|
|
|
سكن أم أعشاش أم ماذا ؟؟ - صور: حال البلد |
قيل الكثير من الكلام وسفحت آلاف قناني الحبر العادية والالكترونية للحديث والكتابة حول السكن العشوائي في سوريا ، وكتبت الصحف الحكومية مثلما كتبت مواقع الانترنت والبلوغات المغلق أغلبها ، ولكن هذا كله لم يفد في جعل الحكومة تفيق من غفوتها التاريخية في التخطيط لهذا الموضوع حتى وقت متأخر هذا العام ، وكان قد سبقها في الاستيقاظ جهد لافت قام به المكتب المركزي للإحصاء في تقرير أصدره في الشهر الرابع لعام 2007 تبين له فيه العجب العجاب وكأن هذه الحكومة غير مسؤولة عن التخطيط لهذا البلد و تعمل من عالم آخر ومن ثم تتباهى بأنها حققت أعلى النسب الإنتاجية و التنفيذية والتخطيطية كاملة في أغلب الحالات .
|
|
الأرقام المرعبة حقاً لتقرير المكتب المركزي للإحصاء لم تمنع من استمرار المخالفات في البناء وعبر سورية كلها وبشكل أسوأ من ذي قبل . وللحظة كتابة هذا المقال يمكن وبقليل من المعارف بناء بناءٍ مخالف في مكان ما في سورية ، ولكن هذه المرة بأسعار أعلى مضاعفة بسبب منع البناء المخالف .
كيف تدفع حكومة بشعبها إلى ارتكاب مخالفة علناً ثم تعود لتحاسبه عليها فتجبره على دفع تعويضات المخالفة و بشكل يثير آلاف الأسئلة الملغومة عن طريقة عمل الحكومة ووزاراتها ؟؟ كيف تسمح حكومة لبلدياتها ومحافظاتها وقراها بتخريب بصري وجمالي لبلد بحجة حل أزمة السكن بطريقة عثمانية ؟؟ أين هي قدرة الحكومة على الضبط والتخطيط والردع ومن ثم التوجيه؟؟ كثير من الأسئلة لم ولن تجد لها إجابة في ظل غياب حقيقي للتخطيط والبناء الحقيقي الاستيتراتيجي وأمثلته أكثر من أن تحصى .
في لغة الأرقام نصف سكن سوريا مخالف !
و /45/ بالمئة من سكان دمشق وحدها يعيشون في المخالفات !
و /35/ % مثلهم في حلب و/42/ % في حمص وقس عليه على امتداد الوطن .
والحصيلة ؟؟
|
|
في السكن العشوائي : الكل خاسر !
الشقيق الأكبر : خزينة الدولة خسرت خسارة مضاعفة تتضح أولياً في عدم استيفاء رسوم الترخيص الواجبة سواء كرسوم للبلديات أو كرسوم لنقابة المهندسين أو الكهرباء والمياه والاتصالات أو للدولة ككل ، وتوجيه المبالغ المدفوعة لصالح قنوات فساد غير خافية على أحد وعلى سبيل المثال فقد تم تسعير الرسوم على الشقة المتوسطة الحجم بمائة ألف ليرة سورية وهذه المبالغ غير القليلة وغير السهلة على المواطن السوري تبتعد عن الخزينة العزيزة وتتجه إلى مطارح طبقة جديدة من العاملين في قطاع الدولة ليحقق هؤلاء خلال فترة قصيرة مالم يحققوه ولن يحققوه خلال حياتهم أجمعين. هذا عدا طبعاً عن الآثار البيئية والاقتصادية لمواضيع شق الطرقات والمياه والكهرباء والهاتف وغيرها .
في التفاصيل الهندسية للمخالفات :
أما النقابات الهندسية والعمالية والخدمية والفنية فقد وقفت تتفرج خلال تلك المرحلة وكأن القضية لا تعنيها بالمطلق ! وعلى رأس هذه النقابات نقابة المهندسين بكل فروعها وقد اكتفت بعض الفروع بإرسال مهندس من قفا يدها ليدرس (!) طبوغرافيا الأمكنة وإن كانت صالحة للبناء أم لا ، وسلفاً هي صالحة للبناء .
في زمن مضى كانت البلديات تقدم للمواطن الذي يرغب بالبناء على أرض غير محددة الوضع كأن تكون زراعية أو مشاع أو غير ذلك، رخصة مؤقتة تعامل معاملة الرخصة النظامية يتعهد فيها المواطن بعدم المطالبة بأي حقوق لقاء أي تغيير يطرأ على المنطقة التي يبني فيها بما فيها احتمال إزالة البيت ذاته ، هذا الأمر كان يتيح عدة أمور منها المعرفة المسبقة للبلدية بنيات المواطن وموقع البناء و وضع المياه والكهرباء وغيرها من التفاصيل الضرورية ).
في التفاصيل الهندسية لأي بناء يجب الركون بالمطلق إلى قرار أو رأي المهندس المسؤول عن الترخيص الذي يقدمه بعد دراسة هندسية تتضمن جميع التفاصيل الهندسية بدءاً من طبيعة التربة و المساحة المطلوبة وعدد الطوابق و كمية ونوعية مواد البناء وأماكن توصيل وتركيب المياه والكهرباء وغيرها من عديد التفاصيل التي تعد مرجعاً في أي مشروع بناء قد يطلب تنفيذه .
أما في الهجمة الأخيرة فلم يعرف الصالح من الطالح ، كان هناك صراع حقيقي وسباق لبناء أكبر عدد ممكن من الأبنية وبسرعة قياسية تستحق الدخول في سجل غينيس للمخالفات السكنية وكنموذج فإن أي بناء يبنى وتصب بلاطته يجب وفق القوانين الهندسية أن يتعرض لتعتيق يعرفه جيداً معلمو الباطون يتجسد في ترك القالب الخشبي مع الباطون المصبوب عليه لمدة لا تقل عن عشرة أيام بالحد الأدنى مدعماً و معرضاً للتعتيق كي تأخذ إجهادات البناء حدها في الاستطالة و التمدد الأفقي و العمودي تبعاً لظروف الطقس .
ما الذي كان يحدث ؟؟
كان السطح أو البلاطة يصب وفي اليوم التالي أو الذي بعده على الأكثر يفك القالب و اليومين الاستراحة هما لإكمال بقية التفاصيل من عمار بلوك و تلبيس خارجي والكثير غيره وعلى أن ينتقل إلى الطابق الأعلى بعد أسبوع على الأكثر ويسكن الطابق المنشأ فور انتهاء أعمال التشطيب منعاً ودفعاً لجرافات البلدية في حال حدوث تغيير لا سمح الله في اللجان الفنية المسؤولة .
أما الأماكن التي بنيت فيها الأبنية المخالفة فلم تخضع لأي معيار لا فني ولا اجتماعي ولا جيولوجي ، وعلى البند الجيولوجي دعونا نتوقف ونتخيل السيناريو التالي لمنطقة مخالفات شهيرة في دمشق تمتد من مشفى تشرين حتى مزة 86 مروراً بعش الورور وبرزة والشيخ محي الدين وركن الدين والمهاجرين فهذه المنطقة يمتد تحتها ما يسمى بنطاق التكهف تحت سطحي وهو عبارة عن مغاور وكهوف تشكلت من انحلال طبقات الكلس الغضاري حيث شيدت فوق هذه المنطقة الكثير من المباني وهذه الحقيقة قدمتها دراسة جيولوجية ألمحت إليها جريدة الثورة الحكومية بتاريخ 17/4/2007 ، أشارت فيها إلى أن طول هذه المنطقة عشرة كيلومترات بعرض 20 - 30 متراً . ومما سيزيد هذا الانحلال الكلسي تغير منسوب المياه الجوفية هبوطاً بسبب استنزاف هذه المياه في الآبار وفي الصرف الصحي وبالتالي فهذه هي الحقيقة المرة : إن أول زلزال يتجاوز بمقياس ريختر شدته الدرجات الثلاث وهي شدة أقل من متوسطة سوف تخلق في هذه المناطق كارثة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى . وقس على هذه المنطقة عدة مناطق أخرى في سوريا غير المستقرة زلزاليا كما هو حال دمشق واللاذقية التي بنيت مخالفاتها في مناطق شهيرة تاريخياً بزلازلها ( راجع تقرير اللاذقية في الملف ) واللاذقية وطرطوس وجزء من حمص تقع على خط الفالق الزلزالي الممتد من ميناء العقبة حتى خليج الاسكندر ون السوري (انظر الصور في معرض الصور).
ألم يكن من الممكن لا بل من الضروري أصلاً أن نفعل كما تفعل كل بلدان العالم وهذه مهمة التخطيط بكل جهاته في كل الوزارات فنقوم بوضع مخطط طبوغرافي وطني يشمل سورية كلها بكل تفاصيلها العمرانية و الاقتصادية الآن وغدا وبعد غد ؟؟ أين مخططاتنا للتوسع العمراني حتى الخمسين سنة القادمة ؟؟ هل هذه مهمة عسيرة لمهندسينا الأشاوس المعماريين والكهربائيين والمدنيين و بقية الشباب الطيبة !؟؟ وبدون الدخول في دوغما الكلام فهذه المهمة الطبوغرافية قد استطالت حتى اضطرنا الأمر للرجوع إلى الخرائط الفرنسية المصورة في مطلع القرن في وضع مخططات المدن التنظيمية كما حدث في مخطط مدينة حلب مثلا لا حصراً ؟؟؟ كيف نفسر مثلاً أن مخطط مدينة صغيرة عملياً مثل اللاذقية يحتاج إلى عشرين عاماً حتى يقر وحين يحدث الأمر تكون النتيجة وبالاً هندسياً أقل ما يقال فيه إنه من عمل هواة لا يفهمون في التخطيط العمراني ويخططون لمدينة لا تضم في جنباتها سوى الأشباح : /36/ مدرسة زرعت في منطقة واحدة لا تزيد مساحتها عن 4 كم مربع !
هناك عينات كثيرة من عدة مخططات تنظيمية سورية تقشعر لها الأبدان الهندسية وغير الهندسية ففي إحدى القرى في السويداء ارتأى مهندسو التخطيط أن يكون التوسع العمراني باتجاه غابة الأشجار التي تحيط بالقرية والتي عمرها لا يقل عن مئة سنة بدل التفكير بالبناء الطابقي مثلاً ! وعند البحث عن السبب لن تجد سوى اللامسؤولية وقصر النظر الهندسي في العمل و الابتعاد عن عقلية الفريق عدا عن غياب الرؤية المستقبلية في العمل وكثير غيره ليس مجاله هاهنا.
وهناك في الوقت عينه قلة من المخططات التي تستحق الثناء كالمخطط الشاطئي لمدينة طرطوس التي تحول شاطئها إلى مشهد عمراني وجمالي كان فعلاً متميزاً هندسيا بمراعاته لمفهوم الشاطئ العمراني ولحاجة الناس وللسياحة .
للسكن أم للتجارة ؟؟؟
أما الأسطورة الأكبر في السكن المخالف فكانت أن البناء للسكن وهذه ثالثة الأثافي فجزء كبير منها لم يكن لغاية السكن ولكن لأجل المتاجرة في أكثر من /80/ بالمئة من الحالات ، وهي النقطة التي غفل عنها تقرير المكتب المركزي للإحصاء أن لمن تعود ملكية هذه الشبه منازل ؟؟ نستطيع أن نسرد حالات وحالات كثيرة تؤكد استمرار أزمة السكن والدليل الأوضح أن هناك الآن في سوريا أكثر من 1.2 مليون بناء سكني نصفها إن لم يكن أكثر فارغ ،وهناك حتى الآن عدد مماثل من طالبي السكن ، وهذه من تصريحات الصحافة المحلية السورية ، عدا طبعاً عن الارتفاع غير المبرر في أسعار المباني والبيوت إلى درجة وصلت بالبعض إلى المقارنات المتخيلة بين أسعار دمشق و أسعار باريس فسعر المتر في دمشق في منطقة عادية بلغ ما يعادله في مناطق فخمة في باريس ، وكذلك مثلاً بلغ سعر متر البناء المربع المخالف في محيط المدن ما يعادل وسطياً العشرة آلاف ليرة سورية (200 دولار ) أي يبلغ سعر الشقة المتوسطة المساحة (100م) مبلغ (مليون ل.س) وهو رقم مرة أخرى ليس في متناول كثير من راغبي السكن في سوريا.
أدت الأبنية المخالفة إلى ارتفاع أسعار البناء عكس المطلوب عدا طبعاً عن تزامن هذا الارتفاع مع الانخفاض في أسعار السوق العالمية للبناء وفي مواد البناء ، هكذا عكس سير الأمور ارتفعت الأسعار ولن ولم تنزل حتى الآن .
وبعد ؟؟
التشويه البصري الكبير : أين جلق وأين قاسيون ؟؟
في زيارتي الأخيرة إلى دمشق اضطرتني الظروف إلى الالتجاء في غرفة صغيرة في المزة فيلات بجوار المزة /86/ ،كانت الغرفة بالأصل حديقة للبناية وعمرت على النمط الباروكي ! وتحولت إلى غرفة للعابرين في ليل دمشق الجميل ، كانت المفاجأة لي أني وبعد غربة طويلة عن دمشق لم أجد دمشق الحلم ووجدت دمشق الأدعية والجوامع والأبنية المخالفة !
المشهد البصري الدمشقي من جبل قاسيون يحتاج قدرة قادر حتى يتقبله المرء : شبهة بيوت فوق بعضها البعض ،وشوارع تشبه زقاق المدق والزواريب ، أعمدة كهرباء تذكرك بغابات افريقيا المطيرة ، ومثلها جهود جبارة تبذلها محافظة دمشق وريفها لتأمين خدمات المياه والهاتف والكهرباء في بيئة جغرافية تعاني من شح في موارد المياه والطاقة ويغلب عليها الطابع الصحراوي .
المشهد البصري الحاد والقاسي والفقير ليس لونياً فقط بل وحضارياً ،يحيل إلى فقر نفسي مترافق معه في بيئة كانت دائماً موضع حلم بكونها مدينة الأشجار والأنهار والأحلام .
في أسوأ الأمكنة في العالم المعاصر يتم تقديم مخططات المنطقة التي سيغير معالمها إلى عدة جهات من بينها وزارة الثقافة أو من ينوب عنها في تقييم المشهد البصري أو إلى مكتب معماري هندسي يمكنه أداء المهمة . في بيروت تم منذ فترة استكمال التفاصيل العمرانية لحديقة سمير القصير والتي قام بتعديلها مهندس معماري فرنسي تحدث عن عملية إعادة تأهيلها فأكد على جملة من القضايا المعمارية أهمها الانطلاق من تفاصيل البيئة الموجودة للبناء عليها في إطار تقديم مشهد بصري متصل ،فقد كانت الحديقة المذكورة تقع بين مجموعة أبنية وصغيرة المساحة ويتواجد بقربها شجرتا تين قديمتين ، وكان أن استغل المهندس المذكور كل التفاصيل الموجودة ليبني حديقة جميلة جداً (انظر الصورة أعلاه ) وقد نالت الحديقة جائزة الآغا خان الهندسية كواحدة من أربع أماكن منحت لها الجائزة .
نحن لا نتحدث عن حدائقنا التي تتميز بوجود أبدي لمصابيح مزروعة تحت المياه ونوافير في أي مكان توجد فيه الحديقة ، نحن نتحدث عن بناء وعن عمران وعن هوية . أحد منكم يوضح لي أين الهوية في الصورة المرفقة ؟؟ هل حقاً لا نعرف إلا هذا التخبط العشوائي في البناء والعمار والهوية ؟؟؟
وهذا الموضوع يحتاج دراسة مستقلة .
في النتيجة
الدولة فتحت على نفسها هذا الباب وهي التي سدته ولكن بعد أن كان السيف سبق العذل ! اليوم تجري محاولات على طريقة الترقيع الشهيرة بها حكومتنا لحل وتفكيك هذه البؤر السكنية إلى ما يمكن أن يسمى سكناً حقيقياً
تجري اليوم محاولة جدية لدى الحكومة لحل هذه القضية الشائكة و إن كانت بالطبع متأخرة وتتبع سياسة الترقيع الشهيرة لدى الحكومة المصونة ، الأتراك دخلوا على الخط ويرغبون في الاستثمار في قطاع يدر ذهباً صافياً للحكومة لو استغل كما يجب .
نكتفي بهذا القدر ونترككم مع الملف الذي جمعناه من النت وشكر خاص لمحطة أخبار سوريا التي أمدتنا بكثير من المعلومات هنا .


