يتحدث كارل ماركس عن الفرق في السلوك الاجتماعي بين الإنسان والحيوان بمثال شهير في كتابه الأشهر رأس المال فيقول ما معناه :
" يتميز الإنسان عن النحلة بأنه يتصور العمل في ذهنه أولاً في حين أن النحلة تنتج خلايا الشهد بموجب برنامجها الغريزي . إن أغبى نحلة تتفوق على أذكى مهندس في صنع خلايا الشهد في حين أن أغبى مهندس يتفوق على أي نحلة في تنوع النماذج التي ينتجها وفي تنويع صور هذه النماذج كبناء البيوت والمنشآت التي تتنوع تبعاً لظروف الزمان والمكان ".
وهذه الحقيقة المجردة والبديهية يوافق عليها المؤمنون كما الملحدون ، وهي ليست سوى تقرير لرؤية عين ثاقبة ترى هذا الفارق بين المجتمعين البشري والحيواني بشكله الأدق السلوكي والفكري معاً .
المجتمع الحيواني تبرمجه وتسيره الطبيعة وتغيراتها وهي وحدها الكفيلة بإحداث تغيير سلوكي لأي حيوان أو نبات دون مستوى البشر إن لم يتدخل الإنسان ، والشواهد كثيرة على الأمر أبرزها انقراض الديناصورات والعديد من الحيوانات والنباتات لاحقاً وظهور أنواع جديدة من الحشرات مقاومة للأدوية مثلاً عند تدخل البشر في سياق الدورات الطبيعية ( كما هو حال فراشة توتا- سوتا المخربة لثمار البندورة حالياً في الساحل السوري التي لم تعد تنفع معها الأدوية المعتادة ) .
أما البشر وهم دون أي ادعاءات جنس حيواني متطور ، فعند هؤلاء يقوم الوعي ببرمجة نفسه بنفسه من خلال استخدام الموروث الثقافي والحضاري للجنس البشري ومن ثم إنتاج بنى الثقافة التي تحكم الطبيعة البيولوجية للإنسان ، كما تبرمج في نفس السياق النظام الاجتماعي بحيث يحقق إشباع حاجاته البيولوجية والمعرفية والوجودية في آن واحد وينقل هذا المجموع إلى مرحلة جديدة تخلق وضعاً جديدا يتيح صعوده أو هبوطه عبر مسار الصيرورة الاجتماعية المتعدد المخارج والاحتمالات.
بنى الثقافة هذه ليست مجرد الثقافة بمعناها النخبوي أو المتداول كفعل أو شكل خارجي / داخلي بين الناس ( كتاب، مسرح ، ميديا ...الخ ) ، إن كل فعل ينم أو يخرج عن سياق البيولوجيا إلى أي سياق آخر هو فعل ثقافي بما فيه السؤال الوجودي والذي هو أول أسئلة الثقافة البشرية ، هذا الفعل الثقافي يتمركز في قلب البنية الاجتماعية ويتكامل ويتصارع ويتحاور معها ، يتفارق ويلتقي معها في سياقاتها وحواملها التعبيرية وعلى رأس هذه الحوامل موضوعة " الدين " وعديد التعبيرات التي تتمظهر عبر قنوات كثيرة يلعب التاريخ والفكر والسلطة والمكان والزمان العام والخاص دوراً كبيراً في تشكيل مشهدها الكامل وحضورها في قلب هذه الثقافة المجتمعية وهو ما يدعوه إيميل دوركهايم " المحل الاجتماعي" لأنه " يشير إلى كلية المجتمع وليس إلى وظيفة محددة " وهو أيضاً " حقل الممكنات المفتوح أمام مجتمعه " .
على هذا فإن الثقافة تضخ في المجتمع أشكالها التعبيرية بعد مرورها في مختبر المحل الاجتماعي الواسع والمتعدد التكوين ولكن لهذا المحل شؤون أخرى يجب التوقف عندها .
لقد سار المجتمع البشري عبر رحلته الطويلة حالماً بالعدالة والمساواة والحرية ، هذه الشعارات الثلاثة تعددت ألفاظها ولازالت حتى اليوم هي الحلم ـ الهاجس للبشرية ككل ، وهي التي صنعت الحضارات العظيمة وهي التي أنهتها أيضاً بالحروب والمعارك الكثيرة بين البشر منذ قديم الأزمان ، وهي أيضاً آخراً التي خلقت الرسالات السماوية سواء قلنا أن مصدرها مفارق للوعي البشري أو قلنا أنه من إنتاج أكثر البشر تطوراً أو أكثرهم حلماً بها .
لعب المحل الاجتماعي دوراً كبيراً في استمرار البشر ككيان مجتمعي يستمد إحساسه بالاستمرار من الشعور القديم ذاته ، شعوره بالمخاطر المحيقة به من الطبيعة ( أمطار غزيزة، زلازل ، براكين ، حيوانات مفترسة ...[1]) وبالتالي تكاتف البشر حول ( مساحة وجودية ) هي سياج استمرارهم الكوني فهي داخلاً محراك إنتاجهم لمعنى وجودهم ( معاً ومفرداً ) بدء بالروابط الاجتماعية المقنونة بالأخلاق العامة والخاصة لكل ( محل اجتماعي ) وصولاً إلى مفاهيم النظام السياسي والدولة والديمقراطية والجماهير وغيرها من أحدث آخر منتوجات المحل الاجتماعي المتسق مع داخله ( أي مع هويته بتعبير آخر ) .
إن حقل المحل الاجتماعي هو محل الشعور المشترك ( بتعبير دوركهايم أيضاً ) فهو محل اللقاء والحوار بين الأفراد والمجتمع ، وبين المجتمع وتجلياته الثقافية ، وهو المكان ـ الزمان المفصلي (بكسر الميم وتسكين الفاء ) حيث تنتج الهوية الوطنية .
وكي لا يبقى الكلام السابق مجرداً فإن أبلغ مثال عن الفكرة هو في الواقعة التالية وقد حدثت أواخر الخمسينات ورواها رئيس الوزراء السوري الراحل خالد العظم في مذكراته : فقد ذكر أنه أثناء زيارته لمدينة حمص وحماة استقبله الجمهور برميه بالبيض البلدي والبندورة احتجاجاً على إهمال تنمية المنطقة ، القوى الأمنية المرافقة لرئيس الوزراء قامت باعتقال بعض المواطنين ورمت بهم في سجن دمشق المركزي وتم إعلام العظم بذلك فما كان منه إلا أن أمر بإطلاق سراحهم فوراً فكان له الأمر .
إن المحل الاجتماعي هنا هو هذا الجمهور الذي يعرف ما يريد فيختار وسيلة للتعبير عن غضبه أو احتجاجه أو رفضه للوضع الذي هو فيه ، أي أنه يملك أمرين : الأول الذات الفاعلة الجمعية المحققة لهويتها وكينونتها ، والثاني المنتج الثقافي وبهذا المنتج يقاوم تغريبه ويؤسس لحضوره الفاعل على أرض الواقع ، وهنا ننتبه إلى أن رد فعل السلطة سيكون على نفس السياق يمتلك الرد العقلاني بسبب الفعل العقلاني وبسبب المنتج الثقافي خلافاً لما كان سيحدث فيما لو أن هذا المشهد قد حدث في زمن آخر لاحق : لن يضرب الناس رئيس الوزراء بالورد حتى لأن هناك تغييباً حدث لكامل ساحة المحل الاجتماعي وحل بدلاً عنه جزر مقطوعة وأفراد منفردين وتجمعات فردية قبلية .
ويمكن بالتالي القول أن استيلاء قوى غريبة على هذا المكان يصيب الشعب ( أي شعب كان ) بالتشتت الثقافي ([2]) ، القوى الغريبة التي نتحدث عنها لا تعني العامل الخارجي ( خارج المحل الاجتماعي ) فقط بل هي كذلك في لب المحل الاجتماعي يقود إلى نشوؤها عوامل عديدة هي الهدف من كل هذا الحديث .
ماهي هذا القوى الغريبة على المحل الاجتماعي وهي من لبه في آن ؟؟
إن القوى الغريبة لها مؤسسان اثنان : الأول هو النخبة الإيديولوجية الزائفة التي تحوِّل قضايا المجتمع إلى شعارات مستهلكة فارغة المعنى والمبنى كحال الأنظمة وأكثر المعارضات العربية في خططها التنموية والمجتمعية والسياسية وغيرها ، والثاني هي العاملة من الخارج كالعولمة حالياً أو الغزو الخارجي والاحتلالات سابقاً وحالياً[3].
تقوم النخب الإيديولوجية المعاصرة في أغلبها في دولنا بتحويل قضايا المجتمع إلى مجرد دوغمائيات تقوم بتشريد القضايا الرئيسية إلى قضايا فارغة المضمون مستهلكة كلامياً تدعم سياسة النظم الحاكمة ـ أية نظم ـ في عدم رغبتها الحقيقة في تحقيق النهوض المجتمعي السوي والممكن لأسباب عائدة إلى بنية هذه الطبقات الحاكمة التي لا تملك الأصالة المعرفية والطبقية لتحقيق هذا النهوض ، يتوازى معها في نفس الفعل العامل الخارجي الذي لا تحكمه معايير العلاقات أو الأخلاق الإنسانية حتى تلك الأخلاق الاستعمارية التي عرفناها في الاحتلالات الأوربية للمنطقة والتي شكلت لوهلة زمنية عامل تحريض مجتمعي للبحث عن هوية مفارقة .
هذان العاملان شكلا عامل تغييب المحل الاجتماعي من الفعل المجتمعي وأفسحا المجال لظهور تيارات قبل حداثوية كان الزمن كما يفترض قد محاها من الوجود ليحل محلها أنماط أكثر تطوراً تستمد شرعيتها ووجودها من الفكرة الرئيسية لمفهوم الوجود البشري وهي التساوي بين البشر وبين الجنسين تحديداً .
التيارات قبل الحداثوية هذه استمدت طاقتها من مختلف جبهات المجتمع الخاسرة ، فلا تنمية حقيقية حدثت ، ولا تغيير سياسي حدث ، ولا انتصارات عربية حدثت ، ولا تشكيل لهوية وطنية قد حدث ، ولا مؤسسات ولا أحزاب اخترقت غيتوهات المجتمع وحركته ، ومحول الطاقة الرئيسي لهذه التيارات قبل الحداثوية بالنسبة لمجتمعات الشرق كان كالعادة الدين بأسوأ صوره التاريخية : الدين غير المتسامح ، غير القابل للنقد ، غير المعترف بالآخر ، غير القابل للتطور ، والذي لا يعترف بغير الرجل في المجتمع أولاً و آخراً .
لقد احتلت هذه التيارات المجتمعات العربية بشكل وبائي فظ ، فأحالت حتى المنجز الحضاري القليل في هذه المجتمعات إلى دريئة توجه لها سهام التكفير والتنفير وهذه السهام سامة في هذه المجتمعات أكثر من أي شيء آخر خاصة مع كون تدين هذه المجتمعات أحد سماتها الأبدية والتي عززها تغييب الأحزاب العلمانية وارتكاز حتى هذه الأحزاب العلمانية على الدين في البحث عن شرعية مجتمعية تملأ بها فراغ المحل الاجتماعي .
في سوريا مثلاً ورغم كون الحزب الرئيسي في الحكم علمانياً كما تقول أدبياته و ينص على فصل الدين عن الدولة في دستوره إلا أن علاقته مع الدين ظلت في الإطار الشكلاني دون إخضاعه إلى نقد وتجريف وتمحيص تاريخيين أبقت على محددات الإسلام القروسطي شغالة وتفعل فعلها في المجتمع .
تأسيساً على غياب واحتلال المحل الاجتماعي من قبل هذه التيارات ننعطف لنتناول تاريخ النقاب أولاً ومن ثم نتناول موضوعة الأخلاق والطهارة والعفة وغيرها من المفاهيم المرتبطة بالنقاب / الحجاب كأحد أدلجات التيارات الإسلامية ومن ثم ثالثاً سنتناول التأثير التربوي لوجود المنقبات / المحجبات /العاريات في قطاع التعليم وأخيراً سنتناول دور الدولة في الحد من إغراق المجتمع السوري بهذه المظاهر ودور المجتمع المدني على نفس الصعيد .
الجزء الأول من سلسلة مقالات تحت نفس العنوان السابق ، في الأسبوع القادم حلقة جديدة بعنوان تاريخ النقاب .
[1] أنصح وبشدة بقراءة كتاب العالم كارل ساغان " تطور العقل البشري " – منشورات اتحاد الكتاب العرب في سوريا -1995 ترجمة نافع لبس ـ الذي يقدم الأسئلة و الإجابات معاً لمسألة في غاية الأهمية : فهم التطور من وجهة نظر الطبيعة وليس البشر . يمكن لمن يتقن الانكليزية تحميل الكتاب من موقع كارل ساغان مباشرة عبر جوجل بوك www.google.book.com
[2] عن ملفيل هرسكوفيتر ـ أسس الأنثريولوجيا الثقافية ـ دمشق ـ وزارة الثقافة 1979 .
[3] أدين يهذه الفكرة وبعرضها إلى الفيلسوف السوري الراحل أحمد حيدر في محاضرة له بعنوان " الاشتراكية الأخلاقية والعصـر"
