اليهود المتديّنون والنزاع العربي الإسرائيلي

القدس - تُظهر أحدث الاستطلاعات أنه خلال عشرين عاماً سوف تشكل الأقلية من المتديّنين 25% على أقل تقدير من السكان الإسرائيليين اليهود. ماذا ستكون المعاني الضمنية لذلك على النزاع العربي الإسرائيلي؟ لا يعطي القادة هذا الموضوع أهمية كبيرة. 
تميل الأصوات المرتفعة الصادرة عن مجتمع اليهود المتديّنين حالياً لأن تكون يمينية. إلا أنه يبدو أن مواقف الغالبية الصامتة لم تتشكل بعد، والواقع أن نظرة معمّقة تُظهر وجود احتمالات التوصّل إلى حلول وسطى بين العديد منهم.


لم يتردد الحاخام أليعازر شاك (1898 - 2001)، القيادي في طائفة اليهود المتديّنين والرئيس السابق لمدرسة بونيفيش ياشيفا الدينية في مدينة بناي براك والزعيم السابق لحزب اغودات يسرائيل، في الإعراب علناً عن آراء واضحة لصالح إعادة الأراضي المحتلة مقابل سلام حقيقي. استغلّ الحاخام شاك، حتى خلال فترة السعادة العارمة التي تلت حرب 1967، كل فرصة لإدانة "نشوة إسرائيل بالنصر"، مدّعياً أن القوة العسكرية مؤقتة، وأنها "اليوم معك وغداً مع أعدائك". وقد آمن أنه لا يمكن إلا للروح أن تشكّل أساساً للمجتمع اليهودي. وقد تحدّث خلال حياته علناً ضد الوطنية من أي نوع، بما فيها الوطنية اليهودية، مدّعياً أنها لا يمكن إلا أن تؤدي إلى سفك الدماء. وقد دعم معاهدة السلام مع مصر والأردن. ورغم أنه لم يوافق على اتفاقيات أوسلو، إلا أن سبب ذلك بالدرجة الأولى اعتباره بأن حكومة رابين معادية للمتديّنين. 
بدأت قوى اليمين وتياراتها التحتية بالظهور داخل مجتمع اليهود المتديّنين بعد فترة حكم الحاخام شاك. انضم الكثيرون إلى أحزاب اليمين وأسمعوا أصواتهم عالياً في المهرجانات السياسية. شعروا أن توجه اليمين نحو أرض إسرائيل يتوافق مع معتقداتهم. لم توافق قيادة المتديّنين على ذلك، وهي لا تشجع إلى درجة بعيدة، هذه النشاطات حتى يومنا هذا. تركّز المبادئ التي أرشدت القيادة فقط على المجال الروحي وعلى التقاليد، وسوف يكون العديد من القادة الروحيين المتديّنين على استعداد للمساعدة على تحقيق حل سياسي مع الفلسطينيين، طالما يتم الحفاظ على التقاليد اليهودية وأتباع أسلوب حياة وفق القوانين الدينية اليهودية. تشكّل قيمة الحياة الإنسانية أهمية كبرى عند الحاخامات، ومن الأمثلة على ذلك الحكم الذي أصدره الحاخام أو?اديا يوسيف، المشرّع المعروف في القوانين الدينية والزعيم الروحي لحزب شاس، والذي يجب بموجبه إعادة الأراضي حتى يتسنى الحد من فرص الحرب واحتمالات فقدان الحياة البشرية. 
ورغم أن هذا الحكم قديم عمره أكثر من عدة عقود، وأن حزب شاس توجه بشدة إلى اليمين في السنوات الأخيرة، إلا أن هذا التغيير كان سياسياً وتكتيكياً إلى حد بعيد، وليس أساسياً، وهو إضافة إلى ذلك لم يجرِ إلغاؤه. وعند مواجهة الخيار حول التنازل عن الأرض أو مواجهة حروب مستمرة، أعتقد أن ما سيسود بين أنصار حزب شاس هو القانون الديني، وليس العواطف الوطنية. 
يشكّل اليهود المتديّنون حوالي 40% من سكان المستوطنات. ولكن من الأهمية بمكان الأخذ بالاعتبار الصورة الحقيقية للمستوطن المتديّن العادي، فهو إنسان لا تحفزّه العقيدة الوطنية من أي نوع وإنما الضرورة الاقتصادية. قامت الحكومة الإسرائيلية، ومعها الأحزاب الدينية في الكنيست بإنشاء المدن ذات الطابع الديني المتعصّب وراء الخط الأخضر، فقط كمناطق إسكانية رخيصة اختيارية لسكان مُكوّنين إلى درجة بعيدة من أفراد منكبّين على الدراسة ولا يوجد لديهم مصدر دخل ثابت. إضافة إلى ذلك فإن استمرار أسلوب الحياة الثقافي والديني عند اليهود المتديّنين يطغى على الانتماءات الوطنية. وبالمقارنة مع غيرهم من المستوطنين، فإن المتديّنين سيكونون منفتحين على احتمالات تقبّل حل ساسي طالما أنه ينطوي على تجاوب مناسب مع احتياجاتهم الاقتصادية والثقافية الدينية، ومن الواضح أن أية اتفاقية سياسية تخضع للتصويت بعد تدخّل أو ضغط أمريكي سوف تفوز بدعم الأحزاب المتديّنة. 
يمرّ مجتمع اليهود المتديّنين في إسرائيل بعملية تحطيم الجدران التقليدية والاجتماعية وتقوم بعض العناصر في هذا المجتمع بالانخراط في مؤسسات الدولة، مثل السياسة والأكاديميا والاقتصاد والثقافة. سوف يعني هذا الانخراط زيادة تأثير قطاع هو أقل وطنية تقليدياً وأقل صهيونية من القطاعات الحالية في السلطة. لذا فإن هناك سبب للتفاؤل فيما يتعلق بالنزاع العربي الإسرائيلي: سوف تتنازل مراكز السلطة السياسية القديمة، والتي تعبت من تعثّر عملية السلام، لصالح قادة جدد ذوي توجه براغماتي قوي يعيد تنشيط جهود إنهاء النزاع. هناك فرصة جيدة بأن يتعامل هؤلاء القادة الجدد مع النزاع من زوايا مختلفة، مثل الحساسية تجاه القضايا الدينية واستعداد لإجراء تنازلات مقابل ضمانات بأن تقاليدهم سوف تتم حمايتها. 
* الحاخام الدكتور شلومو تيكوتشنسكي زميل في معهد فان لير بالقدس. كُتب هذا المقال لخدمة الأرضية المشتركة الإخبارية.


خدمة الأرضية المشتركة الإخبارية 1/6/2010

أنت الآن هنا