الطريق إلى الحل السوري ... موحش وطويل !!!

في القراءة الأولى لما حدث في سوريا خلال الشهرين الماضيين بدا واضحاً الانقسام الكبير الذي جلل المجتمع السوري من أقصاه إلى أقصاه ، وبدا واضحاً كذلك أن لا مكان في البلد لصوت مغاير، أو لموقع  معتدل ومتوازن ومنطقي يطرح رؤية مختلفة ويمكن بها استدعاء العقل والهدوء إلى الشارع بحثاً عن حل بديل عن عنف متدفق في الشارع بشكل غرائزي تحكم في سلوك كل من السلطة والمتظاهرين والمحتجين في حين بقيت الأغلبية الصامتة تنتظر توضيحاً وهدوءً وانتقالاً من لغة الإقصاء والتنافر إلى طاولة حوار تنقذ البقية الباقية من العقل ومن الحكمة ، لقد بدت الأزمة أزمة وطنية قسمت المجتمع إلى أجزاء متداخلة  لا لقاء بينهما سوى الغريزة المنفلتة والعنف الممارس بشدة ووحشية وعقلية قروسطية .


يمكن تقسيم المشهد السوري المتداخل إلى أجزاء أصغر ضمن التقسيم الرئيسي ، فهناك تدخل خارجي لئيم مارسته دول وجهات لتصفية حسابات مع النظام السوري ، حسابات فرضتها السياسة الخارجية السورية الاصطفافية خارج المعسكر الأميركي وهذه حقيقة سوِّق لضرورة عكسها في بعض المواقف الأميركية حتى وبدا كلام وزيرة الخارجية الأميركية وهي تربط بين إيقاف التظاهرات والاحتجاجات في البلد وفك العلاقة مع إيران وحزب الله أشبه بصب النار على الاحتجاجات ونزع شرعيتها الوطنية ومصداقيتها أمام الرأي العام العربي والعالمي وأضافت بريطانيا وفرنسا المتورطتين في المشهد الليبي بوقاحة عاملاً إضافياً بادعائهما حماية ودعم حقوق الإنسان في سوريا في مفارقة معتادة لسياسة هذين البلدين خاصة مع الربط مع المشهد التونسي والمصري والبحريني وهي عوامل تؤخذ بالاعتبار في حسابات السياسة حيث تتداخل العوامل الخارجية مع الداخلية .

هذا التدخل الخارجي زاد عليه تدخل بعض جهات المعارضة السورية الخارجية التي أيضاً أساءت للاحتجاجات السورية وعلى رأسها جيش إعلامي من المحللين والنشطاء الحقوقيين وأصحاب دكاكين حقوق الإنسان العالمية والمحلية في آن حين نظروا للوضع في سوريا وكأن النظام سوف يسقط أسرع مما سقط في مصر وتونس أما كيف ذلك وعلى ما الرهان فقد كان مستنداً إلى قراءات بدت الطفولية السياسية فيها كبيرة ، وبدا أن الأسماء الكبيرة التي تتلطى خلف مراكز الدراسات والأبحاث ليست سوى ورق احترق فوراً عند المتلقي السوري العادي ( الأغلبية الصامتة ) تماماً كما احترق الوجه الآخر لهؤلاء الذين احتلوا ساحات الأعلام المحلي ولكن للأمانة فقد نجح هؤلاء في الداخل في استفزاز القلق الوجودي عند السوريين وجعلونا نتوسل قيمة الأمان والأمن التي كنا نعيشها دون أن نحس بقيمتها على حد تعبير الكثيرين من الأغلبية الصامتة مرة أخرى .

التدخل الخارجي الصريح ( وهل من عجب أن قطر وبعض لبنان والعرب العاربة هي من قاده !!؟ ) أضاف إلى إساءاته للاحتجاجات السورية بنداً آخر حين تحركت المجموعات السلفية  ( وللنظام السوري دوره في جعلها  المكون الرئيسي للحراك السياسي الراهن بإقصائه وتدميره لكل الأطراف السياسية في البلد ) لتعلن إماراتها السلفية في مواضع سورية تشكل نصف سوريا (درعا وبانياس وحمص ) في محاولة قميئة لتفتيت البلد ، الأمر الذي شكك في واقعيته وحصوله الكثيرين ومرة أخرى بدا الغباء الإعلامي الحكومي ساطعاً مكتفياً ببعض النماذج التي لم تقنع أحداً من الأغلبية الصامتة السورية ولربما قنعت موالي النظام ولم تقنع معارضيه .

ما حدث في بانياس وتسرب كثير من المعلومات إلى الإعلام غير الرسمي السوري ( وعلى رأسه موقعنا الذي تكفل بنقل كثير من الحقائق من هناك ) ووصولها من ثم إلى الأغلبية الصامتة زاد من مستوى قناعة الناس بأن هذه الاحتجاجات في أكثرها ليست سلمية بل في جزء كبير منها هي إما مسلحة أو مدفوعة من الخارج  ، وأضافت شعارات هذه الاحتجاجات المليئة بالحقد والغل الطائفي والإقصائي لكثير من مكونات المجتمع السوري إسلامه ومسيحيه في الطنبور الرافض لهذه الاحتجاجات نغماً إضافياً زاد من قوته أكثر وجود أطراف خارجية على الأرض الوطنية ، وفوق ذلك أيضاً تم اعتقال عدد كبير من القناصة المدربين في معسكرات تدريب أردنية ومن جنسيات عربية وبعضها تم اعتقاله في أماكن بعيدة عن المدن – كما حدث معنا في إحدى قرى اللاذقية حين تم اعتقال قناص من جنسية موريتانية ، الأمر الذي شكل بمجمله رافعاً لغطاء الشرعية عن جزء كبير من التظاهرات الاحتجاجية في البلد ، وحين طلبت السلطات إيقاف التظاهرات في البلد دون ترخيص ظهر الكثيرين على وسائل الإعلام الخارجية ليذهبوا أن النظام قد صار قاب قوسين أو أدنى من الانهيار .

تمت المناداة بالجهاد في عديد هذه التظاهرات ، في حمص كان الشعار الموازي لمحاولة الاعتصام في ساحة جمال عبد الناصر شعاراً طائفياً بامتياز ، قيل وقتها أن من يدعون إلى الجهاد هم من " مندسي السلطة " لتشويه المظاهرات في البلد ونفي الصفة السلمية عنها ، وقال أحد الذين كانوا في ذاك الاعتصام أن من صعد إلى الجامع المجاور كان رجل أمن وكان دليله على ما ذهب إليه أن هاتفه الخليوي وقد سقط منه حين صعد المئذنة كان يحفل بأسماء ضباط أمنيين سوريين معروفين وكان علينا أن نصدق كلامه وأن نصدق أن رجلا أمنياً يكلف بهكذا مهمة يترك معه هاتفه الخليوي وفوق ذلك تترك معه أسماء ضباط أمنيين وهذه حتى خارج أي أزمة الآن غير مسموحة امنياً ، لولا أن أعلن  الجهاد من عدة منابر أخرى في نفس التوقيت  (!!! ) .

في درعا وهذه قصة لوحدها وحسب المعلومات المتوافرة فإن غباء الأجهزة الأمنية هناك وتعجرفها واستهتارها بالمجتمع والناس هو من أوصل المدينة إلى هذه النقطة ، لقد كان استفزاز رئيس فرع الأمن السياسي عاطف نجيب للناس فوق التصور وفوق الاحتمال فاعتقاله لأطفال لم يتجاوزوا الخامسة عشرة وبغض النظر عما فعلوه وبأوامر مباشرة منه ومن ثم وتسببه بقتل عدة مواطنين الشرارة التي أشعلت النار السورية وخاصة في منطقة مثل درعا لا تزال تسيطر على مفاهيمها العقائد القبيلة والعشائرية كما أن إهمال النظام محاسبة المتورطين في هذه الأحداث وتأخره المستمر بإعلان نتائج تحقيقات اللجنة المكلفة بتقصي حقائق ما حدث أشعل النار أكثر فأكثر ، وبغض النظر عما ذكره الإعلام الرسمي عن وجود مخطط لإعلان إمارة إسلامية أو لتقسيم البلاد من درعا ( وهذه الرواية لها مايؤيدها حقيقة خاصة العنف الكبير الذي ظهر لاحقاً تجاه الجيش والأحاديث التي نشر بعضها على اليوتيوب لمشايخ درعا وماحدث في الجامع العمري ..الخ  ) .

في بانياس لم تكن الأمور غامضة كثيراً فمنذ اللحظة الأولى أعلن " أنس عيروط " أن مطالبهم في أغلبها تنتمي للجهة السلفية بامتياز واضح ، وهذه يؤكدها أول فيديو لمظاهرة بانياس الأولى وقد استجيب لهذه المطالب بطريقة " إبعد عن الشر وغنيلو " ، ولكن الرماد كان قد سخن وصار أوان الاشتعال ، قيل الكثير هناك وقيل أن " الشبيحة " هم من أشعل النار ، وبدا أن هؤلاء " الأشباح " هم من يحرك المدينة لتثور والتقط الإعلام الخارجي هذه الثيمة واشتغل عليها ولكن الغريب أن ولا " شبيح " تم قتله أو تم اعتقاله أو تم تصويره من قبل المتظاهرين هناك رغم أنه صيد ثمين لكل من المتظاهرين وللإعلام الخارجي أيضاً ، وبدت هذه الكذبة في جزء منها إكمالاً  لموضوع القناصة في اللاذقية وحمص ودرعا وغيرها .

وما اتضح في بانياس بعد اكتشاف الكميات الكبيرة من السلاح في قلعة المرقب ومحيطها ( بما فيه البيضة التي صعق الكثيرين فيها لمشهد تدعيس بعض رجال الأمن لبعض المعتقلين المسلحين في ساحتها وهو مشهد لا يبرر بأي حال تصرف السلطة أياً كان السبب ) [1] دفع بالنار المختبئة تحت رماد الانتظار إلى العلن في بانياس وبدأ مسلسل القتل والتشويه والتقطيع للبشر وللحجر وللشجر هناك ، أمر آخر أضاف للصورة المشوهة للاحتجاجات السورية بعداً آخر تمثل في القلق الذي عم الناس واسترجع كثيراً من مشاهد العنف العربية المعاصرة ، في درعا تطور الأمر ونقلت مشاهد مرعبة للمتظاهرين وهم يسلخون إنساناً حياً من جلده ومشهد آخر يقطعون فيه رأس إنسان ويرمون به كطابة لعب ، مشاهد يصعب أن تمحى من الذاكرة السورية بسهولة ، لقد نجح هؤلاء في إيقاظ الكوابيس الطائفية والمذهبية الكامنة تحت رماد التاريخ السوري الحديث .

هذه المشاهد كلها وغيرها في مناطق أخرى وإن أظهرت في بعض منها هشاشة جهاز الدولة إلا أنها في المقابل دفعت الكثير من الأغلبية الصامتة للاستنجاد بالدولة لوقف هذا المسلسل المروع ، وبدا في لحظة ما إن إيقاف التظاهرات لمدة معينة ( وهو أمر طالبنا به ) أكثر من مجرد منح الوقت للسلطة  لتدارك أخطائها مع المتظاهرين أو إطالة مدة زمن سقوط النظام بالنسبة للمتظاهرين فقد كان هذا وهماً كبيراً وقع فيه كل الطرفين فلا يمكن ولم يعد ممكناً العودة بسوريا إلى ماقبل 15 آذار  والمتظاهرون حققوا خلال وقت قياسي كثيراً من المطالب التي اشتغلنا وطالبنا بها لسنوات طويلة دون جدوى مع الاعتراف طبعاً باختلاف الظروف التي قادت وتقود كل مرحلة .

أما اساس التظاهرات في سوريا وهم المتظاهرون الحقيقيون فقد كانوا ضحية مزدوجة ، ضحية السلطة وضحية التدخل الخارجي، وإن كانوا أداة في يد الخارج وفق كثير من المعطيات ومن حيث لايدرون فإنهم بالمقابل قد شرعوا للسوريين أبواب الحرية المغيبة مذ زمن طويل وعلى وقع التغييرات في العالم العربي ( أيا كانت أسبابها وآلياتها وطرقها  ) .

هؤلاء الناس يجب الوقوف عندهم طويلا ، من هم ؟؟ لماذا هم ؟؟ ما لذي تغير وكسر حاجز الخوف ؟؟ من فتح لهم أبواب الحرية وانطلقوا كطائر الفينيق مرة أخرى ؟؟ هل نأتي بجديد عندما نقول أن ما حصل في الجوار العربي القريب والبعيد شقق جدران الخوف السوري وشققها بسرعة كانت كافية لتنطلق شرارة التظاهرات في بلد يعاني أصلاً من إهمال داخلي متراكم على حساب الخارجي المتمكن والمترفع على حساب الداخلي وبتشف كبيرين ، هناك أناس كثير داخل البلد يعانون من الإهمال والظلم والسلب وتغييب الحقوق ولكنهم بالمقابل وقياساً بأنظمة عربية مشابهة يفصلون بين النظام ورأسه ، بين المفسدين والفاسدين وهم ليسوا قلة في النظام وبين رأس النظام النظيف والقريب من الناس والبعيد عنهم في ذات الوقت .

هؤلاء الناس بتعدد مشاربهم وأماكنهم وهوياتهم وأشغالهم خرجوا إلى الشارع يطالبون بحقوق مهدورة طال الزمن عليها ولم يكن إسقاط النظام وارداً في حساباتهم تجاه البلد ، ولكن التداخل الفظيع والتدخل الخارجي أساء مرة أخرى على المشهد السوري الثائر بعد غياب أربعين عاماً عن الحراك الشعبي المطلبي .

نعيد هنا التأكيد على أحقية هذه المطالب رغم عدم توحدها أياً كانت وأياً كان سببها ولا نشكك بالمطلق بوطنية هؤلاء الناس السوريين فهم أبناء البلد المظلومين وهم ضحايا شبكات الفساد والحكومات المتتالية الإهمال والتغييب والبيانات الكاذبة والمزيفة والتي غاب عنها الحساب والمحاسبة طويلاً والتي أيضاً يجب أن كون حسابها ومحاكمتها أحد أهم القضايا التي يجب طرحها ليس للتداول  العام فقط بل ولتصفية جميع ما مارسته على السوريين من غبن للحقوق ونهب منظم بدعم واضح من بعض شخوص السلطة والأسماء معروفة للقاصي والداني في سوريا خارجها وداخلها .

هذا المشهد السوري الكامل تقريباً وفق ما نعرفه من معلومات ووفق ما نظن أنه الأقرب للصحة في وقت تتداخل وتتعارض المعلومات وتتناقض كثيراً أحياناً ، ولكن ما تفضي إليه لا يختلف فيه اثنان من السوريين أنها أزمة وطنية  حادة جداً وتحتاج إلى عقل كبير لتجاوزها وأول شروط تجاوزها البدء بالإصلاحات العاجلة علها تهدئ الشارع المحقون والمتوتر وتعطي فرصة لحوار وطني وعقلاني يأخذ فيه الحل الوطني فرصته لتجنيب سوريا مزيداً من الدماء ومزيداً من الانشقاق في للمجتمع .

هل توافق السلطة على طرح الحوار الوطني كحل ممكن ؟؟ وهل يوافق المحتجون والمتظاهرون ؟؟ لسنا نشك في النوايا السورية الرغبة في عدم تكرار سيناريوهات ليبيا واليمن حتى الساعة ، ولكن مانخشاه حقيقة هو أن يرفض كلا الطرفين هذا الحل ، وساعتها لن ينفع الندم .

 



[1] في مقال سابق ونتيجة للتشابه الكبير بين مقطع الفيديو هذا ومقطع  فيديو مشابه عراقي للجيش الكردستاني وقعنا في خطأ نفي الأمر عن الأمن السوري وحقيقة انه في البيضة ويجب محاسبة كل من تورط في هذا الأمر وبهذه الطريقة السيئة .

أنت الآن هنا