في فهم الموافقة السورية على المبادرة العربية

تضمنت المبادرة العربية نقاطاً سبق وطرحتها بعض المعارضة السورية وبعضها الموجود في الداخل بالدرجة الأولى وقد لاقى طرحها سابقاً رفضاً قاطعاً من قبل النظام خاصة البند المتعلق بسحب الجيش والقوى الأمنية من الشارع والذي اعتبر طرحه وقتها أقرب ما يكون الى الخيانة في ظل تأكيد واشتغال رسمي على مقولة وجود مسلحين في الجهة الثانية من الشارع  الأمر الذي اكدته الأيام الأخيرة سواء في حمص أم في إدلب  وسواء كان بعضها منشقاً عن الجيش أو كان من جماعة الإتجار بالأعضاء البشرية  والتي امتدت بكثافة في ظل غياب فعلي للدولة عن تلك المناطق .

المفاجئ بشكل كبير هو الموافقة الرسمية السورية على المبادرة التي طرحتها الجامعة وبنودها الرئيسية مع العلم ان الجامعة سبق وطرحت مبادرة قبل عدة أشهر سقفها اعلى من هذه بكثير ولكن النظام رفضها وقتها ، والتي قال السفير السوري في القاهرة يوسف أحمد انها أي المبادرة خرجت من لب الورقة السورية بتعبيره ، هذه الموافقة لم يتوقعها أحد في ظل التصريحات الأخيرة للرئيس بشار الأسد  للقناة الروسية الأولى التي أكد فيها بشكل واضح أن اشتعال المنطقة سيتجاوزها الى مناطق العالم الأخرى في حال فكر النيتو بضرب سوريا ، فما الذي حدث لهذه اللغة فجأة واختفت وحل بدلاً عنها الحديث  عن " العمل العربي المشترك " ؟؟؟


ثانية النقاط التي وافقت دمشق عليها هي  الحوار مع المعارضة بكامل أطيافها وفي القاهرة وليس دمشق حسب شروط وزير الخارجية وليد المعلم ، وثالثتها السماح بدخول وسائل الاعلام العالمية دون قيد ولا شرط والسماح لها بحرية الحركة لاستكشاف وشرح الوضع السوري للعالم من داخل البلد ووفق ما يجري وبحيادية ونزاهة وليس من خلال أفلام اليويتوب كما تفعل الجزيرة .

في التفسير الأولي هناك طرح يتصل بما جرى في ليبيا فقد كانت الجامعة العربية هي عراب العدوان على النظام الليبي في ظل رئاسة قطرية لدورتها الحالية ، وهي أيضاً التي اعطت الضوء الأخضر للأمم المتحدة والناتو لتمرير جملة القرارات الدولية ضد سلطة شرعية  (أقلها السلطة الشرعية لنظام معترف به عالمياً ) ثم سحب هذه الشرعية تدريجياً بمباركة تركية عربية إسلامية لصالح المجلس الانتقالي الليبي المركب من جماعات ليبية متناحرة أقله عشائرياً الآن. وبالتالي فإن دمشق التي تجيد قراءة السياسة بشكل كبير قد تكون بموافقتها هذه قد سحبت ورقة الجامعة العربية من التداول الدولي خاصة وأن شرط إيقاف العنف في سوريا مرتبط ليس فقط بالجيش السوري والأمن بل وبالطرف الآخر الذي يتضح أنه لا يعي اللعبة السياسية بشكل جيد وسيستمر في العنف وقتل عناصر الجيش والقوى الأمنية أضف إلى ذلك أن قسماً من هذا العنف مصدره ليس جماعات مرتبطة بالحراك الشعبي في سوريا بل بجماعات مسلحة تمارس التشليح والتشبيح لغايات السرقة المالية والمادية وتتداول اليوم في الشارع السوري قصص كثيرة عن حالات سرقة ونهب منظم تقوم بها هذه الجماعات على امتداد منتصف سوريا ( حمص وحماة وإدلب والطرقات الدولية بشكل رئيسي ) ، وهذه الجماعات لاتعنيها المبادرة العربية وبالتالي سيسقط أحد أهم هذه البنود ، وحتى مايتعلق بالجيش السوري الحر أو حركة الضباط الأحرار وكلاهما ذو تأثير قليل على الحراك أو على الشارع أو على الموقف الرسمي بحد ذاته فهؤلاء وفقاً للقانون العسكري ( وقت الحرب ) منشقون وهاربون من الخدمة وبالتالي يحاكمون ميدانياً ويقتلون وبالتالي ليس لديهم أي خط رجعة وبالتالي أيضاً لن يستمعوا للمبادرة العربية التي لم تلحظ هذه النقاط .

أما جماعة اسطنبول وشركاؤها من جماعة المجلس الوطني السوري فهم يرفضون الحوار مع النظام بشكل حاد وإن حدث وقبلوا الحوار مع النظام فيسكون في مقدور النظام ببساطة أن يلعب لعبته في ظل انقسامات حادة وتفارق وافتراق في الرأي والموقف والاتجاه ( آخره ما فعله د.برهان غليون في حديثه عن أن الأكراد السوريين هم مهاجرين كالمهاجرين إلى فرنسا وليس لهم بالتالي حقوق المواطنة السورية كما يستنتج من حديثه والواضح ان هذا الطرح بدفع مباشر من حكومة أردوغان بعد الموقف السوري الرسمي بإعطاء مايقارب 300 ألف كردي الجنسية السورية ) ناهيك ان خلطة المجلس وحتى بعد شهري فأكثر من تأسيسه قد عجز عن تقديم أي شيء مشجع عربياً وعالمياً على الاعتراف به وباستثناء المجلس الانتقالي الليبي لم يعترف به أحد ، هذه النقاط فيما يتعلق بالمعارضة السورية الخارجية تحديداً هي أيضاً عوامل مساعدة للنظام للمضي في حواره مع هؤلاء ، وإن كان الحوار معهم يقتضي بالمقابل الاعتراف الرسمي بوجود أزمة حقيقة من جهة ، وبوجود طرف ثاني والأرجح ان من يرغب بالحوار مع النظام هم جماعة الأخوان المسلمون  ذوي المواقف البراغماتية والمستعدين ( في خطة طويلة الأمد ) للعودة إلى البلد في ظل إشارات واضحة عن  تعديل النهج الأخواني على طريقة حزب النهضة التونسي ( أو نفس نهج أردوغان ) أقله في ظل قراءة أخوانية للوضع الداخلي يتضح فيها عجز الأخوان عن كسر شوكة النظام .

أما داخلياً فإن النظام قد استعاد عافيته ، ومن الواضح ان المسيرات المليونية ومهما قيل فيها من ان النظام هو الذي يسيرها أو انها برغبة شعبية قد عادت لتزيد من رصيد النظام أمام الرأي العام العربي والعالمي وبالتالي بدا او يبدو أن خيار اللجوء إلى صناديق الاقتراع خلال الفترة القادمة وهو الحل المسرب من أعلى مستويات القيادة السورية قد بدا فيه واضحاً الاطمئنان الرسمي إلى ان نتائج الانتخابات القادمة ستصب في مصلحة النظام سواء بوجود مراقبين دوليين للانتخابات ام لا .

اما موضوع وسائل الإعلام ودخولها لتغطية الأحوال السورية الراهنة فهذه أيضاً لم تعد مشكلة حقيقة امام النظام فهناك على الأرض الكثير مما يصب في مصلحة النظام خاصة وان تطأيف ما يجري قد صار راهناً بدرجة كبيرة ووقع في فخها كثير من الحراك السوري عدا طبعاً عن ان هذه الوسائل الإعلامية ليست خارج مرمى التجاذبات السياسية وكمثال فغن محطة البي بي سي BBC في آواخر نشراتها قد استبدلت مصطلح الشبيحة بـ " مسلحين موالين للنظام " الأمر الذي يعني تغيراً في لهجة هذا الإعلام باتجاه الأحسن في علاقته مع النظام في سوريا .

الأمر الأخير في هذه الرؤية الأولية ان هذه الموافقة غير المشروطة على المبادرة العربية هو أن النظام في دمشق يعرف تركيبة مايجري في الشارع بشكل أفضل واوثق من الخارج وهو بالتالي الأقدر على تقرير المستقبل القريب فيما إذا كانت موافقته هي الأفضل للبلد وله بشكل خاص .

إن دمشق صانعة قديمة للسياسة....

 


كمال شاهين - كاتب سوري

أنت الآن هنا