ليست وزارة الإعلام السورية وحدها في معركة حجب المواقع الإلكترونية السورية ، هناك جهات عدة خارجها تبدو معها وزارة الإعلام الجهة الأضعف في هذه المعركة ، هناك جهات أمنية وهناك الأهم من هؤلاء : الفاسدين والمفسدين وأرباب المؤسسات العامة المخسرة والذين لا يهنأ لهم بال ولا يغفل لهم جفن في حربهم على مواقع الانترنت السورية خاصة وأن ردودهم الرسمية في الصحف الرسمية تفضح ادعاءاتهم وكذبهم الصراح وتبقى في إطار العموميات.
سنتناول دور كل جهة من هذه الجهات ولكن لوزارة الإعلام أفعال لا يعرف تفسيرها إلا في سياق نظرة شمولية شاملة لآلية العمل في الوزارة نفسها ، وكي لا يبقى الكلام السابق مجرداً من واقعيته نقرأ هذه الوقائع الصحفية ونعلق عليها :
- 15/6/2008 ـ تم منع توزيع العدد 38 من مجلة Syria Today بقرار شفهي من وزارة الإعلام بسبب جملة وردت في حوار أجرته المجلة مع الأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي المعارض المحامي حسن عبد العظيم.
- - 15/7/2008 إغلاق مكتب جريدة الحياة اللندنية في دمشق و منع توزيع الجريدة داخل سوريا بقرار شفهي من قبل وزارة الإعلام السورية، على خلفية نشر مقال يتناول المشاركة السورية في قمة الاتحاد من أجل المتوسط التي عقدت في العاصمة الفرنسية باريس للكاتب السعودي داود الشريان.
- - 20/7/2008 الحكم غيابيا من قبل محكمة بداية الجزاء الأولى بدمشق على الصحفي وعد المهنا بالسجن شهرين و تغريمه مائة ألف ليرة سورية و إلزامه بدفع مبلغ خمسمائة ألف ليرة سورية للمدعي وزير الثقافة رياض نعسان آغا القلعة على خلفية مقالات تطالب بحماية التراث التاريخي لمدينة دمشق.
- - 14/9/2008 منع توزيع العدد 174 من مجلة بورصات و أسواق بقرار شفهي من وزارة الإعلام بسبب مقال بعنوان ( الفقر للناس الأرباح للتجار، و التصريحات للحكومة) .
- - 17/9/2008 اعتقال الصحفي داوود خليل داوود الماني حيث تم توقيفه بسجن اللاذقية لمدة 6 أيام من ( 17 – 22 ) أيلول و من ثم إبعاده خارج الأراضي السورية يوم 23 ظهرا إلى الحدود الأردنية و ذلك دون توجيه أي اتهام أو إجراء تحقيق على خلفية نشره لتقارير حول قضايا فساد في محافظة اللاذقية.
- - 28/9/2008 منع توزيع العدد 176 من مجلة بورصات و أسواق بقرار شفهي من وزارة الإعلام دون معرفة الأسباب.
- - 12/10/2008 منع توزيع العدد 177 من مجلة بورصات و أسواق بقرار شفهي من وزارة الإعلام بسبب لقاء مع النقابي إبراهيم اللوزة بعنوان (التشريع و لعبة شد الحبل بين الفريق الاقتصادي الحكومي و النقابات ) .
- - 25/10/2008 وزارة الإعلام خيرت مالكي مجلة المجتمع الاقتصادي إثر (انزعاجها) مما كتب في المجلة عن نبش القمامة ومما قاله النائب حنين نمر عن غياب قرار مجلس الشعب: بين أن يتم إلغاء ترخيص المجلة، أو تقديم طلب من قبل المالك بأن يتوقف عن إصدار المجلة لمدة شهرين لضائقة مالية.
- - 3/11/2008 فصل الشاب (ا. م) من عمله بناء على طلب من رئيس مجلس مدينة صافيتا على خلفية كتابته مقال في موقع www.safitaclub.com حول مجلس مدينة صافيتا و الفساد و سوء الإدارة فيه.
- - 22/1/2009 منع مجلس محافظة مدينة دمشق الصحفيين في جريدة الثورة من تغطية أعمال جلسته و طلب منهم الحصول على المعلومات حصرا من المكتب الصحفي للمحافظة.
11 ـ في 22/4/2009رفضت وزارة الإعلام السورية تزويد صحفيين بقائمة الصحف الخاصة التي تصدر في سوريا و قائمة الصحف التي تصدرها الجهات الحكومية.
12 ـ عمم وزير الإعلام محسن بلال في 13 آب/2009 ، قراره بمنع الصحفي المستقل إبراهيم الجبين من ممارسة مهنته في القناة الفضائية الرسمية، “السورية”، وتصوير حلقات جديدة من برنامج “العلامة الفارقة”، من دون أن يعطي أي تبريرات.
ولفت برنامج “العلامة الفارقة” الأنظار لجرأة أسئلة المقدم، وقد ألغي أو أخرّ بث العديد من حلقاته. وفي 7 آب/ الماضي، تضمنت الحلقة مقابلة مع رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشعب، سليمان الحداد، وهو أحد الأصدقاء القدماء لمحسن بلال. وقد تكلم الضيف، وهو عضو في حزب البعث، عن تاريخ الحزب قبل العام 1970 حين وصل الرئيس حافظ الأسد إلى الحكم، وتوقف بشكل خاص عند الخلافات التي نشبت بين الرئيس الراحل وأعضاء آخرين من إدارة الحزب مثل صلاح جديد الذي سجن منذ توقيفه عام 1970 حتى وفاته عام 1994، ولم يتمكن يوماً من الوصول إلى وسائل الإعلام السورية. لقد صدر قرار منع بث البرنامج عن الوزير نفسه. وقال إبراهيم الجبين في هذا الإطار: “أجهل السبب الذي دفع الوزير إلى اتخاذ قرار منع بث العلامة الفارقة” .
13ـ في 22/11/2009 اعتقال الصحفي معن عاقل من مقر عمله في جريدة الثورة دون إيضاح الأسباب وذكرت مصادر لاحقاً أن اعتقال معن جاء على خلفية مقال ينتقد الفساد في وضع المخطط التنظيمي لمدينة اللاذقية .
دعونا الآن نحلل هذه الأحداث ونستقرىء خفاياها :
أولاً : ما هي العناصر الرئيسية في قرارات المنع الوزارية هذه ؟؟
الوضع الداخلي : انتقاد عمل الحكومة المعظمة ـ انتقاد عمل الوزارات ـ انتقاد الوضع الاقتصادي الداخلي ـ انتقاد الفساد الحكومي وفي كل المحافظات السورية ـ قراءة التاريخ السوري المعاصر بشكل يختلف عن التاريخ الرسمي المعروف .
الوضع الخارجي : لا يوجد انتقاد حقيقي للسياسية الرسمية السورية الخارجية حيث يتفق أغلب السوريين عليها في الإجمال ولكن الانتقاد يكون موجهاً لضعف أداء وزارة الخارجية في المحافل الدولية وفي المؤتمرات التي تقارب المنطقة بشكل خاص .
إذاً بين هذا وذاك يبدو الوضع الداخلي أشد سوء في علاقة وزارة الإعلام بالصحافة المكتوبة والمرئية والالكترونية ( وهذه نفرد لوقائعها باباً خاصاً لاحقاً ) فما الذي يزعج وزارة الإعلام في الوضع الداخلي حتى لا تسمح بتناوله وعرضه ونقده وانتقاده عبر وسائل إعلام محلية بالدرجة الأولى ؟؟
هل وزارة الإعلام في صف الفساد أم أن مفسديها يتفقون مع مفسدي الوزارات الأخرى ؟؟ أم أنه لا هذا ولا ذاك فهذا هو عمل الوزارة : تقديم الصورة الناصعة البياض للعالم ؟؟ قد يكون ذلك ولكن تقديم الصورة الناصعة بهذا الشكل لم يعد مفيداً وأصبح هذا النمط الإعلامي في خبر كان واليوم أكثر الإعلام العالمي يتعامل بصدق وشفافية مع الأحداث المحلية وتطور عمله باتجاه مقارعة ومقاومة الفساد البشري والبيئي والاقتصادي والاجتماعي ، وهذا الفعل يعتبر اليوم حجر الأساس في نهوض المجتمعات ونهضتها وانتقالها الحضاري من مجتمع يخبئ رأسه في رمال الكذب والمداراة إلى مجتمع متحرر يثق بنفسه وبأفراده وبأدواته المعرفية ويخلق عبر ممارساته النقدية الهوية الوطنية المتحررة من التبعية لأي كان وعلى رأسها وسائل الإعلام الخارجية المرتهنة دون أدنى شك إلى جهات لها مصالحها وأجنداتها وقنواتها ولها ـ وهو الأهم ـ رؤيتها الإعلامية الخاصة بالبلد الذي تتناوله بالتحليل والخبر .
هل نحن مضطرون للبحث عن الخبر السوري المحلي خصوصاً أياً كان في وسائل الأعلام الخارجي لتبقى عقدتنا مع راديو مونت كارلو وإذاعة لندن مستمرة منذ عقود كثيرة ؟ وهل نحن مضطرون لنسمع تحليلات الوضع الداخلي السوري من قبل أناس أغلبهم لا يعرف بدقة تفاصيل الوضع الداخلي ؟؟ والأهم هل نحن نعيش في بلد خال من المشاكل والمشكلات ولا يوجد به سوى المن والسلوى وتجري في أنهاره الحليب والعسل ؟؟ بالتأكيد لا يوجد مثل هكذا بلد على سطح الكرة الأرضية ، المجتمعات المثالية موجودة فقط في المتخيل ، ونحن بشر معرضون للخطأ والصواب وفينا الصالح وفينا الطالح ، ولكن الكل يعيش تحت سقف القانون والدولة ، فإذا كان لوزير الثقافة اعتراض على مقالات الصحفي وعد مهنا فليتفضل ويتحاور معه على شاشة التلفزة الوطنية أو فليرد عليه عبر صفحات الصحافة المحلية الحكومية أو عبر أية قناة أخرى ولكن أن ينبري لرفع دعوى قضائية وهو وزير الثقافة فليس بمستغرب بالتالي على غيره أن يفكر بطرق أشد قمعاً في التعامل مع الصحافة !!
وإذا كان وزير الإعلام يتحسس من نجاح أي برنامج على التلفزيون السوري (كبرنامج العلامة الفارقة وقبله برنامج ابراهيم ياخور وغيره ) فهل يريد برامجاً علي قياس رؤيته للإعلام والتي لا نظنها رؤية كافية لحل مشكلات هذا الإعلام ؟؟ لقد عاش الوزير في فنزويلا وهي بلد تتشابه ظروفه السياسية مع البلد إلى حد ما ، فهل وجد هناك ما يطبقه هنا ؟؟ وعاش في الأرجنتين وهناك ليس من داع لإرغام ومنع الصحافة من أداء عملها المهني باحترام طالما هي تحترم نفسها وتعرف ما تريد وتعرف هدفها ، أخيراً إن الحديث عن " مقاومة الإعلام " للمشاريع الأميركية والصهيونية يأتي من تحصين الداخل ضد الفساد وإطلاق حرية انتقاد الحكومة والمؤسسات والوزارات والهيئات التي هي كما ذكرنا منتج بشري يصيب ويخطئ وليست كتاباً منزلاً لا يأتيه الباطل من أمام ولا وراء وبذلك يستقيم الفعل وتكبر المقاومة و تتعزز في فعلها وحضورها ومصداقيتها .
ومن ثم فهل المشكلة في الوزير أم في الوزارة ؟؟
سواء هذا أو ذاك فإن هذا النمط من العمل لا يليق بوزارة مفصلية في دولة مثل سوريا لها حضورها ووزنها السياسي الدولي ، ولا يليق بالتالي أيضاً بحكومة مؤتمنة على قدرات ومقدرات الشعب السوري .
عندما يقوم أو تقوم الصحافة أياً كانت مصادرها بنقل الوقائع المحلية سواء تلك السارة أم غير السارة فعلى الوزارة البحث والعمل على الخبر وليس على صاحب الخبر أو المطبوعة ، هذه بديهة في العمل الحكومي وكلنا يتذكر كيف كان ـ ولازال ـ التقرير الأول الذي يقرأه رئيس الجمهورية هو تقرير الصحافة المحلية أيام كانت ثلاث صحف فقط حيث كان يوضع خط أحمر أو أصفر تحت أي خبر محلي يتعرض للفساد وتؤخذ الإجراءات المتعلقة به على الفور.
هل يفعل وزارؤنا نفس الأمر أم أنهم عند ورود خبر فيه انتقاد لوزارتهم يبادرون للاتصال بالشؤون القانونية لرفع دعوى ؟؟
الملاحظ هنا أن أكثر وزارتين تتبنيان أسلوب الدعاوى هما وزارتا الإعلام والثقافة وهما الوزارتان الأكثر حساسية في علاقتهما بالجمهور ، في حين أن وزارت أخرى تتعرض للانتقاد العنيف أحياناً وتكون الردود على الأغلب على صفحات الصحافة الورقية والالكترونية على السواء ونسجل هنا اعترافاً وتقديراً واحتراماً لما تفعله وزارة التربية ووزيرها في سياق علاقتها مع الصحافة بأنواعها وهناك نماذج كثيرة على هذا الأمر.
الكاتب كمال شاهين كاتب سوري هيئة تحرير الموقع
