تاريخ النقاب في الإسلام : محاولة لرؤية عقلانية جديدة (6)

مفهوم الفتوى في الإسلام :   الفتوى (clear argument ) هي بالتعريف المبسط رأي ديني يأخذ قيمة القانون الوضعي يوضح قضية أو إشكالية حياتية يعاني منها شخص مسلم  أو مجموعة من المسلمين يصدرها رجل دين إسلامي أو مؤسسة إسلامية استناداً إلى النصوص المقدسة سواء تلك التي مصدرها الله  ( القرآن ) أو تلك التي أصبحت جزءاً من التراث الفقهي للمسلمين كأحاديث النبي أو آراء الفقهاء اللاحقين أو الاجتهادات التي أدى الحوار حولها إلى إصدار حكم قيمي بضرورة إتباع توجيه محدد أو تصرف محدد واضح المعالم والدلائل ضمن المنظومة الإسلامية .

وبما أن حديثنا عن النقاب والحجاب فإن الوضوح وسلطة حجّية النقاب ونفيها المؤكد تنبع هنا من تجربتنا الواسعة الطويلة الأمد مع التقاليد الدينية الثقافية الإسلامية واليهودية والمسيحية وتقاليد ما قبل كل التوحيديات كما مر معنا في هذه السلسلة من المقالات ، بدون أن تتجه إلى تقييد الاقتناع بها أو الإجبار عليها ، أو الاعتقاد بمطلق صحتها  ، أو فرضها من قبل طائفة أو فرد على آخرين  ، أو حتى فرض هذه النتيجة كتقليد مجتمعي ديني كما هو الحال عند الشيعة أو السنّة.

كما أن هذه الفتوى واضحة أيضا ، من ناحية علم الأحياء الطبيعي ومن ناحية اختيار الأنثى المنتجة للبشر كمؤسس  للنشوء البشري ولتطور الذكاء الإنساني  ولتدفق الأجيال البشرية اللاحقة  .

ضمن الشروط القرآنية نفسها ، هذه الفتوى بوجوب النقاب ليست ' حجّة واضحة ' ، كما نرى مفهوم الحجة الواضحة في سورة الزخرف الآيات 61-63 والتي تتعلق بعيسى حيث يقول القرآن في ذلك "  لَمَّا جَاء عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ".

بالنسبة للمؤمنين بالمساواة بين الجنسين فإن النقاب والحجاب رمزين للظلم ، ولكن بالنسبة للعديد من المسلمين فإن الحجاب والنقاب هما رمز تميز ومفارقة مجتمعية حتى إلى درجة أكبر مما يستدعيه التقرب أو التشبه بالنبي محمداً وزوجاته (أمهات المؤمنين )، وهو أيضاً في الوقت الحاضر في جزء منه رفض للقيم الغربية خاصة في السنوات الأخيرة من القرن الماضي حين تحول الغرب إلى متهم بتدمير الإسلام وهو تمثيل أكثر حضوراً وتعبيراً عن وعي الذات الإسلامية  .

إن السؤال الهام الذي يتعرض له أي شخص يبحث في هذا الموضوع أن هل النقاب هو " فرض " قرآني ؟

إنّ الجواب السريع هو " لا " ، إن  القرآن لا يطلب من النساء أن  يغطين وجوهن بالحجاب، أو يغطين أجسامهم بالبرقع أو عباءة الجسم الكاملة ( الشادور ) ، كما في إيران وأفغانستان وباكستان والسعودية مثلاً . ولكن القرآن لا يعالج مسألة الحجاب بمثل هذه الطريقة التي فسرت من قبل رجال الدين المسلمين من الناحية التاريخية  على أنها تنطبق على المرأة  و إن لم يكن بشكل صحيح بالضرورة  .

وعلى الرغم من مزاعم بعض رجال الدين الإسلامي المحافظين أن النقاب واجب (إلزامي أو فرض)  أو مستحب (موصّى به) فليس هناك قاعدة لهذا الإدّعاء في القرآن ، وبينما يحاول رجال الدين المحافظون خداع القرآن والحديث معاً (سنرى ذلك لاحقا) ويعمدون إلى تقديم تبرير ملتو لفرض هذه الاعتداءات على  النساء ، تؤكّد كلّ الدراسات المستقلة أن ليس هناك قاعدة لهذه الإدّعاءات التقييدية ، علاوة على ذلك فإن فكرة أن الله يفضّل أن تتحجب المرأة  ، أو أن تغطي  كامل جسمها ، أو كلّ جسمها ماعدا الوجه واليدين  أو أن من الضّروري أن تتحجب النساء  لحماية أنفسهن من اعتداءات الرجال، والمجتمع من الرذيلة ، لهي فكرة مضللة خاطئة تستعمل من قبل الرجال للسيطرة على النساء ككل ، ولتقييد  وصولهن إلى الاستقلال السياسي والاجتماعي والتربوي وبالتالي تطوير المجتمعات المسلمة باتجاه تحقيق فكرة المواطنة ( بفتح حرف الطاء) والانتقال من مفهوم المجتمع الديني إلى مجتمع الإنسان.

هل كانت زوجات محمد ترتدي النقاب أو الحجاب ؟؟

لم يكن حجاب المرأة بدعة إسلامية محضة كما أشرنا سابقاً ، لقد كان استجابة في زمن ما لظروف بيئية واقتصادية واجتماعية سادت منطقة الشرق الأوسط في أزمنة مضت ، لقد كان الحجاب موجوداً في فارس قبل الإسلام ، كما كان معروفاً لدى البيزنطيين المسيحيين ، وكان معروفاً في بابل ومصر كأحد الأزياء التي ترتديها المرأة ولكنه لم يرتبط بأي مفهوم ديني ( ثوابي أو عقابي أو حتى إيماني ) ، ويمكن مراجعة المقالات السابقة للاطلاع التفصيلي على هذا التاريخ في المنطقة العربية .

بالنسبة للنبي محمد فإنه في المرحلة التي حكم فيها المدينة ( يثرب ) وكان خلالها يقوم بالتأسيس لدولته الجديدة فإن موضوع الحجاب والنقاب وتوابعه لم يكن يشكل هاجساً كبيراً له لأن هناك مشاكل أكبر يهتم بها ، وحتى في الموضوع الاجتماعي كانت المشكلة الأكبر هي مشكلة العلاقة بين الرجل والمرأة وما يتبعها من تفاصيل وأمور تحتاج فتيا ( جمع فتوى) وحلاً قرآنياً سريعاً وسنورد في التالي بعض الصور والأحاديث عن أحوال مجتمع المدينة في عهد محمد خارج التصورات المثالية التي يعتقد الكثيرون أن ذلك المجتمع كانها ، فهو أولاً وآخراً مجتمع بشري يعيش فيه بشر تبعاً لثقافتهم وتاريخهم بيئتهم وتبعًا لمؤثرات تلعب دورها في تشكيل وعيهم عن العالم وليس مجتمعهم مؤلف من " دير " يعيش فيه " الصحابة والنبي " في " عزلة عن العالم وعن متغيرات الحياة "  .

" عن عبد الرحمن بن أبي رافع أن أم هاني بنت أبي طالب خرجت متبرجة قد بدا قرطاها فقال لها عمر بن الخطاب : اعملي فإن محمدا لا يغني عنك شيئا فجاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته فقال رسول الله  : ما بال أقوام يزعمون أن شفاعتي لا تنال أهل بيتي ؟ "( [1]).

إن تبرج أم هاني بنت أبي طالب أخت علي وبنت عم محمد ؛ أفزع عمر بن الخطاب حتى لفت نظرها إلى أن محمدًا لا يغني عنها شيئًا أي في يوم الحساب فقامت بشكواه  إلى محمد الذي كما تقول روايات اخرى من نفس المرجع  ( صحيح بخاري) أنه عصب وقال بنرة عالية  أن له شفاعة أكيدة يوم القيامة وأن أول من تنالهم هم أهل بيته أي بني هاشم ؛ فهو لم ينف واقعة تبرجها ولم يخطٍّئ ابن الخطاب في لفت نظرها إلى ذلك ولكنه أخذ عليه إنكاره شفاعته وأنها ستشمل بني هاشم وأم هانئ منهم أي أن تبرج أم هانئ ليس مشكلة .

وكي لا يقال أن هذا الحديث جرى قبل آيات النقاب الافتراضية فإن هذا الحديث واقع بعد زواج محمد من زينب بنت جحش التي نزلت في ليلة دخلتها تلك الآيات ( سنفرد لها بعد قليل موقعها الخاص لأهميتها ) ولمن يرغب بالتأكد مراجعة صحيح بخاري أو تفسير ابن كثير أو غيرهما .

وفي رواية ثانية  أن عمر بن الخطاب خطب أم كلثوم فقال علي : إنها صغيرة فقال عمر : يا أبا الحسن زوجنيها فإني أرصد من كرامتها مالا يرصدها أحد ، فقال علي أنا أبعثها إليك فإن رضيت فقد زوجتكها ، فبعثها إليه ببرد وقال لها : قولي له : هذا البرد الذي قلت لك فقالت ذلك لعمر فقال : قولي له قد رضيته رضي الله عنك ، ووضع يده على ساقها فكشفها فقالت له : أتفعل هذا ؟ لولا أنك أمير المؤمنين لكسرت أنفك ثم خرجت حتى جاءت أباها وأخبرته بالخبر وقالت : بعثتني إلى شيخ سوء ! فقال : مهلا يًا بنية فإنه زوجك )إن كشف عمر لساق البنت ثابت في عدة مصادر ، منها ما أورده ابن قدامة في موسوعته الفقهية " المغنى :" ( وقد روى عن سعيد عن سفيان عن عمرو بن دينار عن أبي جعفر قال : خطب عمر بن الخطاب ابنة علي فذكر منها صغرًا فقالوا إنما ردك فعاوده فقال: نرسل بها إليك تنظر إليها، فكشف عن ساقيها، فقالت: أرسل ( أي أرخ ثوبي ( لولا أنك أمير المؤمنين للطمت عينك.

في نصوص الحديث النبوي الكثير من هذه القصص التي يمكن تلخيصها بأن العلاقة بين الرجل والمرأة في العهد المحمدي ومن ضمنها موضوعة النقاب والحجاب لم تكن على سلم رأس اهتمام محمد بل كان تأسيس الدولة ومد سلطتها هو شاغله الرئيس إلا أن هذا لم يلغ بحال من الأحوال اهتمام محمد بمجتمعه ، والواضح أن مجتمع يثرب كان يتمتع بالمواصفات التالية :

  1. أنه مجتمع مختلط ولا يوجد فيه فصل بين الجنسين والدليل على ذلك العديد من الأحاديث التي تشير إلى حضور الرجال مجالس النساء وبالعكس وإلى وجود النساء في المجتمع بمفردهن دون قيود وإلى حضور المرأة في شتى مناحي الحياة فهي تتاجر وتعمل في الزراعة وهي تعيش حالة " ديمقراطية " في أسئلتها عن الدين الجديد فتسأل محمداً وتسأل صحابييه وهي كغيرها من فئات المجتمع خاضعة لظروف المجتمع الجديد المستجدة فهناك مثلاً مشكلة  " المغيبات " أي اللواتي أزواجهن يقاتلون مع محمد في غزواته ويتركونهن في المدينة لوحدهن لمدد غير معروفة ولهذه المشكلة عدة جوانب ووجوه ليس أكثرها مثالياً ، نقرأ مثلاً في قضايا مجتمع يثرب أن ( عن جابر بن سمرة قال : خطب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال : أكلما نفرنا في سبيل الله عز وجل خلف أحدهم نبيباً كنبيب التيس يمنح إحداهن الكثبة ، أما والله إن يمكنني الله من أحدهم منهم إلا نكلته عنهن ) والنبيب : الصياح والتيس ذكر الماعز. والحديث يصور بعبارات شديدة اللهجة أحوال القاعدين الذين يحومون حول المغيبات وتشبيهه لهم بالتيوس التي تصيح إغراء لإناث الماعز تشبيه مستقى من البيئة، وهو ( = الحديث ) يدل على أن المشكلة لم تكن فردية بل جماعية بل أنها تحولت إلى ظاهرة اجتماعية وإلا لما جاء وعيد محمد شديداً وصل حد النكال والتنكيل والرجم في بعض الحالات إنما الذي شك فيه أن تلك الأحاديث رغم قساوة العقوبات التي حملتها وصرامة الوعيد الذي بشرت به لم تمنع التيوس من القاعدين من الدخول على المغيبات والاستمتاع بهن فقد رأينا فيما سلف حكاية الأنصاري الذي دخل على زوجة ( أخيه ) الثقفي الذي كان خارجاً في غزوة أو سرية ... وسلك محمد في علاج مشكلة المغيبات طريقاً آخر وهو نهي الأزواج عن مفاجأة زوجاتهم ليلاً ويسمى" الطروق ليلاً " : ( إذا دخلت ليلاً فلا تدخل على أهلك حتى تستحد المغيبة وتمتط الشعثة ) . والاستحداد هو حلق العانة وتسمية العامة في الشرق العربي : " النتف " . وهي كلمة عربية فصيحة ، والشعثة هي التي تفرق شعرها لعدم الامتشاط .( إذا أطال أحدكم الغيبة فلا يطرق أهله ليلاً ) . ( قال النبي – صلى الله عليه وسلم - : لا تطرقوا النساء ليلا حتى تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة ) [2].
  2. إن مجتمع يثرب كان مجتمعاً يتمتع بحراك اجتماعي لا تقيده الضوابط التي وضعت لاحقاً على العلاقة بين الجنسين ، وأن هذه الضوابط وضعت من قبل خلفاء محمد الراشديين وليس من قبل محمد الذي كان يتمتع بحس جعله يفهم ويعي أن مفتاح نجاحه في تأسيس الدولة هو الربط المستمر بين البشر وعلى قيم يعمل على ضبطها تدريجياً وعلى " تهذيبها " دون أن يلغي التواصل البشري كما فعل خلفاؤه لاحقاً ، إن بيئة يثرب كانت بيئة أشبه بواحة وسط  صحراء وليس لهؤلاء القوم أي نشاط ثقافي أو رياضي أو فكري خلا الشعر الذي كان  ـ ولا يزال ـ نخبوياً إلى حد كبير ، وبالتالي كان اتساع وقت الفراغ ما لا يحصر وكان أبرز تفريغ للوقت في بيئة حارة هو الجنس ولكلا الطرفين وهذا طبعاً لا يلغي الحالة الدينية الجديدة التي باتت تنمو شيئاً فشيئا .



[1] مراجع الحديث النبوي كثيرة ، ونعتمد هنا كتب الحديث الستة المسماة الصحيحة ولن نذكر الصفحات أو دور النشر أو غيرها فهي معروفة للجميع ونحن نعتمد كذلك مراجعاً إلكترونية صادرة عن الهيئات الدينية الإسلامية  للبحث والتنقيب والتدقيق وسنضع الروابط لهذه المواد في نهاية البحث.

[2] يمكن الاطلاع على ملف كامل عن الحياة في يثرب والعلاقة بين الرجل والمرأة هناك في كتاب الراحل خليل عبد الكريم " مجتمع يثرب : العلاقة بين الرجل والمرأة " من منشورات سينا للنشر ،كما يمكن تحميل الملف من موقع 4shared.com

أنت الآن هنا