واحد من الأسماء التي شكلت المشهد الثقافي العربي خلال السنوات العشرين الأخيرة ، واحد من الأشخاص الذين يندر أن تختلف مع أحدهم وتجدهم يرحبون بك بكل حب وحرارة ، بنى مشروعاً فكرياً متكاملاً يدعم من خلاله التراث الحضاري العربي، ويرفض فيه كل ما يسيء الى العقل ويستنهض ابرز ما فيه، بدءاً من التفكير وانتهاء بالابداع والسياسة. هذا هو محمد عابد الجابري الذي اغمض عينيه قبل ايام عن 75 سنة ليثير حزنا كبيرا واحساسا بالخسارة في الاوساط الفكرية العربية، وحتى في الاوساط الغربية.
لم يكن يبحث عن الشهرة ولا الاضواء، ويفضل الانزواء في مكتبه والاشتغال على القضايا التي يعالجها بهدوء، وترك اعماله تتحدث عنه. حتى عندما حصل على جائزة ابن رشد للفكر الحر (في العام 2008) فضل ان تكون الكلمة التي وجهها الى المؤسسة التي منحته الجائزة عن ابن رشد وليس عن نفسه، باعتبار ان ابن رشد خلخل الكثير من المرجعيات في العديد من المجالات الفكرية والفلسفية وارتفع بالطب الى مستوى العلم. وقد ركز كلمته على كتاب ابن رشد "الكليات في الطب" الذي رأى انه كتاب غير مسبوق يجب وضعه في سياق تاريخ الطب العربي، بل التاريخ العام للطب.
وكان الجابري قد اشتغل على قضايا أساسية وراهنة، بدأها بمشروعه حول نقد العقل العربي، وختمها بتفسير جديد للقرآن، انطلاقا من البحث المستفيض في أسباب نزول العديد من الآيات القرآنية. فإذا كانت بعض الإنتاجات الفكرية العربية قد اشتغلت، أيضا، على نقد العقل العربي، مثل المفكر المغربي عبد الله العروي، والمفكر السوري الطيب تيزيني، والمفكر اللبناني جورج طرابيشي، فإن لطريقة اشتغال الجابري ميزتها الخاصة، لأنها ذات نسقية عالية، وتدخل ضمن مشروع متكامل، استطاع الجابري من خلاله، أن يفتح باب النقاش حول قضايا تراثية ذات أبعاد راهنية، وأن يخلق حوارا مستمرا مع مفكرين عرب، بخلاف بعض نظرائه المغاربة، الذين ظلوا نخبويين في تفكيرهم، ومنفتحين على الغرب أكثر من المشرق.
وإذا أردنا تحديد السؤال المشترك لمشاريع الجابري الفكرية، فإننا سنجد أن الهاجس الغالب عليها هو التفكير في سؤال النهضة، الذي لم يتخذ له مدخلا منهجيا سياسيا ولا اقتصاديا، بل مدخلا إبستمولوجيا، لأنه يرى أن "لا نهضة دون تحصيل آلة إنتاجها، أي العقل الناهض، ولا يمكن تحصيل هذا الفكر القادر على صناعة النهضة، دون نقد للعقل العربي، وبحث صيرورته التاريخية، وتحديد المفاهيم المتحكمة في بنيته، من أجل بيان الحاجة إلى عصر تدوين جديد يؤسس للعقل نظاما معرفيا قادرا على الاستجابة لتحديات الراهن".
هذا المطلب، هو الذي اشتغل الجابري، بقصد إنجازه طيلة ما يقرب من نصف قرن، متوجا ذلك بإنتاج موسوعته "نقد العقل العربي"، وهو الإنجاز، الذي رأت اليونسكو أنه يستحق أن يكرم في الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة يوم 16تشرين الثاني (نوفمبر) من سنة 2006، إلى جانب الاحتفاء، أيضا، بالفيلسوفة الألمانية، حنا أرندت، (1906- 1975) بمناسبة الذكرى المئوية لميلادها.
فكر سياسي
ومثل كثيرين من مثقفي جيله ارتبط الجابري بالسياسة، وكان هذا الارتباط يعني ضمنا أن وراء المشروع الفكري لإعادة صياغة مقولات الثقافة العربية كان حلم التغيير السياسي في الإطار الوطني (أو القومي) هو الأساس. ارتبط الجابري بحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية حتى استقال في العام 1891 للتفرغ للعمل الثقافي، وأسهم في انتفاضة 52 كانون الثاني (يناير) 1956التي بدأت بمحاولة تصحيح مسار حزب الاستقلال وافضت الى الانشقاق عنه.
في الوقت نفسه الذي كان ينهض فيه بعبء مشروعه الفكري فظهر في العام 1971أول مؤلفاته "العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي"، وهو يمثل أطروحته التي تقدم بها لنيل الدكتوراه، ثم أصدر في العام 1976كتاب "مدخل إلى فلسفة العلوم" من جزأين. ثم تتابعت المؤلفات التي لم تكن جهدا علميا خالصا بل إعادة فرز للتجاذبات الايديولوجية في المجتمعات العربية بحثا عن مخرج ونقدا صريحا ومبطنا أحيانا لتجارب النخب السياسية والفكرية، هكذا جاءت مؤلفاته من "الخطاب العربي المعاصر" إلى "في نقد الحاجة إلى الإصلاح".
ورغم نبل المسعى فإن السؤال "الوطني" كان أفقا محكوما بالانسداد. فلم يلتفت الجابري إلى أن تغير المجتمعات العربية وفشلها لم يكونا ذاتيين، ليس فقط بسبب ما استقر في ذهنياتها من بنيات عقلية، بل لأنه لا يمكن النظر إلى هذه المجتمعات إلا في إطار قطيعة شاملة مع تاريخها شكلتها لحظة الحداثة باعتبارها أول تجربة لهذه المجتمعات تفقد فيها استقلالها الكامل في خضم نظام عالمي لم تفهمه أبدا، ولم تعرف (أو تعترف) حتى الآن بمقدار ارتباطها به ارتباط التابع في معظم الاحيان. وان المقولات الثقافية التي أعيد تكييفها من قبل المجتمعات والنخب لم تكن مطلقا تلك التي تنمى إلى الغزالي أو ابن سينا أو ابن مسكويه، وان نقد أو إحياء هؤلاء (تماما مثل خرافة إحياء التيار الاعتزالي) لا يمت بصلة إلى عوامل ظهور الإسلام السياسي المعاصر ولا يفسره.
وقد بدا عقل الجابري لاتاريخيا، متصورا أن نقده لابن سينا أو دعمه لابن رشد بإمكانهما إحياء نمط مختلف من التفكير داخل المجتمع، ولم يدرك أن خطاب الشارع الإسلامي قد يكون مجرد قناع عاجز للممارسة السياسية غير الناضجة ولا الواعية بمصالحها. ومن ثم فهو قد يمثل ثقافة زائفة ومجتزأة و"شعارية" وليس حركة إحيائية في أي حال، ناهيك عن أن يكون ردة إلى الماضي. إنه سيطرة فاشلة على العصر وسلطته، ولذلك تستخدم التراث كأداة وليس كحقيقة تجادل عنها.
وقد تجاهل مشروع الجابري مقولات الحاضر وممارسات الناس، وراح يبحث عن العقل العربي في العصور الإسلامية الأولى، في صراعات الفقهاء وعلماء الأصول والكلام، في النشوء المتردد للفلسفة، كما في صراعات الولاية والخلافة، وكأن إسلام اليوم هو إسلام الأمس. في كتابه "العقل الأخلاقي العربي" مثلا يحاول الجابري إسناد ما طرأ على الفكر العربي من تراتبية السلطة ورسوخ تقاليدها السلطانية واحتقار المرأة وظهور صيغ من الأدب الكتابي المحتفي بالديباجة والتصنع والذي يمكن وصفه بالأدب السلطاني تحت تأثير الثقافة الفارسية، وكأنه يقوم بعملية تنقية متأخرة للتراث العربي الإسلامي مما يعتبره دخيلا عليه. وبغض النظر عن طرافة الفكرة بل أهمية النظر إليها بالفعل، فإنها تصلح لإعادة النظر في التراث العربي أكثر مما تسمح بالنظر في الواقع.
وتبقى مؤلفات عابد الجابري خصوصاً رباعيته التي بدأت بكتاب "تكوين العقل العربي" ثم "بنية العقل العربي"، مرورا بـ"العقل السياسي"، وأخيرا "العقل الأخلاقي العربي"، شرفة عكسية نطل منها على ذواتنا. وكان الكتابان الأولان خصوصا إعادة تفسير للمواضعات الثقافية لما تغلغل في عقل المجتمع وشكل فضاء رؤيته عبر القرون. وقد قسّم الجابري هذا العقل أقساما ثلاثة: العقل البياني وأصوله العربية والعقل العرفاني وأصوله الشرقية، وأخيرا العقل البرهاني ومصادره الفلسفية العقلانية، موضحا ملابسات كل منها وظروف تكونها في التاريخ العربي وعوامل انسدادها.
وبغض النظر عن انحيازات الجابري العقلانية، وعن دقة هذا التقسيم وأسبابه التاريخية، فقد كانت فكرة مراجعة ذهنيتنا وما تركب في بنياتها من مواضعات الثقافة احد الأفكار المهمة التي شكلت وعينا وفي الوقت نفسه سلاحا لمواجهة الشكوك الأصولية التي أعادت إلى الساحة كل صراعات التاريخ الفكرية، أو بدا وكأنها كذلك.
وعلى المستوى ذاته كان كتاب "الثابت والمتحول" لأدونيس الذي لم نقرأه فقط كدراسة في الشعر وحوافز تطوره، بل كتأسيس أيديولوجي لفكرة الحداثة، وإعادة غرسها ليس باسم نهضة اجتماعية وسياسية، بل باسم الصراع الدائم بين الجميل والسلطوي، الثائر والمتواطئ، وإن بدا أنه يتم على ارض شعرية، لكن الرسالة كانت واضحة.
يبقى الجابري مشروعا حيا للقراءة والتباس تجربته العريضة في حجم التباس حياتنا وترددها، كما يبقى درسا في الجمع بين المنهجية الاكاديمية ومحاولة فهم حياتنا شأن اي ثقافة حقيقية. وأرقه هو ارق الساعي الى التغيير بغض النظر عن النجاحات والاخفاقات .
تحية كبيرة للراحل الكبير ..
حال البلد -