حال البلد - ثقافة البرندا

حال البلد

لافتة إعلانية
12
Nov

ثقافة البرندا

لازال شرقنا قابلاً للحكاية ، الحكاية جزء من تاريخنا اليومي وهي تالياً تتحول أسطورة وتصبح بديهة لا تحتاج إلى منطق لتقبلها ، يكفي أنها ابنة شرعية للحكاية الحلم الآتية من الحياة ، كي تبقى على قيد الحياة اليومية ..

والبرندا أو الشرفة هي تعبير عن الحياة يختزن الكثير من المعرفة كما يختزن الكثير من الحضور البشري المفتوح على فضاءات التعدد والآخر ،


في الشرفات كذلك حنين لدعوة الكائن البشري للطبيعة إلى بيته في استعادة أبدية لكهوفه الأولى ، رائحة التراب النادرة ، عبق الحبق المطري  الحضور ، المطر ذاته حين تقف وتتبلل بالسماء ، السماء حين تعانق عينيك على اتساع شمسهما ، الشمس حين تغافلك بذرات غبارها الدهرية وتتسلل إلى عظامك المتخلخلة من ضجة المدينة وصخب الروح اليومي ، وقبل ذلك كله هي ...هي

من منا لم يحب على البرندا ؟؟؟ من منا لم يقرأ رسالته الأولى على البرندا ؟؟ وربما دخن سيجارته الأولى هناك و أطفأها على حين غفلة في أصيص الحيق ؟؟

نعم ، لقد أحبها على البرندا..... نستعيد الحكاية لكي نشعر بخفق نبضات البرندا ...

شاهدها لأول مرة وهي تنشر غسيل عائلتها على منشر البرندا، لم تكن موضة التحجيب والتنقيب قد بدأت فكان شعرها الذهبي يختلط مع  الصباح، كانت وقتها في الخامسة عشرة ، تماماً كما تصور الأغنية الشعبية تلك الحكاية ، هي بهية ، رمى لها نظرة ، ولأنها بنت أصول لم تنظر إليه ، هكذا علمتها أمها الحذر من الجيران ، ولكنه القلب ينبض ، في اليوم التالي لم يكن هناك غسل فانتظرت ، في الثالث كان ، وكان هو ينتظرها على الشرفة المزروعة ورداً وبصلاً نعناعاً وبقية أحلام قديمة ، هذه المرة سرقت نظرة ، وسرق هو تطليعة،وبينهما اشتعلت النار الأزلية .

هذه الحكاية كثيراً ما اختزنت ونمت علاقات كثيرة توج بعضها بزواج وبعضها توج بفراق وبعضها لا زال ينتظر تتويج الحكاية ، ولكنها الحكاية تموت ، وتموت معها البرندا...

البرندا تموت وتموت معها على الشرفات أقمار ونجوم وأغان وشوارع وتطليعات وحزم من الأحلام المجففة ..

حتى هنا وصلت جيوش الظلام ؟؟

في حمص أحدق في المدينة وفي شرفاتها المغلق أغلبها ، أكثرها مشدر بسواد فاحم أو بألوان باهتة بلاستيكية الطابع تماشياً مع تعاليم الإسلام أو الدين الحق ، تتحول البرندا مكان للغواية يجب تجفيفه  .

سألت صديقي فيما إذا كانت الشقة المقابلة لبيتهم مسكونة ؟؟ فنفى الأمر: منذ سنة لم أر أحداً على البرندا،كانت العبارة لازمة ، أن تتأكد من وجود جارك يعني  أن تكون شرفته  مفتوحة وعليها ياسمينة أو أصيص من الحبق ، تلك هي الحكاية بامتياز : أرني شرفة جارك أقل لك من هو ومن أنت أيضاً ، أنت لا تبحث أو تحدق أو تدقق في خصوصيته المنزلية ، بيته مكان محمي بموجب قوانين الأخلاق الشرقية المستمرة من سوريا التاريخ وليس من أي دين فالدين لا يصنع أخلاقاً ، الدين يبستر الأخلاق الطفولية للبشر على مقياس أدلجته وعلاقته بالطبيعة والمرأة والمكان ، وحتى محمداً النبي قالها : جئت لأتمم مكارم الأخلاق ، أخلاق كانت موجودة ولا تحتاج إلى بارومتر لقياس ما  إذا كانت تتوافق مع النص أم لا ، هي أخلاق بشرية أبعد ما فيها من الأذى أنها تقلل من أخطار الاختناق المنزلي .

ليس في الأمر مصادرة لحقوق أحد في بيته ولكنه سؤال مر في زحمة تغير يلغي التواصل البشري ليحل النص المؤدلج المقدس بكل أسلحته مكانه :

التواصل بين البشر ممنوع ، يريدونها بلاداً مختونة للذكور ومثلها للإناث .

دعك من حديث الجنسين ، يلتقي الجاران اللذان يعملان في مكانين مختلفين مساء ،كل منهما على شرفته  ، ويبدأ تدفق الأخبار السياسية والاقتصادية وشتم الحكومة من عليها ، هي أيضاً منبر للرأي وللتشريح السياسي ، فجأة تسحب هويتها ليغلق باب آخر للحوار اليومي بين الناس ، تتبادل الجارتان الموظفتان أو غير الموظفتين حديثا صباحيا باتت العزلة تفرض انقراضه: ماذا سنطبخ على الغداء ؟؟ هل أمنت مؤنتك من الزيتون والزيت والبصل والثوم و فلانة تزوجت من جديد بعد طلاقها و السمان أبو عادل يغش في السمن الحموي ......

لم أعد أعرف جاري في البناية فما بالك بجاري في البناية المقابلة !!!

يتعمم شيئاً فشيئاً نموذج باب الحارة العثماني بشكل حداثوي متقهقر ! يريدون في اللاشعور تحويل النموذج المتخيل إلى واقع بشري علينا  تحمله تحت اسم الأخلاق والعفة والدين .

مساحات أخرى للحوار تتضاءل ، يقطع شجر الحوار تدريجياً ليعم المشهد البصري للمدن سواد قاتل فاحم لا هم له سوى تركيب النص المؤدلج وفق مساطر فقهية على الناس ، النص يصبح أقوى من العقل ، هل سنشهد فتوى تمنع بناء الشرفات  ؟؟؟؟

يحدث في الشعور الجمعي للناس أن تختزل حياتهم إلى دوائر مغلقة لا تداخل فيها مع الآخر ، هذه السمة التي يفتقدها الناس في أمكنة أخرى من العالم : قال لي صديقي الصيني المتزوج من سورية ويعيش في كندا: نسوق سيارتنا ثلاث ساعات كي نلتقي بأنس يتكلمون ! يتكلمون ويتحدثون خارج الهم اليومي للعمل أو حتى ضمنه ، الإنسان كائن أو حيوان عاقل يتحدث !!!

أليست اللغة أهم اختراع بشري على الإطلاق ؟؟؟

تتضاءل دوائر تداخلنا كبشر ، نتحول روبوتات دينية همها الأوحد في الحياة أن يكون اتساقها مع النص مكتمل البهاء ، مكتمل الرضا النفسي المبني حقيقة على هزيمة للكائن البشري الإنساني و لينتصر الهباء النصي على بقية الروح فينا .

في البيت العربي النموذج الذي قدمته السينما والتلفزة كان هناك بحرة ماء وشجرة نارنج في أي منزل عربي ، وكانت الشرفات موجودة بشكل مختلف : المشربيات شكل من أشكال الشرفات ، نقلت من خصيصاتها الرسائل الشفهية والكتابية ، كانت المشربية فن العمارة المدهش أحد طرق التواصل مع العالم الخارجي لمجتمع مغلق بفعل التاريخ والأدلجة الدينية و العثمانيين .وكم مرت من تحتها مسيرات ومظاهرات وأحداث بنت تاريخنا الذهبي وتاريختا المغبر معاً ً .

في البناء الحديث لم تعد هناك مشربيات ، هناك شرفات ، برندات ، بلكونات ، وهي اليوم وفي هدوء تتحول إلى مكان مهجور ينبض بالفراغ النفسي والحقن والارتياب الجيراني ، لما يعد الجيران قبل الدار ، الدار قبل الجار وقبل أن أعرف من هو الجار .

يقول جورج شحاده :
أما البيوت , هذه الأكوام من الحجار ة
والكِلس فلا ذاكرة لها ...
لا ذاكرة لها إلا حين تكون لها شرفات "


لا ذاكرة لها إلا حين يكون لها شرفات ، على الشرفات تتأكد الحياة  وتنتفي عزلة الكائن البشري عن المكان والزمان ، وينتفي خوفه من الآخر  ، يصبح والآخر ندان متكاملان  يتحدان في لعبة الأنا والآخر  ، ويبنيان  صومعتهما المليئة بالحياة ، وتقول امرأة لا تستطيع الوقوف على الشرفة :

حين أسافر وأسكن في مكان به شرفة أو نوافذ تظهر  كامل الجسم ، حين أقف إليها تتنازعني رغبتان رغبة الوقوف والحياة ورغبة الخوف من هتك ما بيني وبين الله فأختار الحل الوسط  أقف بعد أخذ الاحتياطات وأحاول أن أطفئ الأنوار وحين أشعر بتلصص العيون أدخل  (مقطع كامل كتبته فتاة سعودية على موقع أنترنت )

أليس في هذا الشرح اعتراف بمن يقتل الرغبة في الحياة كما هو اعتراف برغبة فظيعة في الحياة ؟؟

على الشرفات تنبثق الحياة ، تنبثق الرؤى البشرية بأن الحياة تتضمن ما هو أغنى من النصوص المقدسة وهياكلها البدوية ، في الصحراء لا شرفات لأن الأصل الاتساع والرمل ، تقول الرواية أن مكة و المدينة كانتا تصممان بيوتهما على نمط يحوي مكاناً للجلوس أشبه بما عهدناه في قرانا وكان اسمه البسطية التي تطل على الشارع مباشرة ويجلس عليها الرجال والنساء مجتمعين دون قلق وخوف المصادرة .

إلى أين يريدون بنا الذهاب ؟؟؟

لنتوقف قليلاً ونعيد طرح الأسئلة ...

إن معنى كلمة البرندا في الأصل الهندي لها هو الفسحة والاتساع ..

كل ما أخشاه أن نضطر ذات يوم لأن نبحث عن فسحة أمل في مكان آخر من هذا العالم .

ودمتم بحب وبشرفة متسعة على فضاء العالم كله .

كمال شاهين  ـ حمص

أضف تعليق

جميع التعليقات خاضعة للتنظيم وفق سياسة موقع حال البلد للمزيد من التفاصيل يمكن مراجعة سياسة الموقع 


أنت الآن هنا