صحاري المدارس السورية !

حدث ذلك في العام 1982  كانت تلك المساحه تعج بأشجار السنديان والتين والبلوط وغيرها ، فجأه اختفى الاخضرار  ونهض مكانه  بناء من طابقين قيل لنا أنه سيأوينا نحن مشردو الدراسه الابتدائيه إذ ذاك، اختفت كل الأشجارالتي شكلت مشهدا بصرياً أخضرا  أقرب  في ثراءه إلي واد مصغر في قلب المدينه ، اختفت الأشجاركما اختفى معها الشعور بتبدل الفصول ،  الأغرب أن واحده من تلك الأشجار كان عمرها فوق المئه صعب اقتلاعها بالبلدوزر فجيء  بمن تسلقها وقطعها ثم أحرق جذعها كي لايبقى لها أثر أوتفكر كعادة الأشجار بالنمو مجددا .


حدث ذلك في العام  82  ، اليوم أمر على باب مدرستي تلك وأحدق في الفراغ أمام المبني الذي صار مدرسة مشهوره ولا أتساءل لماذا قطعت تلك الأشجار،مع أنه كان ممكنا تركها بكل بساطه ، وقتها كان يراد لنا أن نرفع اسم الوطن عاليا بطابة جلبتها لنا مدرسه الرياضه وفاء الدوني وتأكيدا أن نحرر ماتبقى من تراب الوطن المحتل بالتدرب علي الرمي بالبندقيه الخشبيه الوحيده المستقدمه إلى  المدرسه لاحقا.

دارت الأيام وخرجت خارج باب حارتي لأجد المشهد السوري واحد موحداً : بناء من طابقين أو ثلاثه أمامه ساحة عاريه مقطعه إلى مربعات في أغلبها من الباطون المقسى بالبحص البحري توفيرا فإذا كان حظك عاثرا  و أحد دفشك فالأرجح أن مساؤك سيختم بمعركه بين أهلك وأهل من دفشك فيما أنت ترمم جروحك من وقعتك ومن فلقة أبوك لأنك لم تدفش من دفشك.

حين يقوم مهندس أو مجموعة مهندسين بما يفترض أنه عمل هندسي يكون أول سؤال يطرح : لمن يتوجه هذا العمل؟ ونافل القول أن مايلي ذلك هوالتفكير بأفضل التصورات الممكنه لأنجاز العمل ليكون أقرب ما أمكن إلى روح مستخدمي العمل والمستفيدين منه .هذا مايسمى الأبداع، أليس كذلك؟ المدرسه هي بامتياز مكان لصنع المبدعين وهي كذلك فضاء مفتوح لممارسة فن الإبداع المعماري ، ولكن ماذنب المهندس / ين المنفذ / ين إذا كان دفتر الشروط الفني قد وضعه أناس لاعلاقة لهم بالإبداع وهم أيضاً مهندسون ؟؟

اليوم تغمر أغلب ساحات مدارس سوريا غباريات الهندسة تلك ، شتاء تتحول إلى برك لسباحة الأوراق المتطايرة ، صيفاً تمشي فوق لهيب من الباطون المصفح وكأنك تعبر ربعاً خالياً صغيراً متناثراً متكاثراً حول مبنى يفترض أنه واحة للعلم وللحياة .

وفي زحمة الاحتفالات برأس السنة الميلادية  ينسى الناس كثيرا عيد الشجرة والذي يتحول الى طقس فلكلوري يهم العاملين في وزارة الزراعة ووزيرها فقط ، وكأن الشجرة تخص فقط وزارة الزراعة وبالتأكيد فأعداء الشجرة كثر على رأسهم البلديات في المدن والقرى على السواء ومن ثم تليهم وزارة التربية التي تصر وستصر على أن الشجرة مكسب وطني يجب الحفاظ عليها أليست " أختنا في الحياة " ؟؟؟ فيما هي تعمل على قبع وقلع كل أثر للأشجار في أي مدرسة على امتداد الوطن المعطاء وإن لم تفعل ذلك في على الأرجح لم تفكر في الموضوع بعد ، فهناك ماهو أهم .

أيها السادة المخططون / ات :

كما أن علاقة المواطن أياً كان عمره مع الدولة تتكون منذ الصغر على قاعدة الاحترام المتبادل بين الطرفين فإن أحد أشكال تعزيز العلاقة هي إشعار المواطن – الفرد أنه جزء من النسيج العام للمجتمع عبر تكليفه بأداء أعمال ليست من صلب أعمال الدولة بل هي من صلب أعمال المواطن ومن الحاجات التي تهمه أكثر ، لذلك فإن اهتمام المواطن – الفرد بموضوع كالحدائق يأتي ضمن هذه الحاجات ، ومن هنا ضرورة التفكير ملياً بإعادة العلاقة الطيبة بين الأطفال والأشجار عبر المكان الأكثر حميمية لهم : المدرسة .

يجب التفكير من جديد ، يجب نسيان أن حصة التربية البدنية يمكن أن تنفذ بين الأشجار وليس بها ، ليست كرة القدم هي الحل الوحيد لإشغال الطلاب الذكور والتخفيف من كمية العنف التي يختزنونها من الميديا الإعلامية ووسائطها المتعددة ، هناك طرق أكثر لتهذيب المجتمع المدرسي على رأسها هذه الفكرة ، عدا طبعاً عن كثير من الفوائد البيئية الجمة التي يمكن الوصول لها في غضون سنوات حتى لصالح المدرسة ذاتها لو كانت أشجار مثمرة وبالتأكيد نحن لا ندعو إلى بازار مدرسي .

يقول درس في العلوم لتلاميذ الصف الأول : أحافظ  على الحديقة وأشجارها .. إذا كانت الحدائق الحكومية السورية تستنزف ميزانيات البلديات بسبب وجود " العابثين  " الذين يخرجون من مدارسكم يتسائلون عن الأشجار والورود وغيرها من هبات الطبيعة التي لا يشاهدونها إلا في الأفلام الأجنبية والرحلات المدرسية ، لماذا لا يعاد التفكير جديا وملياً في هندسة المدارس السورية كي تتخلص من وجهها الكئيب ومن رسوم الأشجار على حيطانها ؟؟؟


 الكاتب : كمال شاهين ، كاتب سوري ، هيئة تحرير الموقع 

 

أنت الآن هنا