نبيه البرجي يكتب: أزمة جيوبوليتيكا؟!!

  • نبيه البرجي ـ بيروت
  • الجمعة, 05 كانون2/يناير 2018 17:40
  • نشر في تيارات
  • قراءة 423 مرات

ذات يوم , دعينا لحضور محاضرة يلقيها العقيد معمر القذافي في دمشق . دخل الينا بلباس يوليوس قيصر وبنظرة كاليغولا . كما السكارى راح يحدثنا عن خارطة أكثر ثورية, وأكثر براغماتية , للجيوبوليتيكا العربية. ابتدع مدارات جيوبوليتيكية لا تدخل حتى في ثقافة السكارى. المغرب العربي يلتحق بجزء من أفريقيا . وادي النيل يلتحق بجزء آخر . الصومال وجيبوتي في القرن الأفريقي .
بلاد الشام تتداخل مع العالم التركي الذي حدوده تركستان الشرقية داخل الصين . منطقة الخليج مداها الحيوي نهر الغانج المقدس .

أصابنا الدوار ونحن نحاول الدوران معه. فجأة نهض الشاعر السوداني محمد الفيتوري الذي قال في جمال عبد الناصر يوم رحيله \\\\\\\"أنا محض جوهرة بين يديك\\\\\\\" , ليتلو قصيدة عصماء في الزعيم الليبي تخجل حتى الدجاجة من القائها .
ألا يشبه بعض الكتبة في الصحف السعودية الدجاج ؟ يرون أن المملكة آمنة لأن الأساطيل الأميركية والبريطانية والفرنسية تحميها دفاعاً عن مصالحها . كل البلوى في الأنظمة الجمهورية على أنها خاضت تجارب كارثية , وجرّت العرب الى نهايات أكثر من أن تكون كارثية .
هؤلاء الذين يسندون ظهورهم الى الأساطيل , وقد خلع بعضهم جلده الماركسي , ورمى في صناديق القمامة كل ما كان يردده من نظريات انطونيو غرامشي ولوي ألتوسير , لم يسألوا مرة واحدة عن التريليونات التي ذهبت هباء ان في ليالي ألف ليلة وليلة أو في دهاليز , وصناديق , الأباطرة .
لا أحد منهم أشار الى \\\\\\\"لعنة القناصل\\\\\\\" , ومنذ أن نشأت \\\\\\\"المسألة الشرقية\\\\\\\" (1823 ) . على العكس من ذلك , لا هزات سياسية , أو ثقافية , أو سوسيولوجية , ما دام الأمير محمد بن سلمان يلعب في المدار الجيوستراتيجي , وليس فقط المدار الجيوبوليتيكي , الأميركي . ها أنه , وكما هدد , ينقل الفوضى الى الداخل الايراني .
هكذا , بالحرف الواحد . يتكهنون بانفجار \\\\\\\"الربيع الايراني\\\\\\\" الذي سيؤدي الى انسحاب آيات الله من المشرق العربي , ولن يكون أمام \\\\\\\"حزب الله\\\\\\\" الا أن يسلم صؤاريخه الى أقرب مخفر للدرك .
الباحث الفرنسي جيل كيبل كان لفتنا الى \\\\\\\"أزمة الجيوبوليتيكا\\\\\\\" عند العرب الذن يصرون على البقاء كثباناً رملية , أو كثباناً بشرية , تذروها الرياح دون أن يتمكنوا من بناء منظومة جيوبوليتيكية . حتى القذافي تنبّه للأمر . صاغ تلك المدارات التي لا مكان لها حتى في خيال السكارى .
كيبل سأل عن مستقبل العرب في منتصف القرن اذا ما بقوا على تعثرهم , وتبعثرهم , الحالي . هل يصبغون وجوههم باللون الأصفر مادام التنين الصيني ينظر بشراهة الى الشرق الأوسط.
بواقعية السكارى , أو السذّج ( بيسمارك قال ان الله يحب السذّج والسكارى وأميركا) , لا بد من اظهار الذهول أمام الحالة العربية . لا دولة ديمقراطية . لا دولة تستطيع الدفاع عن نفسها . لا دولة السلطة فيها من الشعب (والى الشعب وبالشعب) , وانما من أجهزة الاستخبارت , أو من السيناريوات الدولية , أومن السيد الغيب الذي هو صيغة المذكر للسيدة الغيبوبة .
بالرغم من كل ذلك التهتك السياسي , والأخلاقي , والاسترتيجي , في شخصية دونالد ترامب , ثمة بين العرب من يتعامل معه على أنه النسخة البشرية عن القضاء والقدر. قادر على أن يفعل أي شيء . وعد ولي العهد السعودي بأن أصابعه قريبة جداً من الأزرار النووية , وأنه مقتنع مع صاحب السمو (وقرينه بنيامين نتنياهو) بأن لا شيء يعيد الايرانيين الى الهضبة الفارسية سوى القنبلة النووية .
هذا , بالذات , الذي حمل قائد القوة الاسترتيجية الجنرال جون هايتن على رفع البطاقة الحمراء في وجهه بعدما كان جاريد قد طمأن من يعنيهم الأمر بـ\\\\\\\"اننا سنضيء الشموع على قبورهم في بيونغ يانغ وطهران\\\\\\\" .
الآن , اولئك الذين يفاخرون بأن الأساطيل تحمي حتى غرف النوم , يفاخرون أيضاً بأن ذراع الأمير طويلة . ها هو يضرب في قلب طهران ومشهد , وغداً في قلب قم .
أحدهم دعا الى البحث عن نجل الشاه محمد رضا بهلوي ليكون جاهزاً لساعة الصفر . نسوا ما قاله الشاه لأحمد بهاء الدين \\\\\\\"من هنا الى مصر لا بشر\\\\\\\".
لماذا الاصرار على دونالد ترامب الذي لا يرى فينا كائنات بشرية , وعلى ابن الشاهنشاه الذي لم يكن أبوه يرى فينا أكثر من ظواهر داروينية أقرب ما تكون الى القردة ؟
أزمة جيوبوليتيكا ؟ محمد أركون كان رائعاً حين حذّر من \\\\\\\"البقاء في ...غرفة العدم\\\\\\\" .

 
 
تنشر بالاتفاق مع الكاتب ـ الصورة من الصفحة الشخصية للكاتب على الفيسبوك
قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الجمعة, 05 كانون2/يناير 2018 19:12
  • حجم الخط

البنود ذات الصلة (بواسطة علامة)

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية