سوريا والمد الديني المتعصب!

كثيرةٌ هي المظاهر والمؤشرات والارتدادات الدينية،الرسمية والشعبية، التي تؤكد على أن "الدولة السورية" باتت اليوم أكثر إسلامية وتديناً عما كانت عليه قبل حكم البعث لها   .حتى بات البعض يشكك بقدرة نظامها   " النصف علماني" الصمود طويلاً في وجه "المد الإسلامي المتشدد" الكامن في قاع المجتمع السوري. والأوساط العلمانية تخشى خسارتها ما تبقى في مجتمعها من ثقافة مدنية وتقاليد ليبرالية.


في إطار هذه المخاوف جاءت التحذيرات التي أطلقتها الدكتورة "بثينة شعبان"، المستشارة السياسية والإعلامية في رئاسة الجمهورية السورية، من المد الديني المتعصب، خلال اجتماع لها مع فرع حزب البعث العربي الاشتراكي بدمشق في نهاية كانون الأول الماضي،حيث قالت: "نحن أمام تحد كبير…هناك مد ديني متعصب في البلد حقيقة، ويجب علينا أن نفهم أن هذا المد هو نتيجة فشلنا وليس نتيجة نشاط الآخرين لأنه حين يوجد الفراغ السياسي فلا بد للآخرين أن يملأوا هذا الفراغ".لا ندري فيما اذا كانت السيدة المستشارة قد اقترحت على الرفاق البعثيين خطط وبرامج ثقافية وتربوية معينة للحد من استفحال ظاهرة "التعصب الديني".
قد يشكك البعض في الأسباب والأهداف الحقيقة من اثارة قضية "الاسلام المتشدد"في سوريا وفي هذه المرحلة تحديداً.ويضع القضية في اطار بحث السلطة عن ذرائع جديدة،داخلية هذه المرة بعد أن سقطت ذريعة الضغوط الخارجية،لتبرر استمرارها في تشديد قبضتها الأمنية على المجتمع السياسي وعلى الحراك الديمقراطي المعارض في البلاد،من جهة أولى.ولتبرر مزيد من التأجيل والتأخير في انجاز الاصلاحات السياسية والادارية والاقتصادية المنتظرة والتي تم الحديث عنها منذ بداية العهد الجديد،من جهة ثانية. لكن اعتراف السيدة المستشارة بفشل البعثيين في تحصين المجتمع السوري ، ثقافياً وفكرياً،وتوجيه اللوم لهم عن تنامي ظاهرة المد الديني المتعصب واعتباره تحد كبير، لا يجب النظر إليه على أنه مجرد حديث عابر، أو مناورة سياسية جديدة من الحكم. فرغم نجاح النظام البعثي في سحق حركة "الأخوان المسلمين" وتفكيك بنيتها التنظيمية ، في ثمانينات القرن الماضي، ونجاحه حتى الآن والى حد كبير في ترويض الإسلاميين المحافظين،يبدو أن "التطرف الإسلامي"، المتخفي خلف الخطاب الديني، عاد ليشكل من جديد هاجساً للنظام،بعد اطمئنانه الى حالة "المعارضة الوطنية الديمقراطية"التي زج بغالبية رموزها وناشطيها في السجون وبات نضالها يقتصر على إصدار بيانات الإدانة والاستنكار لانتهاكات حقوق الإنسان السوري.في السياق نفسه، يُرجح العارفين والمهتمين بالشأن السوري بأن ثمة دور للسلطات السورية في خروج آلاف السوريين في دمشق للتظاهر في شباط 2006 احتجاجاً على الرسوم الدانمركية المسيئة للإسلام.بصرف النظر عن شكوك البعض وعن هدف السلطات من تلك المظاهرة الصاخبة،وجد الإسلاميون فيها فرصتهم للخروج الى الشارع وإطلاق شعاراتهم السياسية والدينية ولإبراز قوتهم،حيث أقدموا على اقتحام واحراق السفارة الدانمركية ورفع فوقها العلم السعودي المطرز بـ" لا اله الا الله محمد رسول الله".لا شك،أن غلبة العنصر الإسلامي المتشدد على ذاك المشهد الاحتجاجي الدمشقي أثار حفيظة وحساسية النظام البعثي.
طبعاً،للتشدد الإسلامي جذوره الاجتماعية والفكرية والسياسية.وظاهرة المد الديني المتعصب في سوريا ليست معزولة عن "الصحوة الإسلامية" التي تشهدها المنطقة، والتي تبدو في بعض أوجهها شكل من أشكال الاحتجاج السياسي على الأوضاع السائدة في المجتمعات والدول العربية والإسلامية.في هذا يقول "سيث ويكاس"، الباحث الأمريكي في معهد واشنطون لسياسة الشرق الأوسط: "مع تراجع القومية العربية وصعود الإسلام في المنطقة ليس السوريون استثناءاً عندما ينظرون الى الإسلام على أنه الإيديولوجية الملائمة الوحيدة التي بقيت…".من هذا المنظور السياسي والفكري لظاهرة "التشدد الإسلامي" أرى أن تحصين المجتمع في وجه الأفكار المتطرفة والتعصب بأشكاله المختلفة يتطلب خطط وبرامج تربوية وثقافية وطنية وإيجاد بيئة قانونية وتشريعية تعزز الحريات الشخصية وتكرس ثقافة التسامح ومفاهيم التعددية وتجذر قيم الحداثة والعلمانية والتقاليد الليبرالية في الحياة العامة،التي تراجعت لا بل كادت أن تتلاشى من المجتمع السوري بسبب هيمنة ثقافة الحزب الواحد وتقنين الحريات السياسية و الفكرية والثقافية والإعلامية في البلاد. وما "الفراغ السياسي" الذي أشارت اليه السيدة المستشارة"بثينة شعبان" والذي وجدت فيه سبباً للمد الديني المتعصب في البلد، الا حصيلة عقود طويلة من تدجين الفكر والثقافة الوطنية في سوريا ليتوافقا مع طبيعة النظام القومي الشمولي القائم.هذا الوضع، المنافي لطبيعة الدولة المدنية والحداثة والديمقراطية، أفاد كثيراً الإسلاميين،أنصار "حزب الجامع"، الحزب المتمتع بحصانة إلهية،تبقى منابره مفتوحة،اذ لا قدرة لأية سلطة على إغلاقها. ففي الوقت الذي تحاصر الحكومة نشاط العلمانيين والليبراليين ومنظمات المجتمع المدني المستقلة والخارجة عن سلطتها، نجدها تتجاوب مع طلبات القوى والمرجعيات الإسلامية المحافظة، المعادية للحداثة وللحريات الشخصية والفكرية والثقافية.بضغط من هذه المرجعيات،تم إغلاق بعض دور النشر التي تترجم وتنشر كتب تنتقد بعض المظاهر والتقاليد والممارسات الإسلامية التي لم تعد تناسب العصر وتكرس الموروث الاجتماعي المتخلف في المجتمع.

أغلقت دار "ايتانا" في كانون الثاني 2006 بعد ترجمتها ونشرها للكتاب الإيراني "دعونا نخلع الحجاب". ومؤخراً تم إلغاء "الدورة الثانية" من مؤتمر "العلمانية في المشرق العربي" الذي كان من المقرر أن ينعقد في شهر شباط الفائت في جامعة دمشق وبمشاركة عدد من المفكرين السوريين والعرب والأتراك والدنمركيين. كما أن الحكومات السورية،وهي حكومات بعثية، ساهمت وتساهم، بطرق وأشكال مختلفة وعبر مؤسساتها الثقافية والتربوية والاجتماعية والإعلامية والقضائية وقوانين الأحوال الشخصية، في تعزيز الأصولية الإسلامية ونشر فكرها المتشدد في المجتمع السوري.فما يدرس في المدارس السورية وفي مختلف مراحل التعليم لا يمت إلى الثقافة الوطنية السورية والمدنية بشيء. فهي ثقافة "إسلامية طائفية" بامتياز، تحديداً ما تحتويه مقررات التاريخ وكتب اللغة العربية، المليئة بالآيات القرآنية والنصوص الإسلامية.



الكاتب سليمان يوسف كاتب سوري مهتم بقضايا الأقليات

 

أنت الآن هنا