منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية في تونس والتي اكتست لاحقا اسم الثورة والتي أطاحت بالرئيس التونسي وصولا لأحداث مصر ولاحقا ليبيا واليمن والبحرين وعمان والأردن والسعودية وصولا إلى سوريا وأحداثها , كادت مواقع النت ومواقع التواصل الاجتماعي ( الافتراضية ) تفيض بما كتب ولا يزال , فالعديد من الناس بدأ بالمثقفين الكبار منهم والصغار وصولا لشرائح شبابية أسعفها حظها من التعلم في القدرة على استخدام الكومبيوتر والتعامل مع الشبكة العنكبوتية أدلو بدلوهم وعبروا عن ما في نفوسهم إزاء هذه الأحداث بتفاعلات مختلفة وهذا في عصر النت والسرعة صار في متناول الجمي
ع ورغم أن الكثيرين تناولوا الموضوعات المطروحة بالتحليل والسرد وكثيرا من الأحيان بنبرة فيها الكثير من محاولات الفهم والتصويب إلا أن قسما أعظميا تناولها بنبرة فيها من الحماس والشعرية والاندفاع أكثر بكثير مما فيها من النظرة التحليلية والنقدية وهذا لا ينطبق فقط على شريحة الشباب والذي يشكل الاندفاع والحماس والتسرع والتهاب المشاعر مكونا أساسيا من طبيعته الشبابية بل طال حتى شرائح واسعة من المثقفين والذين يفترض أن مخزونهم المعرفي والثقافي والتاريخي ممتلئ بأحداث بعضها ليس بعيدا زمنيا عنهم ولا مكانيا.
قد يكون الحديث العقلاني والنقدي في بعض الأحيان التي يغلب عليها الطابع العاطفي شيئا مقيتا وقد يجر على صاحبه تهما كثيرة أدمناها نحن المنضويين تحت الثقافة العربية ليس أقلها التخوين وعداء الشعوب فمن كان يجرؤ مثلا في زمن عبد الناصر على اتهام الجماهير المصرية التي نزلت إلى الشارع تطالبه بالعدول عن قرار التنحي عن منصبه أن يصف تلك الجماهير بقلة الوعي وذلك انطلاقا من قراءة عقلانية ونقدية ومن كان يجرؤ على المجاهرة بصوت عالي قبيل الوحدة بين مصر وسوريا بأنه يتحفظ على إجراءات الوحدة ومفاعيلها اللاحقة وذلك انطلاقا من تفهم للوضع التاريخي الاجتماعي والسياسي و الاقتصادي لكل من البلدين ومن تجرئ على تأييد مقترح الحبيب بورقيبة بشأن القضية الفلسطينية حين اعتبرته الحركات العربية الشعبية ومثقفيها وقادتها محض خيانة ومن تجرئ على نقد تجربة الكفاح المسلح الفلسطيني وإخفاقها في بيروت وقبله في عمان ومراجعتها مراجعة عقلانية ونقدية والأمثلة كثيرة في تاريخنا العربي المعاصر تلك الأمثلة إن دلت على شيء إنما تدلل على غياب العقلية النقدية المتفهمة والواعية لحركة التاريخ والشعوب تلك العقلية التي تستخلص الدروس والعبر وتفيد من نكسات سابقة لدرء مطبات قادمة .
ومن باب التعقل والنظرة النقدية أريد أن أطرح جملة من التساؤلات للحدث الذي نمر به الآن وللتاريخ الذي سوف يأتي وثالثا للأصدقاء المثقفين منهم تحديدا مهما كان موقفهم أتمنى أن يتناولوها بصدر رحب وقبله بعقل منفتح ومتفهم كي نفهم جميعا.
1- هل يمكن تسمية ما حدث ويحدث في مختلف البلدان العربية ثورة شعبية بمعناه التقليدي أو أنه ثورة غير تقليدية لم نعتدها من قبل لها محددات مختلفة ومن ثمة ما هي محدداتها إن كانت كذلك ؟
2- ما هي الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تعتمل في الواقع العربي ؟ وهل نضجت هذه الظروف لتنتج ثورة شعبية بناءة أوليس للثورات ظروف تنطلق من رحمها ومسارات تحدد أفقها؟!
3- هل أنجز المجتمع العربي ثورته الثقافية والمعرفية والنقدية للمحتوى التراثي الخاص به ؟ والذي يشكل شرطا مبدئيا لبناء الديمقراطية المعرفية قبل السياسية.
4- ما هو دور الخارج (الأمريكي والغرب الصناعي ) فيما يجري في منطقتنا بمعنى أخر هل ثمة غياب للقوى العالمية وعلى رأسها أمريكا عن ما يجري في المنطقة العربية ؟! وإن كان ثمة غياب فما هو السبب وهل غابت مصالح هذه القوى من المنطقة العربية وإن كان ثمة حضور خفي أو غير خفي فما هو حجمه وما هو شكله وأهدافه؟
5- ألم تدعم الأنظمة الغربية وعلى رأسها الامبريالية الأمريكية معظم الأنظمة العربية الاستبدادية إن لم أقل ساهمت بشكل رئيسي عبر أجهزة استخباراتها في وصول الكثير من المستبدين لسدة الحكم ألا يعلم من يقرأ التاريخ جيدا علم اليقين أن هذه القوى دعمت أكثر النظم الفكرية سلفية ورجعية قاطعة على هذه الشعوب إمكانية التطور الطبيعي نحو مفاهيم أدركها العالم من قبيل حقوق الإنسان والديمقراطية وعن طريق الأنظمة الاستبدادية الفاسدة والتابعة للخارج والتي لا تمتلك أي مشروع وطني قطعت على هذه الشعوب طرق التنمية البشرية والاقتصادية وهل المطلوب الآن منا أن نصدق أن هذه الأنظمة الغربية نفسها تقف في وجه المستبدين ومع الشعوب المتعبة والمضطهدة لسواد عيونها.
6- ما هي المتغيرات الاقتصادية التي تتفاعل في العالم ككل والتي لابد ستشمل الجزء العربي منه مغيرة مفاهيم ليست اقتصادية فحسب بل سياسية وفكرية, ومن ثم من يقود هذه التغيرات ولمصلحة من وكيف ستفرض هذه التغيرات على من يقوم بها تغيير لهجته السياسية وبرامجه.
7- ما هو دور وسائل الإعلام العربية منها والعالمية ومواقع التواصل الاجتماعي في ما يحدث وهل يقتصر على نقل صورة الأحداث أم لها كما يدعي البعض دور تحريضي إعلامي كبير ولمصلحة من تقوم بهذا الدور ومن يمتلك هذه الوسائل بالضرورة لا سيما أننا جميعا نعلم الدور التعتيمي الذي كانت تقوم به قبل بضعة سنوات لقضايا تمس كرامة وحرية الإنسان العربي.
8- ما الذي استجد في العالم العربي وكان غير موجود قبل عشر سنوات مثلا حتى قامت هذه الثورات الآن ؟!
9- هل تمتلك هذه الشعوب الإمكانيات الثورية والمعرفية منها لتحدث التغيير بمعزل أو رغم أنف الخارج وهل تمتلك الشعوب العربية ما يكفي من أسلحة سياسية ومعرفية ومناعة ثقافية واجتماعية لتحمي ثورتها.
10- هل تكفي قمعية النظم المستبدة وطغيانها لتكون سببا يجعلنا نصدق كل ما يتم رميه من مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي ( الافتراضية ) ونحن المهندسون التقنيون نعرف قبل غيرنا مقدرات برمجيات الصوت والصورة الحديثة وأنا هنا لا أكذب هذه المقاطع أو أنفي صدقها بل أدعو للتدقيق على قاعدة كل شيء في هذا العالم الافتراضي قابل للتكذيب بقدر ما هو قابل للتصديق , ألا يكمن للثورات الافتراضية على الفيسبوك واليوتيوب أن تقودنا لبناء أوطان افتراضية أيضا وحسابات مصرفية افتراضية وأخيرا حريات افتراضية؟.
11- كإنسان يدعو للإصلاح منذ زمن يتجاوز عمر شباب الفيسبوك ويعاني من أنظمة القمع الاستبدادية أشد المعاناة ما الذي يضمن لي عدم تعرضي لنفس الفساد والقمع في ظل نجاح الثورات سيما أن هذه الثورات افتراضية وليس لها موجه أو دليل أو برنامج سياسي إضافة لذلك ضبابيتها بإضافة الأسئلة (السابق والتي تحتاج لإجابات صريحة ).
12- هل حرية المجتمعات والشعوب العربية مرهونة بزوال النظم الاستبدادية السياسية فحسب ( على أهمية ذلك)
أم أن الموضوع مرهون بثورة معرفية وعقلية ناقدة وليست ناقضة للتراث لم تنجز بعد وليس انطلاق هذه الثورة مرتبط فقط بزوال الأنظمة ونحن لا نعيش في عالم معزول فهل يعتقد أحد ما أن النظم الغربية
( الخارج) سيسمح بذلك وهو يعرف تماما أن الانعتاق للحرية مرهون بالشرط الثقافي والمعرفي بقدر ما هو مرهون بالشرط الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وهنا أستطرد فأطرح سؤالا مهما وهو من وقف في وراء الكواليس داعما الحركات الإسلامية السلفية في معاداة مشروع الإصلاح الديني العربي ولماذا؟
13- من هي الجهة التي قدمت تطمينات للدولة المصطنعة إسرائيل بأن أمنها لن يتأثر برحيل مبارك هل هي الثورة؟ ومن هي الجهة التي سوف تقدم لها هذه الضمانات بأن شيئ لن يتغير إذا ما حدث تغيير في طبيعة النظام في سوريا؟!
أخيرا وليس أخرا أبدا أنا أتفهم الاندفاع الحماسي لدى شريحة واسعة من المثقفين والمناضلين الذين عانوا ماعانوه من قبضة الاستبداد وفي سجونه باتجاه تأييد الثورات العربية الافتراضية في كثير من الأحيان لا يحيط بتفاصيل المسألة المطروحة أمامنا فإذا كنا جميعا متفقين على ثقل ووطأة الأنظمة الاستبدادية الأمنية ( كأنظمة وليس كأشخاص فقط ) فنحن قد نختلف معهم في رؤية الواقع العربي الثقافي والمعرفي ومدى حصانة هذا الواقع وممانعته لاستحداث نظم استبدادية جديدة تتولد من رحم البنية الثقافية والمعرفية العربية التي لم تتطور حقيقة منذ وأد مشروع النهضة أواخر وبداية القرن العشرين ومنذ سحقت الأنظمة الديكتاتورية الحركات القومية واليسارية والتي رغم قصورها كانت أكثر قدرة على السير ولو خطوات نحو مشروع المجتمع المدني ,كما أننا نختلف معهم في التعامي أو محاولة التعامي عن دور نظام العولمة فيما يحدث في العالم العربي ككل.
لا تلام الشعوب على ثوراتها وانتفاضاتها ومطالبتها بالحرية ولا تنتقد بل ترفع لها القبعات وتشجع فالحرية مطلب كل إنسان يشعر بإنسانيته الحقيقية هي قبل الطعام والشراب هي أسمى ما يمكن للإنسان امتلاكه وأغلى ما يمكن أن يسلب منه ولكن حين ننتقل من مرحلة المطالبة بالحرية والحصول عليها (جزئيا ) برحيل الديكتاتور وندخل في مرحلة الحفاظ على حريتنا وتحصينها ضد من يريد استلابها منا مرة أخرى وهذا يعني على أرض الواقع بناء الوطن الحر والمنيع عندها وقبلها نكون مطالبين بأكثر بكثير من التشجيع ورفع القبعات نحن مطالبين بالعمل والتفكير البنائين والمحاكمة العقلانية لكل خطوة نخطها نحو المستقبل قبل أن ندخل في طور الشعوب المستغنى عنها .
الكاتب حيان أبو علي كاتب سوري