|
|
إنّ من أشد الأمور خطورةً على الإنسان الفرد ومن ثم المجتمع ، هو الشعور بالرضا ، والذي أقصد به بكل بساطةٍ ، الرضى عن النفس في القول والفعل والتحرك دون النظر إلى معايير العقل والأخلاق والعلم والمصلحة العامة ، سواء عند المثقف أو عند الإنسان بكل أنماطه الاجتماعية والأخلاقية والثقافية ، هذا الشعور الذي يجعل من المؤذي والمجرم والسارق الزاني والمرابي والمرتشي والنمام والخائن مرتاحاً بتصرفاته وأعماله مهما كانت ، إنّ الرضا عن النفس هو الذي يخلق عالم التبريرات والذي يختلف من شخص إلى آخر حسب قوة الشعور من الرضا عند صاحبه ، هذا الشعور هو الذي يخلق الأدلجات و الأحزاب
كما وصف القرآن الكريم ( كل حزبٍ بما لديهم فرحون )، فنحيا في عالم الإقصاء ، وهذا الشعور هو الذي يجعل من الفرد والمجموعة تستمر في طريقها الذي رسمته من خلال عالم التبريرات ، وبالتالي فهو الذي يفسّر لنا تساؤلات كبيرة على غرار ، لماذا يكفّر البعضُ البعضَ الآخر ؟ ولماذا يُجهّل البعضُ البعضَ الآخر؟
فالتكفيريون يعتبرون من تكفيرهم وفتاويهم بالقتل وسبي الذراري بأنه جهاد شرعي ضد الآخر ، فيصبح قتل النفس التي حرمها الله تعالى شرعاً حلالاً . أعود للتأكيد على أنّ الشعور بالرضا هو الذي أوجد التكفيري المجاهد ، والتجهيلي المتعولم ، ولنقف قليلاً عند الطرفين .
أولاً التكفير :
وبكل بساطةٍ هو إخراج الآخر عن الدين بوصفه كافراً ، والذي يحرك هؤلاء قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، باعتباره نوعاً من الجهاد في سبيل الله . ودفاعاً عن الإسلام وعن سيدنا محمد (ص) الذي منع التكفير ( لا إكراه في الدين ) ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) وليعلم هؤلاء أولاً أنّ
النبي محمد (ص) إنما أرسل بوظيفتين هما :
1- التبليغ ( وما عليك إلاّ البلاغ المبين ) .
2- التذكير ( فذكّر إنما أنت مذكّر لست عليهم بمسيطر ) .
بالإضافة إلى أنّ حروب الرسول (ص) كلها كانت دفاعية عن العقيدة وعن الوجود ، وهو الذي قال للذين عذبوه وهجروه وسرقوه وحاولوا اغتياله مراتٍ عديدة : اذهبوا فأنتم الطلقاء ..... وكان فتحه (ص) فتح مرحمة لا فتح ملحمة على رأي الدكتور البوطي .
فمن أين جاء هؤلاء التكفيريين بتكفيرهم هذا ؟! .....
وبالتالي فإن لهذا الشعور بالرضا آثار سلبية جمة ومن بعض تلك الآثار :
- انتشار الفتن والنزاعات بين المسلمين ، وهذا ما يحصل دائماً كما في ( العراق ) .
- الإساءة إلى فهم الإسلام بتكريس مفهوم الإسلام الإرهابي ، كما حدث في تفجيرات أيلول في ( الولايات المتحدة ) .
- خلق ردة فعل سلبية من المسلمين تجاه إسلامهم والتي تؤسس إلى قطيعة إيستيمولوجية (معرفية) للإسلام على حد تعبير د.الجابري.
- تقوية شبح التفرقة وتكريس التعصب والكراهية بين المسلمين أنفسهم وبين المسلمين .
- تكريس الجمود الذي يبعدنا عن البحث والتمحيص والذي به يكون مقتل العقل .
ولكي نتجاوز هذه المحنة لا بد من :
- أن يتحرر المسلم من قيود التبعية وذلك من ضغط سياسي أو ديني أو مادي . بحيث يكون الفيصل هو العقل والبحث الذي يخفف على نحوٍ ما من الوقوع في الخطأ .
- التحرر من قيود العاطفة ، وذلك بأن نعقلن النص الديني لا أن نجعله في حيز المقدّس فقط من جهة ومن جهة أخرى أن لا نقدّس الخطابين بطريقةٍ عمياء ، بحيث ما يقولونه هو الصواب بعينه ، بل علينا أن نتلمس الحقيقة بعقولنا لا بعواطفنا .
قال تعالى : ( ولا تقف ما ليس لك به علم إنّ السمع والبصر والفؤاد كلُّ أولئك كان عنه مسؤولا ) . ففي هذه الآية يتجسد وبوضوح المنهجي العقلي والحسي والتجريبي للوصول إلى العلم .
فمثلاً القرآن الكريم علينا أن نتعامل معه على وجهين :
الوجه التقديسي أي اعتباره كتاب مقدس وذلك عند العبادة والالتجاء إليه من أجل الخوض معه روحياً ، إذ الروح بالقرآن تسمو .
الوجه الثاني باعتباره كتاباً قابلاً للدراسة والبحث فهو كتاب لغوي تاريخي فلسفي فكري اجتماعي اقتصادي .. إذ العقل بالقرآن يتحرر عندها ننقل إعجاز القرآن من حيز القول والتنظير والتقديس إلى حيز الحركة والبحث والتمحيص وبالتالي يجب أن أحبّ القرآن قلبياً وذلك لعظمته الروحية من جهة وأن أتعامل مع القرآن عقلياً وذلك لعظمته المعرفية والتربوية من جهةٍ أخرى .
ثانياً التجهيل :
هو نعت الإسلامي بالجهل والجمود والسلفية ، وأيضاً المحرك لذلك هو الشعور بالرضا عن النفس .
وبالتالي فأن مكمن الخطورة عند التجهيليين هو :
- إضاعة الهوية والتراث من خلال نقض التراث الإسلامي لا نقده .إذن النقد وليس النقض وقد أشار إلى ذلك د. نصر حامد أبو زيد.
- ترويج أفكار خاطئة تجاه الإسلام وزرعها في عقول شبابنا دون أية معايير ثقافية وعلمية فيضيع الشباب المسلم بين التمسك بالتراث أو اللحاق بأتون الحضارة الغربية .
- ضرب التراث الإسلامي وذلك بالتنويه إلى جانبه المعتم والسياسي دون التعرض إلى جانبه المشرق الفلسفي والفكري .
ولكي نتجاوز هذه المحنة لا بد من :
- الاشتغال على التراث الإسلامي الأثيل بجانبه الفكري والعلمي المشرق ، وذلك من خلال النقد لا النقض ( كما ذكرت آنفاً ) .
- الثقة التامة بأن الحضارة لا تنبجس إلاّ من ذاتها ، فحضارتنا العربية لا يمكن أبداً أن تؤَسس من خارج صيرورتها ، وهذا لا يلغي إطلاقاً التقوقع عن الآخر ، فالحضارات تفاعل .
وآخر القول : إن ما يجمع بين الطرفين ( التكفيريين و التجهليين ) هو الشعور بالرضا الذي يخلق التعصب موهماً كلا الطرفين بأنّه على حق رغم التناقض والتنافر بينهما ، وإن خطورة كلا المنهجين هو أنّ :
- التكفير يريدنا أن نحيا حياة الإسلام في عصرنا الحالي ، على غرار .... هذا حرام هذا حلال ... هذا يجوز هذا لا يجوز... واستعمال فعل الأمر ، دون البحث عن الأسباب والمسببات ،بحيث يريدون منّا أن نرهن أنفسنا بالعبادة ، على حساب العمل والتفكير على سبيل المثال، دون النظر
إلى جوهر العبادة .
- والتجهيل بجعل المسلم يبتعد عن تراثه وهويته ( الانسلاخ ) - وكأن التراث هو السبب في تخلفنا – دون النظر إلى الجوانب المشرقة من تراثنا هذا من جهة ومن أخرى التمسك بالحضارة الغربية وبشكل تقليدي أعمى .
فكلاهما وجهان لعملة واحدة
كان من المفترض أن تقدم هذه المادة نفسها بنفسها ولكن بدا للتحرير أن مادة كهذه سوف تثير سلفاً إشكالات معرفية ناتجة عن هوية الموقع وتعامله مع الموضوع المطروح هنا بشكل قد يختلف مع المادة لحد القطيعة سواء لجهة مرجعية المقال أو لجهة هويته المعرفية ، ولكي نستبق الحدث فقد ارتأى الموقع تقديم المادة إلى عدد من الكتاب السوريين لقرائتها ونقدها من منطلقات عديدة مختلفة مع المطروح أو موافقة أيهما .
سنرحب أيما ترحيب بكل نقد وقراءة لهذه المادة وغيرها ودائماً في إطار الحوار الوطني المعرفي المتملك الضامن لحرية تعدد وجهات النظر وحق الاختلاف كمساهمة منه في التنوير وتأصيل العقلانية في بلادنا .
ترسل الردود على البريد الالكتروني التالي : هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته
