(حليب أسود) لـ (أليف شفق): أيتها الكاتبات العربيات اقرأنها جيداً!

رواية (حليب أسود) للروائية التركية (أليف شفق) الصادرة مؤخراً مترجمةً إلى العربية عن دار (مسكيلياني) التونسية، عملٌ ساحر عن الصراع الذي يمكن أن تعيشه المرأة الكاتبة عندما تصطدم بمسألة الأمومة، ويتوجب عليها اختيار أحدهما، معيدةً سؤالاً عميقاً في التاريخ النسوي الإبداعي: ألا يمكن اختيارهما معاً؟

تسعى الكاتبة في عملها للإجابة عن هذا السؤال الصاعق ليقينياتها المسبقة الرافضة للزواج بالمطلق، تطرحه عليها فجأة روائية تركية شهيرة قررت فيما مضى إجابتها النافية للأمومة وتوحدها مع الكتابة، لتظهر أسئلة (عدالة أوغلو) التي طمرتها تحت جمر الكتابة راهنةً وحيةً رغم بلوغها شأناً كبيراً في عالم الرواية، في الوقت الذي يفتح السؤال الباب لاهتزاز (شفق) ويدخلنا معها عالمها الداخلي في صراع الإجابة على السؤال نفسه.

يتسلل الدور الأمومي إلى حياة ابنة مدينة (ستراسبورج) (مواليد 1971) المترحلة فوق حقيبة سفر نصف العام بين إسطنبول ولندن والمؤمنة بقدر العزلة للمبدعين، بعد رفض قاطع وبيان نسوي شديد اللهجة: (فالطريقة الوحيدة التي يمكنني الزواج بها هي أن أطلق الأدب)، ولكن هذا البيان كتب على ورقة التقطتها صاحبة (لقيطة إسطنبول) من رجل مختص ببيع أدوات ومتعلقات الأطفال والحوامل، هذه التقاطعات الحادة كثيراً ما تظهر في العمل موقفة اليقينات عند حدودها بسخرية وظفتها الكاتبة باقتدار في صراع شخصيات حريمها الداخلية.

ورغم وصف المؤلفة (الأكثر قراءة في تركيا حسب النقاد والأكثر مبيعاً) في تقديمها كتابها على أنه (مذكرات حميمية) عن (اكتئاب ما بعد الولادة) وأنه جاء بعيد أول ولادة لها في العام 2006، فإن هذا الوصف لا يشغل سوى صفحات قليلة في واحد من الفصول الأخيرة، ولكنه يبدو المدخل المناسب لمحاولة إيجاد معادلة ذهبية تنطبق على أغلب الكاتبات أو حتى عليهن جميعاً في صراع الأمومة والكتابة، ولكنـ كما تقول مبكراً في عملها (من الواضح أنه لا وجود لمثل تلك المعادلة)، وأن لكل كاتبة سيرتها الخاصة التي لا تتشابه مع غيرها.

ترجم الكتاب عن الإنكليزية المترجم السعودي (أحمد عبد السلام العلي) متجاهلاً عنوان الكتاب الفرعي (في الكتابة، الأمومة، والحريم الداخلي) ومكتفياً بالعنوان الرئيسي وكلمة (مذكرات)، ورغم أن العنوان الفرعي يحيل إلى مفاهيم مستوحاة من صورة (الحريم) النمطية في التفكير الغربي، إلا أن قراءة العمل تكشف عن استخدام جديد للمفهوم يخرجه من مفهومه النمطي الاستشراقي إلى توظيف روائي جديد استعملته الكاتبة كبوابة للدخول إلى تعقيدات الهوية المعاصرة التي تعيشها وتشابكها المكاني والزماني متواصلة وغير منغلقة على نفسها.

 تعترف الكاتبة أن في داخلها عدة هويات متصارعة، جيّرتها روائياً عبر إلباس كل هوية منها روح جنية صغيرة (عقلة الإصبع التي تذكر بعوالم قصص الأطفال)، سمتها كلها بالحريم الداخلي (Harem within) معلنة عن ظهورهن في موقف لا تحسد عليه بعيد طرح (أوغلو) السؤال عليها (في الحمام)، وعلى هذا الصراع الداخلي تبني الكاتبة خطين متوازيين لعملها: صراعها مع حريمها ومن ثم شفاؤها والثاني سرد مكثف احتل أكثر من نصف الكتاب لقصص كاتبات تعرضن لموقفها نفسه مع اختلاف إجابات كل منهن.

تعترف صاحبة (شرف) و(المعماري) الحاصلة على عدة جوائز عالمية عن عديد أعمالها، أنها تعيش تناقضات الهوية المعاصرة إنسانياً دون كثير فزع، فالهوية فعل تراكمي متغير وليست يقيناً مؤسساً على بنى أولية بالولادة، فهي قد عاشت دون أب، وتجد هذه الصورة المعولمة للهوية طريقها في شخصيات حريمها الأساسية اللواتي يقضين مضجعها ليل نهار.

تحاول (الآنسة العملية الصغيرة) إقناعها أنه في عصر العولمة فإن كل كاتبة ناجحة هي (مهراجا) ولا شيء يمنعها أن تكون (ماما) ناجحة أيضاً، وفي الوقت الذي تقوم فيه (التشيخوفية الطموحة) بالتعاون مع الحريم الأخريات بانقلاب عسكري داخلها مصرة على أن ما يليق بها الكتابة، والكتابة فقط (فعلينا أن نصبح خالدين) ولا وقت للأمومة، تزيد (الآنسة المثقفة الساخرة) وهي صورة المثقف في لا يقينياته الأبدية الاكتئاب، أما (الدرويشة) التي تعيش شرقاً (وفي ذلك دلالة واضحة) فإنها تُعتقل ولكنها تسامح معتقليها وتكون نقطة البداية في إحلال السلام الداخلي في هذا الصراع.

تلك الأجزاء وغيرها تشكل الصورة الكاملة للهوية الإنسانية ولا تقتصر فقط على (شفق) لكنها التعددية البناءة، لذلك ينتهي الانقلاب العسكري بعد تجربة ديكتاتورية مع حكم (الدرويشة) إلى نتيجة مهمة: لا يمكننا الفكاك من التعددية ولكن علينا عيشها وحدة في تعدد مفتوح بلغة الصوفيين، تلك هي الطريقة لبناء كل فرد لطريق خلاصه.

عبر هذا الصراع الداخلي تستعرض الكاتبة عشرات التجارب النسوية في الكتابة مطلقة من جديد أسئلة الأمومة والمرأة والإبداع من لحظة التساؤل الذي طرحته (فرجينيا وولف): ماذا لو كان لشكسبير أخت موهوبة مثله، أكانت ستلقى نفس الاهتمام أم ستدفن موهبتها كما كثيرات مثلها حول العالم؟ لقد كانت مذكرات صاحبة (غرفة للمرء وحده) (مليئة بالاعتراضات على خدمها الكثر).

تسحب شفق السؤال إلى الشرق الأوسط والأقصى لتقدم سؤالاً مشابهاً عن الشاعر البغدادي وأخته الافتراضية (فيروز)، ولتخلص إلى استمرارية أسئلة (وولف) في (أن العالم لم يتقدم كثيراً في هذا الشأن أو لم يتقدم إلى القدر الذي يبدو عليه فالكاتبات هن إناث أولاً ثم كاتبات).

تحفل الرواية بكثير من المفاصل والانعطافات والمعلومات المكثفة التي جمعتها الكاتبة وصبتها بأسلوبها الحداثوي المريح للقارئ والمتشابك معه في رحلة الذكريات التي تمتد قرابة العامين، وهي دون شك جديدة على قراء العربية الذين لم يعهدوا هذا الموضوع الروائي لدى كاتباتنا اللواتي بقين حتى اليوم وفي كثير من أعمالهن من ألد أعداء نسويتهن وبني جنسهن أيضاً، والنماذج عديدة.

تأخرت رواية (أليف شفق) (شافاق أو شفاق أو شافاك بترجمات أخرى) في الوصول إلى العربية حوالي العقد تقريباً، رغم طباعتها عدة طبعات إنكليزية (آخرها 2015) وتركية منذ صدورها للمرة الأولى العام 2007 عن دار بنجوين، وخلافاً لأعمال الكاتبة الأخرى التي ترجمت بعد وقت قصير من صدورها في طبعات دولية وقرصنت فور نشرها، فإن هذا العمل بقي حتى الآن متوافراً في السوق بنسخته الأصلية.

 

تغلق أليف عملها بنهايات سعيدة، شهرزاد في الأربعين من عمرها تقدم ألف ليلتها الجديدة متحررة من ثقل الحكي والمشافهة ومستحضرة عوالمها الغرائبية إلى رحابة الحداثة واللغة وتأنيثهما معاً بما يليق بصاحبة (قواعد العشق الأربعين) (2010)، ليست الأنوثة تهمة يجب الفكاك منها، كما الأمومة، كما الكتابة، فالنساء هن الأقدر بتعبير (شفق) على الوفاء لمتطلبات الحكاية.

قيم الموضوع
(0 أصوات)
كمال شاهين

كاتب وأعلامي سوري، رئيس تحرير الموقع

الموقع : www.halalbalad.com

بما أنو

حال البلد..موقع ثقافي سياسي سوري يعنى بقضايا التنوير وتأصيل العقلانية، إلى جانب اهتماماته المتواصلة بكل القضايا التي يعيشها العالم العربي، يرحب الموقع بكل الاصدقاء والكتاب الراغبين بالكتابة اليه وبالتواصل معهم ولأجلهم في كل مكان

نشرتنا البريدية