكر التقرير الوطني حول موضوع الاتجار غير المشروع بالأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة المقدم إلى الأمم المتحدة عام 2010 \"إن سوريا لا تعاني من مشكلة وجود فائض من الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة أو من مشكلة سرقة أسلحة الجيش أو عدم توفر الأمان بمستودعات التخزين أو إعادة الإدماج للمقاتلين بالمجتمع، فالقوانين التي تضبط العمليات المتعلقة بهذه الأسلحة لجهة الحيازة والنقل والاستخدام والاتجار قوانين فعالة صارمة\"، كذلك ـ \"كانت سوريا من أوائل الدول التي سمت نقطة اتصال وطنية بهذا الشأن, وتقوم هذه بالتنسيق مع الجهات الوطنية الأخرى المعنية بهذا الأمر للوصول إلى أفضل مستوى بهذا الخصوص \".

سيبدو الحديث عن السلاح الخفيف في بلد تناهبته حرب استخدمت فيها مختلف أنواع الأسلحة المتوسطة والثقيلة بما فيها بعض من تلك الأسلحة المحرمة دولياً (النابالم والفوسفور وحتى اليورانيوم المشع المستنفذ ـ كما نقلت ذلك مجلة الفورين بوليسي الأميركية)، أمراً غير منطقي، وغير مهم، لكن الحقيقة أنه في الوقت الذي تذخر فيه البلاد بمعارك وجبهات ساخنة، هناك مناطق توصف بالآمنة، سواء تلك الواقعة تحت سيطرة الحكومة المركزية أو مناطق تحت سيطرة قوات المعارضة المختلفة، وفي هذه المناطق تغيرت النظرة إلى السلاح، فبعدما كانت ظاهرة حمل السلاح (المسدس مثلاً لعناصر الأمن والشرطة) ظاهرة مستهجنة ومرفوضة مجتمعياً وأخلاقياً (حقبة الثمانينيات كان هناك عُرف اجتماعي أن من يحمل المسدسات في الأماكن العامة هم حتماً من الأمن)، فإنها اليوم لا تشكل مصدر خلاف على شرعيتها بل على شكل توجدها وانتشارها بين الناس، وتحديداً الفئات الصغيرة عمرياً (13-18)، وبمقابل الرفض المجتمعي السابق والمبطّن دون إعلان، هناك رغبة مبطّنة، بالنّسبة لكثير من الأفراد في استعراض عضلاتهم الذكورية أمام ذكورة الدولة، وتحديها بشكل من الأشكال، حتى الأمن الفردي المبرر في بعض المناطق تحوّل إلى تهديد فردي أو جماعي ووصل إلى حد الجرم في كثير من الحالات. أي أنه \"لا يمكن حل مشكلة مجتمعيّة ما لم يرها المجتمع المعني مشكلة\".

إذاً، هل الأمر فعلاً ظاهرة تستحق التوقف عندها:

في تصويت بسيط أجريناه على الفيسبوك تم فيها السؤال عما إذا كان حمل \"السلاح الخفيف\" يشكّل ظاهرة مجتمعية في سوريا، فكانت نسبة الموافقة على كونها كذلك أكثر من 97% من المصوتين، شمل الأفراد المشاركين مختلف المناطق السورية وبتوزيع جندري متساو تقريباً، وكانت الإجابات على الأسئلة المرافقة مختلفة في تفسير أسباب تحولها إلى ظاهرة لكن اتفاقاً واضحاً كان بين المصوتين على أنها من مفرزات الحرب السورية التي تكمل عامها السابع بثقة المستمر سنوات أخريات قادمات.

اللافت في التصويت تعدد العوامل التي قُدّمت على أنها \"أسباب\" للتسلح، فمنهم من ذهب إلى أن  وجود السلاح الخفيف شيء ضروري للدفاع عن النفس\" إلا أن الحرب قدمت فرصةً ذهبية لبعض \"المتنمرين\" لممارسة تنمرهم على الناس الأضعف، وهذه حقيقة يقرها علم النفس في ظل غياب الرادع الأقوى ـ أي الدولة ـ عن الساحة، علماً أن أجهزة الأخيرة لعبت دوراً مضافاً في تثبيت الظاهرة عبر تسليح الناس فقد كان يمكن ـ وما يزال ـ لأي شخص يريد السلاح \"أن يذهب إلى أحد الفروع الأمنية\" ليتسلح، وهذه نقطة مهمة، يعني مساهمة الأجهزة الرسمية بالفوضى يجب أن يشار إليها. \"حالات التنافس والنزاعات بين ضباط الأمن الذين نعرفهم جيدا ونعرف أخلاقهم قبل الحرب\"، لكن حجة التسليح أقوى \"وهي مرتبطة بالحرب التي تجعل الدولة بحاجة للمسلحين ولذلك (هي) غير قادرة على السيطرة عليهم\". \"بعض الجهات تقبل تطوع قصر دون 18 عاماً وتسلمهم السلاح وتطلب منهم إبقاؤه معهم أثناء تنقلهم. هذا تصرف يستحق رد الفعل الفوري ومساءلة هذه الجهات فورا ولكن للأسف لا يستطيع المواطن العادي الشكوى لأن الرد الذي سيحصل عليه أن هذه أمور أمنية!

في مناطق سيطرة الحكومة \"لا مبرر لوجود هذه الظاهرة\"، السلاح بالمدن يجب أن يكون حصراً بأيد المؤسسات الأمنية والداخلية وما يحدث عكسه\" وقد أصبح \"اللباس العسكري والسلاح مجرد مباهاة، مرة كتبت لو أن كل مرتديي اللباس العسكري عند الجامعة (جامعة تشرين) ذهبوا \"معنا لحررنا البو كمال هي وريفها في يومين\" كتب أحد المشاركين، \"إعطاء السلاح للمدنيين خطأ قاتل برأيي، فهذا سلاح (ما لعبة) فأشخاص كثر ماتوا بسبب رش الطلقات بالتشييع أو براس السنة أو (شي سكرة) نتيجة اتجاه ميلان السقوط، وهو ما استفيد منه كثيراً في الحرب السورية كرمايات قريبة غير مباشرة قتلت جنوداً\".

في نفس المناطق، \"برزت مجموعات صغيرة أو عصابات تتستر بعباءة القوات الرديفة وتقوم بعمليات سطو وسلب وقتل وفي وضح النهار أحياناً، وهذا الظهور الفاقع مؤشر على أنهم استحوذوا على أسلحتهم من مصادر شرعية (الجيش .القوات الرديفة بكافة مسمياتها)، أو شبه شرعية يعني من شخصيات ذات نفوذ وقوة وواسطة تقوم بحماية هؤلاء المسلحين المدنيين بحجة دعم الجيش والدولة، وهذه الشخصيات وجهت نيرانها إلى أهداف نعرفها جميعاً، حيث ظهرت جماعة الخوّات والأتاوات والكراجية وعلى كل ما هو مخالف للقانون (مخالفات البناء، التراخيص المرفوضة مثلاً) وكل ما هنالك من مظاهر مخلة ومقرفة إلى درجة الغثيان أحياناً، وأما القوى الأمنية الموجودة فلا تجرؤ على الردع والمنع، بالمختصر السلاح يجب أن ينحصر في نقاط القتال فقط ..لأن (السلاح بيد الخرا يجرح)\" يكتب شخص آخر.

في مناطق المعارضة يقاس الأمر نفسه، ويضاف له عناصر أخرى، يكتب شخص من محافظة إدلب: \"نعم لقد حدث انفلات مجتمعي غير مسبوق، فما كان ممنوعاً صار مرغوباً، ومع سهولة الحصول على سلاح لم يبق بيت إلا وفيه عدة قطع سلاح والسوق ممتلئ بها ومن مصادر متعددة\"، في الشارع لم يعد الأمر منكراً، وبالإضافة إلى \"احتمال التعرض لهجوم من قوات النظام أو ميلشياته والاضطرار بالتالي إلى الدفاع عن أنفسنا\"، إلا أن الأمر تحول في بعض المناطق إلى \"عصابات تأخذ أموالاً من الناس بحجة دعم الثورة\"، \"كان البعض يفرض خوات على المسافرين على طريق باب الهوى\"، وكان هناك عصابات تتعامل مع مناطق النظام لتأمين بعض المواد.

انتشار السلاح الفردي في مناطق المعارضة لا يقل عنه في مناطق سيطرة الحكومة، مع فارق الأنواع المتوافرة، ففي حين تمتلئ أسواق السلاح في مناطق الحكومة بالسلاح الروسي (كلاشنكوف بشكل رئيسي، مسدسات ماكاروف و6 و9 / 14 روسية من أيام الاتحاد السوفياتي) فإن مناطق المعارضة تمتلئ بالسلاح الأميركي (M16، وقناصات) وفي كليهما توجد محلات تيسر عملية الشراء لمن يرغب بأسعار متفاوتة حسب الجودة والنوعية وعمر السلاح وتتراوح عموماً بين (100-600 دولار).

لكن \"في منطقة الفوعة (جنوب حلب) التي حوصرت من قوات المعارضة فترة طويلة، وكل شاب فيها مسلح بدون استثناء. وجدت تنظيمات موازية و(عصابات) مستقلة أدارت علاقات معقدة مع الجوار وتحكمت بجزء من جوع الناس وتسببت بحادثة لم تنشر في الإعلام لكنها مذهلة، إذ اغتيل المسؤول العسكري للجان الشعبية المدافعة عن البلدة (وهو ليس من القرية) ومعه قياديان في اللجان بيد عصابات تهريب من داخل الفوعة، وأعضاء العصابة القاتلة اليوم مودعون قيد الاحتجاز كلهم تم القيض عليهم بعملية نظيفة، بانتظار الخروج من القرية حتى يسلموا للجهات المختصة ويحاكموا\"، يكتب شاب من الفوعة المحاصرة من قبل المعارضة المسلحة منذ سنوات.

السباق الماراتوني لحيازة السلاح شعبياً:

لن يتفق السوريون على أسباب تحول حراكهم إلى حراك مسلح، فلكل طرف أسبابه، فالجزء الموالي تبنى نظرية المؤامرة الخارجية التي تدعم وجود تهريب للسلاح بأنواعه إلى داخل البلاد بتواطؤ بين من (سيصبحون مقاتلين لاحقاً مع المعارضة) و(أجهزة الجمارك، ومختلف الأجهزة الحكومية ذات الصلة)، وبنفس هذا التفكير نقلت صور تعرّض بعض الأفراد من الأجهزة الأمنية ومدنيين للقنص على يد مسلحين (مجهولين) أول الأزمة، وهي اللازمة التي استخدمت من بين ما استخدم لشيطنة الحراك، وبالتالي \"الحق\" بالتسلح في ظل \"تراخي وفساد\" الأجهزة التابعة للدولة في ضمان الأمن للناس.

على الجانب الثاني، أي المعارض، (وهذه مشكلة تقسيم أي نزاع إلى طرفين)، نقلت المعارضة تعرّض المتظاهرين والناشطين للاغتيال على يد \"قناصة محترفين تابعين للنظام\" وعدم تمكنها من الاستمرار بنشاطها السلمي في ظل قمع متصاعد للأجهزة الأمنية وبالتالي \"الحق\" بالتسلح للدفاع عن النفس ضد القمع الممنهج لأجهزة النظام.

انتهى هذا الجدال المرير بفتح أبواب التسلح على مصراعيه، وبات الانشقاق المجتمعي واقعاً، واتفق السوريون على التسلح، بالطبع أضافت عوامل أخرى زيتاً على نار الانشقاق، فكان الصراخ الطائفي أحد أكثر الأدوات استخداماً في الصراع، ولحماية \"الطوائف\" كان لا بد من تسلحها ـ تسليحها ـ ومن ثم توجهها ـ توجيهها ـ ضد الآخر السوري، شريك الأمس في الوطن ولكن ليس اليوم ولا غداً.

اليوم يتفق السوريون على أنهم أصبحوا بنسبة كبيرة من حملة السلاح، وبعد ثماني سنوات من الحرب حُرثت فيها أرض الوطن  بمختلف أنواع الأسلحة وحتى باليورانيوم المشع وأنواع جديدة جربتها كل الدول المتحاربة، ألا تبدو فكرة البحث عن وجود السلاح الفردي بينهم ـ بين السوريين ـ نكتة سمجة؟

ــــــــــــــــــــــ

خاص الموقع

قيم الموضوع
(0 أصوات)
كمال شاهين

كاتب وأعلامي سوري، رئيس تحرير الموقع

الموقع : www.halalbalad.com

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية