لا للنقاب ولا للحجاب ولا للتعري : تاريخ النقاب اليهودي (1)

قدمت لنا الرسوم واللقى والألواح الأثرية في المنطقة تصوراً واضحاً عن الوضع الشكلي للمرأة في تلك المجتمعات ماقبل الديانات التوحيدية الذكورية ، كما قدمت أيضاً تصوراً مماثلاً لأوضاعها في مجالات أخرى باعتبارها جزء لا يتجزأ من المنظومة الاجتماعية الإقطاعية الزراعية أو الإقطاعية المدينية التجارية تقع عليه ما يقع على الجزء الآخر من واجبات ويأخذ مثلما يأخذ الجزء الآخر من حقوق وكل ذلك ضمن منظومة مجتمعية منظمة ومرتبة ومحددة .


نبدأ بالحضارة البابلية الحمورابية حيث توضح الرسوم واللقى الأثرية عدم وجود النقاب بشكله المعروف الآن ، أما الحجاب فقد كان موجوداً ولكن ليس كتعبير ديني عن حجب المرأة وشعرها عن المجتمع وعن الرجال بل كوقاية من عوامل الطقس كالحر والمطر في منطقة مشهورة بصيفها الطويل اعتباراً من الألفية الثامنة قبل الميلاد تقريباً ( راجع كتاب الصيف الطويل – عالم المعرفة الكويتية ) ولم يكن هناك أي فصل بين الرجال والنساء بالمعنى المعاصر[1].

 

تاريخ النقاب في اليهودية : قراءة أولى [2]:

أما الديانة التوحيدية الرسمية الأولى ممثلة باليهودية [3] فقد شقت لنفسها طريقاً مختلفاً مغايراً لما عرف عن المرأة في الشرق العربي ، وقد ظهرت فكرة النقاب أول مرة من خلال اليهودية كما يبدو ولكن ليس أيضاً كتعبير ديني بل بأشكال مختلفة واحدها الزنا وثانيها الحزن على موت الزوج ، ولكن علاقة اليهودية كدين بالمرأة كانت هي الملهم  الفعلي للديانات التالية في توجهاتها الشكلية وغير الشكلية نحو المرأة  ، ورد في التوراة الإشارات التالية فيما يتعلق بموضوع النقاب :

 

في الإصحاح الرَّابع والعشرين (65 ) من "سفر التكوين" عن رفقة: أنَّها رفعت عينيها، فرأت إسحاق، فنزلت عن الجمل، وقالت للعبْد: من هذا الرجل الماشي في الحقل للِقائي؟ فقال العبد: هو سيّدي، فأخذت البرقَع، وتـغطت.


وفي الإصحاح الثامن والثلاثين من "سفر التكوين" أيضًا: أن ثامار  مضت، وقعدت في بيت أبيها، ولمَّا طال الزَّمن خلعت عنها ثياب تَرمُّلِها، وتغطَّت ببُرقع، وتَلففت " (ثامار هي زوجة ابن يهوذا بن يعقوب)  .

وفي النشيد الخامس من أناشيد سليمان، تقول المرأة: أخبِرني يا من تحبُه نَفسي : أين ترعى عند الظَّهيرة؟ ولماذا أكون كمُقَنَّعة عند قطعان أصحابك؟


وفي الإصحاح الثالث من "سفر أشعيا ": إنَّ الله سيعاقب بنات صهيون على تَبرجهنَّ، والمباهاة برنِين خلاخِيلهنَّ، بأن ينزع عنهن زينة الخلاخيل، والضَّفائر، والأهلّة، والحلَق، والأساور، والبراقع، والعصائب "  .

 

ماورد أعلاه هو الظهور الأول لكلمة النقاب في تاريخ الشرق ولسنا ندري ما إذا كان الأمر إبداعاً يهودياً محضاً وإن كنا نشك بذلك أم أنه إتباع لسنة كانت موجودة خاصة فيما يتعلق بموضوع ارتداء النقاب لدى الاحتكاك بالرجال فالنص الأول ( تكوين ، 28 )  يظهر بأن رفقة لم تكن متنقبة حين كانت متجهة إلى لقاء اسحق بعد أن تركت بلادها استجابة لنداء الرب كما يقول الكتاب المقدس ، ولكنها تنقبت حين اقتربت من لقاء اسحق وهو تقليد لا زال يجد بعض الوجود في الثقافة الشرقية حيث تتحجب المراة أو تغطي رأسها أمام الرجل الذي سوف يتزوجها وتوضح الآيات التالية من النص نفسه هذه الفكرة حيث يرد :

ثم حدث العبد اسحق بكل الامور التي صنع * فادخلها اسحق الى خباء سارة امه و أخذ رفقة فصارت له زوجة و أحبها فتعزى اسحق بعد موت امه ( 24/66-67 )

فمن الواضح أن النقاب قد نزع وأن الرجل اسحق قد تزوج من رفقة وعاشا دون هذا الهاجس .

 

النص التالي ( تكوين ، 38 ) هو نص أكثر أهمية من الأول وفيه يقول بالتفصيل :

38: 6 و اخذ يهوذا زوجة لعير بكره اسمها ثامار

38: 7 و كان عير بكر يهوذا شريرا في عيني الرب فاماته الرب

38: 8 فقال يهوذا لاونان ادخل على امراة اخيك و تزوج بها و اقم نسلا لاخيك

38: 9 فعلم اونان ان النسل لا يكون له فكان اذ دخل على امراة اخيه انه افسد على الارض لكيلا يعطي نسلا لاخيه

38: 10 فقبح في عيني الرب ما فعله فاماته ايضا

38: 11 فقال يهوذا لثامار كنته اقعدي أرملة في بيت ابيك حتى يكبر شيلة ابني لانه قال لعله يموت هو ايضا كاخويه فمضت ثامار و قعدت في بيت ابيها

38: 12 و لما طال الزمان ماتت ابنة شوع امراة يهوذا ثم تعزى يهوذا فصعد الى جزاز غنمه الى تمنة هو و حيرة صاحبه العدلامي

38: 13 فاخبرت ثامار و قيل لها هوذا حموك صاعد الى تمنة ليجز غنمه

38: 14 فخلعت عنها ثياب ترملها و تغطت ببرقع و تلففت و جلست في مدخل عينايم التي على طريق تمنة لانها رات ان شيلة قد كبر و هي لم تعط له زوجة

38: 15 فنظرها يهوذا و حسبها زانية لانها كانت قد غطت وجهها

38: 16 فمال اليها على الطريق و قال هاتي ادخل عليك لانه لم يعلم انها كنته فقالت ماذا تعطيني لكي تدخل علي

38: 17 فقال اني ارسل جدي معزى من الغنم فقالت هل تعطيني رهنا حتى ترسله

38: 18 فقال ما الرهن الذي اعطيك فقالت خاتمك و عصابتك و عصاك التي في يدك فاعطاها و دخل عليها فحبلت منه

38: 19 ثم قامت و مضت و خلعت عنها برقعها و لبست ثياب ترملها

38: 20 فارسل يهوذا جدي المعزى بيد صاحبه العدلامي لياخذ الرهن من يد المراة فلم يجدها

38: 21 فسال اهل مكانها قائلا اين الزانية التي كانت في عينايم على الطريق فقالوا لم تكن ههنا زانية

38: 22 فرجع الى يهوذا و قال لم اجدها و اهل المكان ايضا قالوا لم تكن ههنا زانية

38: 23 فقال يهوذا لتاخذ لنفسها لئلا نصير اهانة اني قد ارسلت هذا الجدي و انت لم تجدها

38: 24 و لما كان نحو ثلاثة اشهر اخبر يهوذا و قيل له قد زنت ثامار كنتك و ها هي حبلى ايضا من الزنى فقال يهوذا اخرجوها فتحرق

38: 25 اما هي فلما اخرجت ارسلت الى حميها قائلة من الرجل الذي هذه له انا حبلى و قالت حقق لمن الخاتم و العصابة و العصا هذه

38: 26 فتحققها يهوذا و قال هي ابر مني لاني لم اعطها لشيلة ابني فلم يعد يعرفها ايضا

38: 27 و في وقت ولادتها اذا في بطنها توامان

38: 28 و كان في ولادتها ان احدهما اخرج يدا فاخذت القابلة و ربطت على يده قرمزا قائلة هذا خرج اولا

38: 29 و لكن حين رد يده اذ اخوه قد خرج فقالت لماذا اقتحمت عليك اقتحام فدعي اسمه فارص

38: 30 و بعد ذلك خرج اخوه الذي على يده القرمز فدعي اسمه زارح .

 

هذه الدراما الجنسية القبلية نجدها كثيراً في التوراة لدرجة أنه من الصعب فصل التفكير بقبلية اليهود عن إنجازاتهم التاريخية هذه !!!

ما يوضحه النص السابق أن ثامار لم تكن منقبة بل كانت ترتدي ثياب ترملها وحين عزمت على تغيير الوضع الذي هي به " تغطت ببرقع " و " تلففت " وجلست على الطريق " فنظرها يهوذا وحسبها زانية لأنها كانت قد غطت وجهها " ، هذا الكلام خطير جدا لأنه يوضح أن العاهرات وعلى الأرجح عاهرات المعابد المقدسة كن إذا خرجن من المعبد تبرقعن او تلففن لكيلا يعرفهن الناس فالزنا في الشرق لازال لليوم مرفوضاً ومرذولاً أما النساء الأخريات فلم يكن يفعلن ذلك ، وإذا ما قمنا بالقياس الإسلامي هنا ( التوراة كتاب مقدس عند المسلمين والمسيحين ) فإن هذا النص إشكالية كبرى .

إشكاليات النص السابق عدا عما ذكرنا هي أن الزنا كان جريمة ولازال ويعاقب عليها في اليهودية بالرجم او الحرق كما في المسيحية و الإسلام وهو حكم قبل – يهودي مستمد من الشريعة البابلية ، ومن جهة ثانية فإن النقاب كانت ترتديه النساء اللواتي يعملن بالدعارة وهذا واضح جداً في النص .

 

نتابع الحديث عن النقاب اليهودي الأسبوع القادم .

 

 



[1] لنلحظ بالتالي أن هذه المجتمعات قد أنتجت حضارتها الكبيرة التي أسست لتطور إنساني عام حتى اليوم ( كان البابليون أول من قسم اليوم إلى 24 ساعة والسنة والشهر بالمفاهيم المعاصرة ) .

[2] أود التوضيح أن هذه القراءة قراءة سريعة غير مدققة بالشكل الذي أرغبه الآن ، وأرحب بأي نقد لها .

[3] لن ندخل في جدل امتصاص اليهودية للفكر المشرقي العربي المصري أو السوري في تكوين مفاهيم التوحيد وتكوين كثير من المفاهيم اليهودية على ضوء تراث المنطقة ، التوحيد المشرقي أكيد كان قبل اليهودية ولكننا نتحدث عن الدينات الرسمية التي أصبح معترفاً بها كديانات توحيدية عبر العالم المعاصر .

أنت الآن هنا