المقاهي الثقافية السورية : فشل المؤسسات ونجاح المجتمع المدني

حمل الشاب الصغير ذو اللحية غير المكتملة أصابعه واتجه إلى زاوية المقهى وبدأ دون استئذان أحد ينقر بأصابعه الطويلة النحيلة على أزرار الأورغ الحديث محولا المكان إلى ساحة صامتة : كانت أليزا تحتل المكان شيئاً فشيئاً بغمات بيانو ينقصها فقط وجود بيانو حقيقي لتكتمل الصورة وكان الياس الرحباني من زاوية في السماء يرقب هذا الفتى الذي لم يدخل عامه الثامن عشر بعد مبتسماً دون شك .

حين انتهى الشاب حمزة أشقر الطالب في الصف الحادي عشر أدبي من عزف مقطوعته لم يتردد أحد في التصفيق ، كان الفرح طاغياً على الوجوه والحسد ينفر من بين فناجين القهوة والعصير اللذان قدمتهما صبية إلى الحضور وبشكل شبه مجاني .

هذا المشهد ليس في أوربا ، نحن نتكلم عن آخر تجربة للمقاهي الثقافية شهدتها محافظة اللاذقية السورية  وهي تجربة مقهى صدى  تلك هي تجربة الفنان والمصمم التشكيلي عبد الله شاهين مؤسس فرقة صدى للغناء والموسيقا الشعبية والتي قدمت الشهر الفائت أمسية موسيقية غنائية في المركز الثقافي العربي في اللاذقية كانت جميلة بكل مقاييس التقييم الفني وهي ستقدم خلال هذا الشهر عدة حفلات في مدينة دمشق أيضاً .

اللافت في تجارب المقاهي الثقافية السورية وعلى امتداد الوطن أمرين اثنين : الأول أن المؤسسات الرسمية تتعامل معها ليس كند لها أو كمكمل لعملها فهذه الأخيرة تعمل فقط وفقاً لعقلية الموظف وليس لعقلية المبدع وهذا شهدناه في تعامل القيمين على ثقافة المحافظات حيث ينظرون إلى العمل القادم من خارج مؤسساتهم نظرة الريب والشك وحتى الاتهام عدا طبعاً عن طلب أجور عالية منهم وكأن هؤلاء المبدعون من شركات إنتاج ضخمة ليس أقلها أن تكون أجرة يوم استضافة واحد في أحد المسارح الحكومية حوالي الـ 6000 ليرة سورية لليوم الواحد .

الثاني أن نجاح هذه المحاولات الإفرادية أكثر من مشجع ، فهي تعمل بطريقة الاختصاص ، بعضها متخصص بالشعر (مقهى قصيدة نثر  ) وبعضها بالفن التشكيلي والصورة (مقهى فوتوغراف ) وبعضها بالموسيقا (مقهى صباح ومسا وجدل بيزنطي ) وهكذا..

تجربة الفنان عبد الله شاهين تميزت باقترابها من عدة جوانب فهي توفر قراءات شعرية كل خميس من الأسبوع لشاعر/ة  شاب يرافقها عزف موسيقي لشاب أو شابة وسط اقبال جميل من شرائح الشباب . كما توفر أيضاً قراءات موسيقية كل أحد من الأسبوع لعازف / ة شاب في مشهد بصري جميل ولافت ، على أن يوفر المقهى قريباً قراءات مسرحية . إضافة إلى فكرة ليست متداولة هي أنك لست مطالباً بدفع أي مبلغ نقدي لقاء تواجدك أو استخدامك المقهى / هناك صندوق يمكنك أن تضع فيه ما يمكنك أن تدفعه دون رقابة ودون أية مطالبة في لفتة طيبة تراعي شؤون الجيوب الشبابية وهي ليست بقليلة الفراغ .

التجربة المتميزة للمقاهي الثقافية السورية تقودنا إلى جملة استنتاجات أبرزها أن المجتمع المدني ـ أو الأهلي كما تحب المؤسسات الرسمية تسميته ـ يمتلك من مقومات النجاح الكثر ولديه الخامات التي تؤهله مع قليل من الدعم الحكومي لخلق حالة حوار وتفاعل بين أفراد المجتمع أكثربكثير ما تفعله المؤسسات الرسمية التي لا تزال ترزح تحت عقلية الموظف الرسمي .

ندعو المؤسسات الحكومية الثقافية إلى الانتقال من عقلية المنظر والمنتظر إلى عقلية الفاعل والمرتبط والمترابط مع الناس وتفعيل الثقافة التي ليست مجرد محاضرات  وندوات لايحضرها إلا مارحم ربي ! !

وتحية طيبة إلى كل المقاهي الثقافية السورية ومرتاديها .

وللموضوع صلة لاحقاً .

 


 الكاتب كمال شاهين ، كاتب سوري للتواصل هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته  


 

أنت الآن هنا