فكّر تكن موجوداً ..... عبّر تكن إنساناً

إنّ فكراً قابعاً في كهفه الأفلاطوني ، تلفُه الأغلال والقيود ، وتْنتِنُهُ الرطوبة والظلمة ، لن يتحرر إلاّ بفعل الانفصال ، انفصال الفكر عن المفكر ، وهذا الانفصال بدوره يؤدي إلى خروج الفكر من مصنعه / الرأس / إلى العالم المحسوس / الواقع / ليُبْنَى من خلاله وبعد التبني الصحيح الوظيفة الحضارية والإنسانية التي أُنتج من أجلها . ولكي يكون هذا الفعل / العمل / من الانفصال وحتى التبني والبناء فعلاً حقيقياً وحضارياً لابدْ من تصحيح الجدلية القائمة بين الفكر والواقع والعكس تصحيحاً جديّاً وصارماً لا تهاون فيه .يجعلنا نميّز بين الحضاريِّ  الإنساني والحضاريِّ الغير إنساني ، بين الفكر المثمر والفكر العقيم ، وخصوصاً بعدما أصبح الفكر كمّاً لا متناهي يمتهنه من لا علاقة لهم بالفكر ، وإن من يروج لهذا الفكر الكميِّ السلعي جهاز بعين واحدة هو التلفاز والذي يتحكم به المشوهون .


ومن هنا تتجلى أهمية العمل في إعادة النظر بالمنتج الفكري ومصدر هذا المنتج . وجعل الفكر والإنسان صنوين يتمم أحدهما الآخر ، وهذه المسؤولية تقع على كاهل المفكرين الأحرار . لذا لابد من :

1- أنسنة الفكر  :/ جعل الفكر إنسانياً / وبهذا الجعل يُلغى كلُّ فكرٍ من شأنه أن يقُوض / يهدم / ركن الحضارة وأسّها الأول والأخير/ الإنسان/ .   وإن أنسنة الفكر يمكن الاشتغال عليها من خلال عمليتين تتمم أحدهما للأخرى :

أ‌-        عملية الانتقاء    : أي انتقاء ما هو الأصلح والأنفع من الفكر بما يخدم الإنسان الكوني ويرقى به .

ب‌-                       الإقصاء والإبقاء : وهو عمل يأتي بعد الانتقاء ضرورة ، وهو إقصاء وإزاحة الفكر الذي من شأنه أن يُسيء للإنسان وقيمه ،  والإبقاء لما هو نافع وصالح من الفكر بحيث نستفيد منه في الارتقاء .

إنّ الضرورة تقتضي العمل على تكوين لجنة فاعلة لتنقية الفكر ، ليس العربي والإسلامي بل الإنساني شعارها / يا مفكرو العالم اتحدوا / وتبعيتها تكون للضمير والقيم ، وهدفها تحقيق المصلحة الإنسانية . وهذا ليس من المثالية في شيء ، فإن الإنسان الذي صنع القنابل الهيدروجينية والذرية يستطيع أن يحولّها إلى وردٍ ورياحين عند أنسنته الفكر وجعله جسراً بين الأمم .

وعندما نسعى لبناء الإنسان بدل السعي لبناء الجمادات والآلات بعبثية يحركها الربح  .

لقد أسقط النفعيون والامبرياليون كلّ الفلسفات الأخلاقية والإنسانية من خلال وصفها / الفلسفات الأخلاقية / بالمثالية وبأنها غير قابلة للتحقيق. في حين أنّ المثالية تعني شيئاً واحداً هو الإنسان السعيد من خلال سعادة الإنسان الآخر . على عكس ما يشتغل عليه الفكر الارستقراطي الامبريالي والذي هو سعادة الإنسان من خلال شقاء الإنسان الآخر .

إنّ الإنسان الذي أراد الفيلسوف الألماني نيتشه هو الإنسان الامبريالي المتفوّق على حساب الآخرين وهو الإنسان السوبرمان والأشقى / راجع ما كتب جورج لوكاكش في كتابه ( تحطيم العقل ) الجزء الثاني – دار الحقيقة – بيروت / .

أمّا الإنسان الذي أراد انجلز وماركس هو الإنسان العامل والشريف ./ راجع ما كتب اريك فروم في كتابه ( مفهوم الإنسان عند ماركس ) ترجمة سيد رصاص .

والإنسان الذي أراده الأنبياء والصالحون هو الإنسان المحب والخير .

أليس باستطاعة الإنسان أن يميّز بين الصواب والخطأ  ؟ الجواب : لا يستطيع لأنه لا يريد .........

2- فَكْرَنةُ الإنسان : / جعل الإنسان مفكراً / وعَبْرنتهُ / جعل الإنسان معبراً / .

وهذا الجعل إنما يتم من خلال التربية الجادة ، تمييزاً لها عن التربية الهزلية التي يعيشها المجتمع الإنساني اليوم . وفي رأيّ أنّ الفيلسوف الألماني ( كانت ) / 1724 – 1804 / كان محقاً عندما انتقد النظريات التربوية التي تجعل من اللعب الطريق المفضل للتربية . ولابد من الإشارة إلى أن ( كانت ) لا يلغي اللعب كطريق من طرق التربية وإنمّا تفضيل اللعب وجعله الأهم .هو ما ينتقده- . إذ أنّ التربية عند ( كانت ) هي نظام وعمل وترويض . هذا الثالوث الكانتي في التربية هو الطريق الأنجع في خلق جيل جاد مفكّر ومعبّر وبعيد عن اللهو واللغو كما عبّر عن ذلك الإمام علي كرّم الله وجهه حين قال : / يا أيها الناس اتقوا الله فما خُلِقَ امرءٌ عبثاً فيلهو ، ولا تُرك سدىً فيلغو / .

تصّور معي جيلاً لا يلهو ولا يلغو  . فإنّ النظام والعمل والترويض الذي أراد ( كانت ) ، وعدم اللهو واللغو الذي أراد الإمام علي / رض/ لا يعني أبداً ما قد يعتقده أو يُروج للاعتقاد به ، بأنه قسر وخنق وتضييق على الأطفال . لاحظ قول الإمام علي / رض / لاتُقسروا أولادكم على أخلاقكم فإنهم خُلقوا لزمانٍ غير زمانكم / .

إذن ... مع تربية الأطفال على التربية الجادة ، عندئذٍ تتحول الرؤوس إلى مصانع للفكر الإنساني البناء ، وتتحول الألسنة والأنامل إلى أدوات تعبير وتحويل فاعلة .

أمّا تصحيح جدلية الفكر مع الواقع والعكس تقوم بــ :

  • فكرنة الواقع /جعل الواقع فكراً / ووقعنة الفكر / جعل الفكر واقعاً / وبذلك نقصي ما هو خرافي وعقيم من الفكر ، ونعيش الواقع بحقيقته لا بوهميته التي قلبت المفاهيم والمعايير رأساً على عقب . مثال يوضّح المعنى . الرشوة هي واقع أصبح مباحاً ولن يُرجع

/ الرشوة / إلى حقيقتها إلاّ من خلال التعامل مع هذا المفهوم / الرشوة / فكراً وفهمه واقعاً . وهنا جوابٌ لسؤالٍ .. هو لماذا أصبحت الرشوة حلالاً ؟! لأننا نحن البشر نجهل أو نتجاهل خطورة الرشوة ، بل لا نُتعب ولو لثوانٍ فكرنا وتفكيرنا مع وضوح الخطورة للرشوة في نتائج الرشوة .

أمّا لو عشنا الواقع فكراً والفكر واقعاً بمعنى الفهم الحقيقي للرشوة وخطورتها لخجلنا من أنفسنا .........

إنّ جهل الإنسان بواقعه أو تجاهله يودي به إلى مستنقع الوهن والخرافة ، وقسوة العبودية والتخلف ، ويتحول الشعور بالتبعية إلى منطق اللاشعور / اللاشعور التبعي / وهذه التبعية التي يقع بها الضعفاء ويستغلها الأقوياء . وهنا لابد من القول بأنه كلّما قلّ التفكير والتعبير ، كلّما ازدادت التبعية . لأنّ من هذه حاله لا يملك شيئاً فينتظر ما يُملى له من الآخر الذي ليست هذه حاله .

  • إذن إنّ التفكير والفكر يحتاج إلى تعبير وتحويل وهذان يستلزمان التبني والبناء ، وموقع الأول العقل / الرأس / وموقع الثاني اللغة

/ اللسان / وموقع الثالث الوعي والحركة / المجتمع / .

إنّ تحويل الفكر عن طريق التعبير من موجود بالعقل إلى إحياء بالفعل ، هو مشروع يجب الاشتغال عليه ، و إلاّ مات الفكر في رأس منتجه .

  • وهنا لابد من الإشارة إلى أنّ الكوجيتو الديكارتي / أنا أفكر إذن فأنا موجود / هو كوجيتو يحتاج إلى صنوٍ متمم له هو / أنا أعبّر إذن فأنا إنسان / . وقد قلت متمم لأنّ ديكارت قد افتقر عصره إلى التفكير فربطه بالوجود الذاتي ، أمّا الآن فعصرنا اليوم يفتقر إلى التعبير فربطته بإنسانية الإنسان . فتصبح العبارة / فكّر تكن موجوداً ، عبّر تكن إنساناً / .

وهذا أيضاً يدفعني للقول / الإنسان حيوان معبّر / بدل / الإنسان حيوان ناطق / .

من حيث أنّ النطق ليس هو الفعل الذي يُميّز الإنسان عن الحيوان وسائر المخلوقات ، إذ لا يعني كوننا نحن البشر إنْ لم نفهم لغة ونطق الحيوانات ، أنّها تملك نطقاً ولغةً وسأذكر هنا دليلين :

 -          دليل ديني من القرآن الكريم وذلك في سورة النحل الآية /16/ وهي : * عُلّمنا منطق الطير * والضمير عائد للنبي سليمان وأبيه داود ، والمنطق هنا يعني النطق ليس إلاّ .

-          الدليل العلمي التجريبي : وذلك باكتشاف العلماء بأنّ لكل قطيع حيواني لغة للتواصل فيما بينها وهذا أمر معروف ومشهور ولكن الأمر الأهم هو أنّ بعض العلماء استطاعوا فهم لغة الدلافين عن طريق الذبذبات الصوتية . ولكن بعد عشرات السنين من الدراسات والبحوث ، ولن أطيل في ذلك فالبرامج العلمية عن ذلك كثيرةٌ وشيّقة.

أضيف القول بأنّه لا يوجد حيوان صامت إذ كل الحيوانات تُصدر أصواتاً  ، نحن البشر نفهمها فيما بيننا ، لذا نستطيع القول أنّ النطق أصبح اليوم فعل مشترك بين الحيوان والإنسان ، وهذا الاشتراك يبقى حتى يتجاوزه الإنسان إلى فعل آخر هو التعبير والتحويل ، عندها ينتقل الإنسان إلى التميز عن بقية المخلوقات .

ألاّ ترى أنّ الأمم كلّها تمتلك اللغة والنطق ، والسؤال لماذا هذا التفاوت الحضاري بين الأمم ؟! .  الجواب مفتوح............

إذنْ .. إن ّ أمّة استطاعت أن تستثمر فكرها وتحولّه إلى مشروع عن طريق التعبير والتحويل ، واستطاعت أن تخلق بشراً قادرين على التبني والبناء لهذا الفكر المطروح ، هي أمّة قادرة على أن تتجاوز النطق الغرائزي ، لتصبح أمّة قادرة عن التعبير عن وجودها وكيانها .

 

 


المرتضى علي حاتم   اللاذقية  3 / 10 /2010

أنت الآن هنا