مفهوم النظام العام في قانون الإعلام الالكتروني (3)

لنأخذ الجانب الآخر الذي قد يكون تفسيراً لما تفعله وزارة الإعلام السورية مع الصحف الخاصة والمواقع الالكترونية على حد سواء وهو مفهوم النظام العام وهو أيضاً الجانب الذي يشار إليه في تحفظ الحكومة السورية على توقيعه في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ( المادة 19 ) .

إن هذا المفهوم مطاط جداً ويشار إلى أن المادة 19 قد فتحت ثغرة في القانون الدولي للحقوق المدنية والسياسية بحيث أن تفسير الشروط الثلاثة ( الاستثناءات الثلاثة ) التي يسمح للدول فيها بفرض رقابة على حرية التعبير هي من العبارات الغامضة والتي يمكن تفسيرها على حسب رغبة البلد والشروط هي :


  1. أن تكون تلك القيود محددة بقانون.
  2. أن لا يؤمر بها إلا لأحد الأهداف المقررة بالمقتضيات الواردة في المقطع "أ" والمقطع " ب" من الفقرة الثالثة أي ما يتعلق بالأمور الآتية (حماية حقوق الآخرين وسمعتهم – حماية الصحة العامة- حماية الآداب العامة  وحماية الأمن القومي ) .
  3. أن تبرهن الدولة على أن هذه القيود تعد ضرورية لتحقق الأهداف المشار إليها.

وتشير المادة: 20 من نفس القانون إلى إمكانية فرض قيود أخرى على حرية الرأي والتعبير، إذ تنص على أنه :

  1. كل دعاية لحرب ممنوعة بقانون.
  2. 2. كل دعوة للكراهية الوطنية أو العنصرية أو الدينية والتي تشكل تحريضا على التمييز، والدعوة إلى العنف تعتبر ممنوعة بالقانون .[1]

نلاحظ تعليقاً  على هاتين المادتين أنه :

  1. لا توجد حدود محددة واضحة المعالم للقيود التي على الصحافي السوري الالتزام بها في كتاباته سوى تلك العبارة التي تختم بها عادة  مطالعات المحاكم في قضايا النشر من قبيل " إضعاف الشعور القومي والنيل من هيبة الدولة و..... " وهي عبارة إذا ما زيحت من النص القضائي بدت عبارة غائمة جداً فلا يمكن تفسير إضعاف الشعور القومي نتيجة لكتابة مقال سوى بتأثير كبير لهذا المقال على الشارع وتسببه باضطرابات ومشاكل بين الدولة والمجتمع بمعنى تسببها بضرر شديد على المجتمع وهو ما لا يحدث من جهة ، إلا إذا كانت الكتابة عن الفساد تتسبب بتلك الاضطرابات ، أو أنها من قبيل تناول ما يخرق أسرار الدولة العسكرية والتقنية وهي من العناصر التي يجب فعلاً تقييدها وهي أيضاً العناصر ذاتها التي لا يتناولها صحافيونا إلا فيما ندر منطلقين من احترام ذاتي ووطني للدور السوري في العالم والمنطقة . قبل فترة قريبة اتصل بي صحفي سوري معروف يريد الكتابة في موقعنا وسألني قبل أي شيء أن: هل هناك سقف محدد للكتابة في الموقع ؟؟ أجبته أن السقف الوحيد هو الوطن ومصلحة الوطن ، وأن أي شخص داخل هذه البلاد أياً كان موقعه هو تحت هذا السقف ، أردف الصحفي: ولكن ألست معي أن هذا السقف مرتفع جداً ويقود إلى إغلاق الموقع ؟؟ وأن هذا الكلام من وجهة نظر وطنية وصحفية نظرياً صحيح ، وعملياً دون ذلك أهوال وأهوال ؟؟ وأضاف : سأعطيك مثالاً يوضح وجهة نظري : قبل فترة كتبت عن سرقة وتدمير بعض الآثار في محافظة شمالية وبالأدلة والوثائق ونشر المقال في صحيفة حكومية ورقية ، ردت علي مديرية الآثار في تلك المحافظة الشمالية بدعوى قضائية ! ليس للصحفي حصانة حقيقية ، وقانون الصحافة الأخير لم يقدم أي دعامة أو سند حقيقي للصحفي ليحقق مقولة السلطة الرابعة لا بل إن نقابته العتيدة بالمطلق تقف في الصف الآخر ، وأضاف الصحفي السوري أن هناك من ينظر بريبة وشك للصحفي السوري فهو إما يلمع ويبيض ويمدح وإما ينتقد وينق ويسرب معلومات وهو في الحالين مرتش ويقبض !!  اقترحت على الصحفي الذي لم ألتق به ودار كل الحوار عبر أحد المواقع المحجوبة في سوريا أن نحدث جائزة للصحفي صاحب العدد الأكبر من الدعاوى القضائية !! وجائزة مماثلة للموقع السوري صاحب العدد الأكبر من الدعاوى القضائية !! وإن كان رفع الدعاوى القضائية أمر شائع وقانوني وحق لأي جهة فرداً كان أم مؤسسة فإن منطق اللجوء إلى القضاء ينتقص من قيمة العمل الصحفي ويحيله إلى عمل مشبوه رغم الثقة المفترضة بالجهاز القضائي السوري ، انتقاص قيمة العمل الصحفي يأتي من كون الجهة المدعية لا تؤمن بالمسائلة ولا تؤمن بغير نفسها حكماً وقاضياً في مسائل هي في الأصل شأن عام ويحق لأي مواطن تناولها وتجريدها ومعاينتها والمحاسبة عليها لأن الوطن يبقى أهم ومصلحته فوق كل المصالح الشخصية التي هي على ما يبدو شعار هؤلاء وهدفهم في الحياة .
  2. حماية حقوق الآخرين هي الأخرى عبارة مطاطة ، فهل الكتابة عن فساد شخص ما تعتبر تعدياً على حقوق الآخرين في الفساد ؟؟ و لكن تفهم هذه العبارة في ضوء الإعلام الغربي بشكل أفضل حيث يتم كثيراً اختراق الحياة الشخصية للأفراد المشهورين والتقاط صور فيها تعد واضح على الحريات الشخصية وهو أمر غير متوفر في بلادنا وغير مطلوب توفيره ، إن حقوق الآخرين على الصحافي الورقي أو الالكتروني يجب تحديدها بشكل دقيق عبر قنوات قانونية بدون وضعها ـ الحقوق – كشماعة يعاقب عليها الصحافي أو يمنع بسببها من العمل .
  3. إن حماية الصحة العامة ومنع إثارة إشاعات أو معلومات تسيء إلى النظام العام هي إحدى القنوات الإشكالية أيضاً بين البندين الآخرين رغم وضوحها اللفظي العام ، وكتوضيح فإن معركة شركات التبغ العالمية مع حكوماتها هي أبرز مثال على التداخل بين الصحة العامة والأذى الفردي والتشريع القانوني فقد سئل المدير التنفيذي لشركة ويليامسون الأميركية أمام المحكمة : هل يسبب التبغ الإدمان ؟ فأجاب أنه     لا يسبب الإدمان . وهذه الشهادة نقضها أحد العلماء في نفس الشركة فتم تجريده من جميع الامتيازات التي نالها عبر عمله في الشركة وتم تسريحه من الوظيفة . هذه الحالة الإشكالية بين حماية حقوق الآخرين ( الشركة ) يقابلها حماية الصحة العامة (المواطنين ) أوقعت المحكمة الأميركية  في مشكلة تحديد المسؤولين عن الأذى وكيفية قنونة المسافات والسويات بين المجتمع والشركات [2].
  4. حماية الآداب العامة ، وهذه هي الأخرى موضوعة قابلة للالتباس ، فما قد يعد بنظر السوريين آداباً عامة غير متفق عليه إجمالاً حيث يعاني القانون السوري من بقاء بعض القوانين العثمانية أو الفرنسية أو حتى السورية غير المتناسبة مع التغيرات التي طرأت على المجتمع السوري إلا أنه هنا يمكن اعتماد هذا القانون على العموم في هذا الأمر مع توضيح العلاقة الرابطة والناظمة له في قانون الإعلام الإلكتروني.
  5. حماية الأمن القومي هي هاجس سوري بامتياز وبحق وبضرورة ، سوريا عبر تاريخها كانت ولازالت هدفاً يبحث عنه الطامعون والغزاة ومن لف لفهم وهذا الأمر ليس من باب العاطفة أوالمداراة  لتبرير السياسة الأمنية وهذه الأخيرة حكاية أخرى ، ولكم أن تذكروا إمبراطورية نشأت في العالم القديم ( والحديث ) لم تفكر بغزو سوريا أو ترك موطئ قدم لها داخل البلاد أو بجوارها ولمن يريد التأكد مراجعة أي كتاب مرتبط بتاريخ سوريا القديم والحديث ( كعينة جديدة كتاب روما والعرب – عرفان شهيد ـ ترجمة قاسم سويدان ـ  منشورات كيوان للنشر ـ دمشق – 2009 ) ، من هنا فمن حق البلد أن يضمن أمنه القومي واستقراره ولكن ما هي عناصر الأمن القومي التي يجب أخذها بعين الاعتبار في الكتابة الصحفية ؟؟ هل هو الجيش بكادره البشري والتقني وتسليحه وتوزعه وخططه فقط أم أن الموضوع يمتد ليشمل عناصر أخرى يجب التفصيل فيها في القانون بشكل دقيق منعاً ودفعاً لأي التباس قد يقع بين الصحفي وأي مؤسسة لها علاقة بموضوع الأمن القومي  ؟. إن تحديد هذه المفاهيم بشكل دقيق ومن قبل المعنيين هو مفتاح التخلص من كثير من الإشكالات التي يمكن أن تحدث وليس بينها بالتأكيد العبارة الشهيرة " إَضعاف الشعور القومي وتوهين نفسية الأمة " الخ هذه العبارات التي فيها من السخرية والمرارة الشيء الكثير والتي لا علاقة لها تأكيداً بموضوع الأمن القومي للبلاد .
  6. وعطفاً على البند السابق ، فإن سورية بلد متعدد الأديان والقوميات ، وهذا يجب أن يصبح مصدر قوة له وليس مصدر تهديد لسلامة البلد وأمنه القومي ، إن أية محاولة أو دعوة لتهديد الكيان الوطني تحت أية مسميات دينية أو قومية أو عنصرية أو سياسية من قبيل الديمقراطية وحقوق الإنسان وهذه أصبحت مطية للتدخل في شؤون الدول خاصة تلك السياسات التي تتبناها الولايات المتحدة الأميركية لمصلحتها العابرة للقارات أو الانفصال عن كيان الدولة كما هو حال بعض التنظيمات الكردية في سوريا ، هي جميعها محاولات مرفوضة ويجب أن ينص عليها في القانون بشكل واضح بما في ذلك الاتصال بدول أجنبية لتحقيق أهداف سياسية أو غير سياسية ، دعونا قليلاً نتوقف هنا لأن هذه إشكالية سيختلف عليها أصحاب المواقع الالكترونية خاصة تلك الممثلة لتوجهات سياسية داخل سوريا أو خارجها والتي تخضع في سياساتها التحريرية إلى  أجندات هذه الجهات .
  7. إن تناول ونقد السياسة الحكومية ووضع الديمقراطية داخل سوريا ووضع السجون وتواجد المعارضة يجب أن يتشرعن عبر هذا القانون أو غيره من القوانين ذات الصلة ، ذكرنا سابقاً أنه لا يوجد بلد مثالي ، لا يوجد بلد لا يختلف سياسيوه أو مفكريه أو ناسه وهذا من سنن الحياة والحضارة وليس من في الحكم هم الأقدر دائماً على تقرير صوابية توجه معين من عدمه ، إن الاختلاف عامل تعزيز للوحدة الوطنية فهو الضوء الذي يسلط على جميع مناحي الحياة السياسية والحزبية والأخلاقية وغيرها يستوضحها ويستنطقها ويوجهها لما يعتقد انه الأصوب ،  والاختلاف في الرأي " لا يفسد للود قضية " كما يقول القول الشهير . إن القانون الدولي أوضح أن الهدف في النهاية هو سلامة المجتمعات وأمنها وتطورها من ثم وليس إغلاقها وتجييرها وتسييرها حسب رغبات الحكومات التي ما هي إلا بشر يخطئون كما يصيبون .
  8. نصل هنا إلى موضوع حجب المواقع الالكترونية السورية وغير السورية ، هذا الحجب الذي تمارسه مختلف دول العالم للأسف ، وتكاد تكون الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي ليس لها قوائم حجب للمواقع ، ولكن في ذات الوقت يبدو أن هذا الحجب لا يكلف المستخدمين الراغبين بالوصول سوى تغيير بضعة أرقام  في عنوان البروكسي وتغيير رقم المنفذ ! هذا الحجب لا يؤدي إلى وقف النشر لدى الموقع المحجوب ، ومن يفعل الحجب يضحك على نفسه قبل أن يضحك على من أصحاب الموقع أو متابعيه ، هناك في العالم شيفرة يتفق عليها راغبي فتح المواقع المحجوبة تجد دائماً منفذاً لأي حجب ، وفي سوريا ، والسوريين مشهورين بذكائهم ستجد مئات البرامج الصغيرة التي تصلك بأي موقع في العالم وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي فمثلاً قدم أحد الأفراد الصينيين بريمجاً صغيراً ( حجمه نصف ميجا ونقال لايحتاج إلى التنصيب ) انتشر بسرعة البرق على كل الأجهزة وتم تبادله بين المهتمين عبر البلوتوث والبريد الإلكتروني ، هذا البريمج يفتح أي موقع محجوب ليس في سوريا فقط بل في العالم كله ، حين وعت مؤسسة الاتصالات به أغلقت منفذه ولكن كان قد ظهر تحديث له يتجاهل هذا المنفذ ويفتح منافذ جديدة ولازالت المعركة غير المرئية مستمرة بين البريمج ومؤسسة الاتصالات ، وكمثال آخر فهناك موقع روسي www.somair.ru/proxy يضم لائحة كاملة بأنواع البروكسيات المفتوحة في العالم ، وهناك أمثلة كثيرة يعرفها السوريين جيداً ، ولكن هذا الحل على سهولته وصعوبة مراقبته لا يعني أنه الحل ، الحل هو إلغاء الحجب بالمطلق لأي موقع الكتروني فالحجب من جهة يساهم سورياً في إشهار الموقع وبالتالي زيادة عدد زواره وفتح جبهات جديدة وربما إغلاق محاولة حوار ممكنة ، الحل هو الحوار بالتالي مع أي مادة قد تشكل حالة خلافية مع أي مؤسسة أو شخصية سورية ، وهنا نصل إلى الشفافية المطلوبة في تعامل المؤسسات السورية مع العالم ومع مواطنيها قبل أي آخر
  9. الحجب وفق مسودة القانون الجديد يجب أن يتم بناء على قرار قضائي مستعجل أو على قرار وزير الإعلام ، كلا الأمرين مشكلة حقيقة ، القضاء السوري ليس مؤهلاً للفصل في قضايا النشر الورقي فما بالك بالإلكتروني حيث الفضاء القانوني مفتوح على مصراعيه على الاجتهادات والاختراعات والشكاوى أيضاً ، كما أن قرار الوزير الفردي ( ربما هو ليس كذلك لست أدري ) يشكل هو الآخر افتراقاً منهجياً في ضرورة الحوار مع الصحفي صاحب المادة المسببة للحجب (حسن النية هنا مفترض )  خاصة إذا كان سورياًً وهو المطلوب في كل الأحوال ونعود هنا إلى الشفافية وضرورتها في العمل الصحفي كما في الحقوقي والقانوني والوزاري .

نخلص تعليقاً على المادة "19"من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية إلى أن استناد قانون الإعلام والاتصال السوري عليها منوط بتحديد دقيق وشفاف لعناصرها كما في عناصر القانون كاملة وتفادي أية عبارات أو جمل مطاطة يمكن أن تخلق  تفسيرات مختلفة .




[1] Comite des droits de l'homme: observation générales adoptés conformément au paragraphe 4 de-  l'article 40 du pacte international relatif au droits civils et politique: document c, c p r/c/21 rev 19 Mai 1989 p: 13.


[2] استغلت السينما الأميركية هذه القضية في واحد من أفلامها الجميلة فيلم The insider مضافاً إلى الأمر تعامل وسائل الإعلام مع القضية والضغوطات الشديدة التي مورست عليها لإخفاء الحقائق .

أنت الآن هنا