في الذكرى الخامسة لرحيل الصحفي اللبناني الكبير سمير القصير لم نجد من تحية أفضل لذكرى الشهيد الراحل سوى أن نعيد نشر الكلمة التي كتبها وقدمها في أربعين الشهيد الشاعر الفلسطيني الراحل هو الآخر محمود درويش ، الكلمة على قصرها حملت كل المواجع والأحزان والحكايات إلينا نحن نيام الشرق الكبير ، هناك خطأ دائم مقيم هاهنا على هذه البقة من الأرض ، حاول سمير تفسيره فكانت النتيجة ان دفع الثمن غالياً ، ليست القصة قصة بلاد وحكومات فقط ، بل قضية تفكير شامل ، تفكير يحيل التفكير إلى تهمة أبدية في ليل الشرق الطويل ، سمير القصير العاشق الدمشقي البيروتي ، ومحمود درويش العاشق الفلسطيني الكوني يلتقيان على ضفة الموت ، قال الشاعر فلسطيني محمود درويش في كلمته المسجلة بالصورة والصوت:
كلما التقيت باسمه، أصغيت الى اغنية صغيرة تمجد قران الفتوة والوعي، واقتران الرأي بالشجاعة... ثم حزنت، لا لأن عمر الورد قصير، بل لأن تلك الوردة لم تكمل تفتحها الساطع على سياج يحترق!
كان سمير مهووساً بالسباق على طريق الغد، ليبقى الفتى الاول. وكان له ما أراد: فإن من سبقنا الى الغياب لن يكبر مثلنا. هناك، حول صورته، سيجد الزمن نفسه، كعربي معاصر، عاطلاً عن العمل!
أما نحن، اصدقاءه وعشاق بيروت المفجوعين، فلن نعتذر عن حلم جميل، مهما ارتدى من اقنعة الفجر الكاذب. ولن تغرينا تعاليم التوازن باتهام شهيد الحرية والحب بالتهور، كما قد يفعل المحاسبون المهرة في مؤسسات العواطف والافكار.
بل نسأل القاتل: أما كان في وسعك ان تكتب مقالة في جريدة تثبت فيها ان سمير قصير على خطأ، ولا يستحق الحياة في لبنان، ولا في بلد آخر؟
البراهين كثيرة. تبدأ من خلل فادح في خريطة يافا، ومن سلالة لا تستقيم، على الرغم من صحة الولادة، مع معبودات الطائفة والعائلة والقبيلة... ولا تنتهي عند حرمان الغريب من حقه في العمل اليدوي والفكري، ومن إبداء الرأي في المناخ المتغيّر في المحيط والعالم.
لم نقل له من قبل: ما أجملك! فقد كان يعرف ذلك اكثر مما ينبغي، ويعلنه نيابة عنا. لكن للغياب استرجاعا لزمن اصيب بالفصام.
في لحظة واحدة، في انفجار واحد، ينقلب فعل المضارع الى فعل ماض ناقص يحتكر الذكرى، وينقص المكان. ويصبح ما بعده ظلاما يدرك بالحواس الخمس... فبأي قلب أناديه: يا صاحبي! لماذا جعلتنا نحبك الى هذا الحد؟
لم نجتمع إلا لنضحك من امتلاء النرجس بالحكمة. فالطفل المعجزة كما سميناه كان سعيدا بأن يكبر كاتبا ومثقفا وعاشقا، دون ان يتخلى عن خصوصية اللقب الذي يضمن له صورة يوسف بين إخوته، وسيرة الفارس المنذور للدفاع عن حرية غريبة الاطوار، وعن ديموقراطية شاذة.
سمير قصير، الراقص الرشيق في حقول الالغام، الساخر من كل انسجام مع عبودية مفروضة او مختارة، هو احد اسماء التفوق على صَدَفة الهوية وعلى التخصص في مدوّنة واحدة. لذلك صدّق ان في وسع الفلسطيني ان يكون لبنانيا، وأن في وسع اللبناني ان يكون فلسطينيا عربيا، وأن من واجب العربي ان يكون مشاركا بالتفكير على الاقل في التداعيات التي تتركها انقلابات العالم المعاصر على ما يعد له من مصائر. وصدّق ان ثقافة الديموقراطية لا تنتهك بالضرورة مقدسات التراث القومي!
لذلك لم يقع في شرك السؤال الرائد عن حاجتنا الى الوجود: من أنا؟ فهذا المواطن المتعدد المتجدد المتنوّر المتطور لا يحتاج الى برهان على شرعية الأم. لم يقاوم الاصولية بأصولية مضادة، ولا الطائفية بطائفية مضمرة. هويته مفتوحة على غد ينبغي ان يكون مفتوحا للجميع، وعلى حداثة لا معنى لها في شرطنا التاريخي إلا بارتباطها بمشروع تحرر شامل المستويات.
من حق الطفل في مساءلة أبيه إلى حق المرأة في خلع الرجل، الى حق المواطن في تغيير الحاكم، الى حق الفرد والمجتمع في مقاومة الاستبداد والاحتلال معا، الى حق الشاعر في التخلص من الانضباط للقافية، الى حق الحالمين بأن يحلموا بأنهم أحرار، الى حق الكاتب في التمييز بين معنى الموت ومعنى القتل!
ألهذا استحق سمير قصير القتل؟
ملء قلبي هجاء لسادة هذا الزمن الذي لا يسأل فيه عن اسم القاتل، بل يسأل عن اسم القتيل التالي. كأن القاتل هو الغامض الثابت، والقتيل هو الواضح المتغيّر. وهكذا تتحول شخوص المسرحية الدموية جمهورَ مشاهدين يتفرجون على مصائرهم المدوّنة، ويتحول جمهور المشاهدين شخوصا في مسرحية لم يقرأوا نصها.
وملء قلبي رثاء مادح لمن كتبوا بالجمر احلامهم، دون وجل من ضباط الليل، او خجل من عورة الحقيقة.
وملء قلبي بكاء مالح على لبنان الجميل، الذي أشبع بلاغةَ مديح لا يريده، واختزل الى حد الخنق بصور مستوحاة من اغنيات عن براءة ريفية، ومشهد طبيعي لا يرى منه العابرون إلا الاخضر المصفى بأبدية الازرق. أما الاحمر الدامي فلا يراه غير الموغلين في كتابة المستقبل، وملاءمة الصورة مصدرها. لقد نزف لبنان، الحائر المحيّر، كثيرا من الدم لصوغ هويته التعددية، وللخروج من ثقافة الطائفة والعائلة الى افق ارحب، فإلى اين؟ الى اية هاوية يجره الخائفون من خصوبة الهوية ومن فتنة الأمام؟ الى اي وراء يريد ان يرجعه مهندسو الظلام؟ يقول المجاز الاكيد: انها ساعة المخاض الطويلة. وإن الحرية، على ما فيها من جماليات، قد تتوحش ليلة العرس، وتتعطش الى دم عشاقها. فذلك هو حناؤها الباذخ قبل انصرافها الى شؤون التدبير المنزلي.
وسمير قصير هو واحد من اجمل هؤلاء العشاق
النص للشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش