حال البلد - هوامش في غزة : التاريخ غير الرسمي !

حال البلد

لافتة إعلانية
23
Jan

هوامش في غزة : التاريخ غير الرسمي !

يتناول كتاب "هوامش في غزة " للكاتب والرسام الأميركي جو ساكو  عمليتا قتل جماعي منسيتان طويلا تعرض لها الفلسطينيين في قطاع غزة ويبرز هذا الكتاب  كأحد الأعمال المعاصرة القليلة التي تعرضت للصراع الفلسطينيّ الإسرائيلي والذي من المحتمل أن يعيش مدة أطول مما يكتب ويتوقع .


هوامش في غزة :

كتب ورسم صوره  جو  ساكو -

صدر الكتاب عن دار وشركة متروبوليان وهنري هولت الشهيرة في 418 صفحة الشهر الماضي في نيويورك .

سوف يوجه ساكو قرّائه  لـ “ هوامش في غزة ” بعيدا إلى المستقبل بسبب الصيغة الفريدة وأسلوب قصة كتابه الهزلية. حيث  يقف وحيدا كمراسل رسّام كارتون لأن قدرته على رواية قصّة من خلال فنّه تندمج مع تحقيق استقصائي  من نوعية مميزة قام بها الكاتب .

موضوع الكتاب هو مذبحتان حدثتا منذ أكثر من نصف قرن، أثارتا وقتها  انتباهاً   دولياً صغيراً  وتم نسيانهما خارج دائرة الضحايا . حالات القتل التي حدثت أثناء حرب السويس عام  1956، عندما كنس الجيش الإسرائيلي إلى قطاع غزة، الغالبية العظمى من السكان الذين كانوا لاجئين / في مناطق أخرى من فلسطين- م /  .

و طبقا لأرقام الأمم المتّحدة فإن  275 فلسطيني قتلوا في بلدة خان يونس في النهاية الجنوبية للشريط في نوفمبر/ تشرين الثّاني ، و111 ماتوا في رفح، على بعد بضعة أميال على الحدود المصرية، أثناء عملية 12 نوفمبر/ تشرين الثّاني للقوّات الإسرائيلية. وقد  أصرّت إسرائيل بأنّ الفلسطينيين قتلوا من قبل القوّات الإسرائيلية بسبب المواجهات معها حيث أنها كانت ماتزال تواجه مقاومة مسلّحة. وقد  قال الفلسطينيون أن المقاومة كانت قد توقّفت في ذلك الوقت.

يجعل ساكو الغاية القصوى /إعادة / وضع مثل هذه الحلقات / الحوادث /  بين كتل البناء الحقيقية للتأريخ. في هذه الحالة، حسابات ماكان قد حدث  كانت بطيئة التسرّب إلى الخارج وتم نسيانها بسبب التطوّرات الجديدة في أزمة السويس وقتها .

ساكو، الذي سمعها كمراسل رسّام كارتون كان قد أسّس " فلسطين" و“ Gorazde منطقة آمنة”  أنقذ هذه الحوادث  من النسيان والغموض لأنها  " مثل كل المآسي التاريخية فوق حسابات الأعمار ، و التي من الممكن تقييم حالتها الهامشية  في التنظيف  الواسع للتاريخ ،  بالرغم من أنّها . . . تحتوي على  بذور الحزن في أغلب الأحيان وعلى الغضب الذي بمجمله يشكل الأحداث المعاصرة. ”

إن الحكومات ووسائل الإعلام على حدّ سواء تنسى أنّ الأعمال الوحشية تعيش في ذاكرة المتأثرين بها على الدوام . يسجّل ساكو عن  عبد العزيز الرنتيسي   زعيم حماس الأسبق (و الذي قتل بقذيفة إسرائيلية)، أنه  في سنة 1956  كان يعيش مع       9 أشخاص في خان يونس  ويصف عملية قتل عمّه : "  ترك في قلبي  جرحاً  لا يمكن أبدا شفاءه " ويقول"  أروي لك القصّة تقريبا وأبكي . . . .لقد زرعوا الكراهية في قلوبنا" .

إن إشراق وسرعة رسوم ساكو، اندمجت مع قصة شفاهية بطريقة  ذكية جدا، عملت عملها بشكل حسن في إخبارنا القصّة . في الحقيقة، من الصعب تخيّل أيّ شكل آخر من الصحافة يمكن أن يجعل هذه الأحداث مثيرة جدا. يفهم العديد من مراسلي التلفزيون أو الصحيفة بأنّ جذور أزمات اليوم تكمن في الأحداث غير المنشورة الغامضة. لكنّهم يعترفون أيضا بأنّ محرري أخبارهم مهتمّون جداً  بما هو جديد ومن المحتمل أن يرفضوا انحرافات التأريخ باتجاه انغماس ذاتي صحفي لتفريغ الفكرة  من مضمونها وتشويش الجمهور.

 

في الحقيقة ,تنبع أهمية كتاب  " هوامش في غزة "  من هذا التحيّز التحريري ضدّ التأريخ الرسمي . في ربيع عام 2001، كرس ساكو و هيدجزHedges  الذي عمل   سابقا مراسلاً أجنبياً للنيويورك تايمز   ولمجلة عازف القيثارة كتاباتهما حول الفلسطينيين في خان يونس أثناء الشهور الأولى من الإنتفاضة الفلسطينيّة الثانية. ولقد رأوا  أن  حالات القتل في سنة  1956 ساعدت على تبيان أسباب بعض  العنف بعد 50 سنة تقريبا.

إن هذين المحرّرين الأمريكيين لم يكونا وحدهما من مالا للحفر الجانبي للتاريخ . عندما عاد ساكو إلى غزة للبحث عن الشهود والباقون على قيد الحياة في 2002 و2003، كانت القوّات الاسرائيلية ما تزال  تحتلّ المنطقة، والفلسطينيون الشباب لم  يستطيعوا  أن يفهموا إهتمامه بالأحداث الماضية في حين كان هناك كثير من العنف المعاصر.

مسعى ساكو لمقابلة شهود العيان الفلسطينيّين والإسرائيليين بالإضافة إلى توثيق الأمم المتّحدة كان عنيداً  ورائعاً . فقد فصل  حياة أولئك الذين ساعدونه، بشكل خاص ، وأعاد إلى الحياة إثنان من عصور قطاع غزة، بلداته المكتظّة باللاجئين في أوائل الخمسينات مثلما هي اليوم أيضاً .

لقد  كان جوّا مليئا ً  بالحقد. لم يظهر أي من الزعماء الإسرائيليين أيّ تعاطف مع المأساة الفلسطينيّة. في وقت مبكّر من الـ1956، رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي موشيه دايان قال في خطاب مشهور في جنازة قائد إسرائيلي قتل على الحدود مع غزة،  " هل توجد  كراهية فظيعة منّا ؟؟ "  ثمّ أجاب على سؤاله :"  لثمان سنوات من الآن جلسوا في مخيّمات لاجئي غزة، وراقبوا ، أمام عيني ، لقد  تجولنا ودرنا في  أراضيهم وقراهم، حيث هم وأسلافهم سكنوا سابقا، وحولناها إلى بيوتنا نحن "  وأضاف بأنّ الإسرائيليين إحتاجوا لكي يكونوا " قساة وقساة جاهزون وومسلّحون. "

لقد عنى هذا في الممارسة بالفعل فبعد ستة شهور سيطرت قوّات إسرائيلية على غزة . حالات القتل في خان يونس كانت بسيطة نسبيا، طبقا لشهود العيان وبضعة أشخاص لازالوا على قيد الحياة. أجبر رجال البلدة  على التجمع  في الساحة الرئيسية ومن ثمّ ضربوا بالرصاص بشكل منظّم وبعض ممن بقي في بيوتهم قتل ضمن بيته .

الحادثة في رفح كانت معقّدة بشكل أكبر  وحدثت على عدة فصول في اليوم، استدعي أناس إلى مدرسة البلدة لكي يقرر  الإسرائيليون ما إذا كانوا  فدائيين أو جنوداً . هنا كان هناك المزيد من الباقون على قيد الحياة من خان يونس؛ يصفون كيف أن  البعض قتلوا  في  طريقهم إلى المدرسة والآخرين سيقوا  إلى الموت بالعصي عندما  دخلوا فناء المدرسة. الجيش الإسرائيلي أمر ضابطين لإجراء تحقيق في " حادثة رفح "  كما بين تقرير سري . (قال نفس التقرير  أنه من  40 إلى 60 شخص قتلوا و20 أصيبوا. ) ولم يجد الكاتب أي تقرير في سجلات الأرشيف العسكري الإسرائيلي .

لقد تغيّرت غزة بشكل جذري منذ أجرى  ساكو بحثه. في سنة  2005، فكّكت إسرائيل المستوطنات اليهودية من طرف واحد وسحبت قواتها العسكرية، بالرغم من أن حدود غزة بقيت ضمن الرقابة الإسرائيلية الصارمة. في 2007، سيطرت حماس على قطاع غزة ، وفي 2008-2009  وقعت غزة تحت الهجوم الإسرائيلي المدمّر.

في هذا السيل المحيّر للأحداث، تحقيق ساكو في  حالات القتل ذات تاريخ الـ  50 سنة أكد أحد الأدلة عن الكراهية التي يواجه  الفلسطينيين والإسرائيليين أحدهما الآخر بها .

باتريك  كوكبيرن  مؤلف  كتاب " مقتدى : مقتدى الصدر، إحياء الشيعة، والكفاح من أجل العراق. "

ترجمة المقال وإعداد : كمال شاهين ـ خاص حال البلد عن النيويورك تايمز عدد 24 - 12 - 2009

أضف تعليق

جميع التعليقات خاضعة للتنظيم وفق سياسة موقع حال البلد للمزيد من التفاصيل يمكن مراجعة سياسة الموقع 


أنت الآن هنا