لا للنقاب ، لا للحجاب ، لا للتعري في المجتمع السوري (4)

عرفت أغلب الحضارات المشرقية الحجاب أو تغطية الرأس بالمعنى الأدق للكلمة ولم تعرف النقاب بشكله الحالي المرضي ،وهذا النفي المؤكد تثبته الرسوم و الصور والكتابات والأساطير الموجودة في كل حضارات الشرق العربي ، كما أن منتجات حضارة منطقة الهلال الخصيب أو وادي النيل  وبمختلف مراحلها الحضارية تظهر النساء إلى جانب الرجال في كل مشاهد الحياة والممات وعلى سويةٍ حضارية شبه واحدة  فكلاهما اشتغل على تطوير حياة المجموع ـ الجماعة ـ القبيلة وبكامل الوعي المتاح ، الوعي الحضاري المحقق لهوية مكتملة تتحقق بالتكامل النوعي بينهما ، ولما يربط الشكل الخارجي بالتقييم الأخلاقي أو الديني أو المجتمعي .

تاريخ الأزياء في  مصر : السخينتي نموذجاً

لقد تأثر الزي على الدوام بالمعتقدات الدينية وهذا أمر منطقي في بيئة أنتجت للحضارة البشرية أغلب المفاهيم الدينية عبر تاريخها الطويل ،وفي مصر حيث كان الإيمان بالبعث بعد الموت والحياة الأخروية الدائمة منطلق الإيمان وركيزته فقد شكلت فكرة ملاقاة الآلهة بأبهى حلة وشكل هاجساً انتقل تأثيره إلى العمارة و الزي ونمط الحياة ككل دون إغفال الموضوع الطبقي ، فقد كان الرجال يرتدون لباساً يسمى " سخينتي " وهو قماش أبيض ضيق يلف حول الوسط ويثبت بحزام ويزين بالجواهر والمجوهرات و التطريزات الزاهية ويرتدي الملوك فوقه مئزراً من قماش موشى بالذهب بينما ارتدى العبيد نفس السخينتي ولكنه كان أقصر ويمنع تزيينه .

أما النساء فكن يرتدين لباساً طويلاً يربط بإحكام من أعلى الكتفين يسمى      " الكالازيريس "[1] وقد يوضع شال أو حزام حول الخصر ، ويصنع هذا القماش من الكتان أو من القطن أو من الصوف أو الحرير لاحقاً ، وقد كانت نساء الريف الفقيرات يرتدين الثياب الخشنة المصنوعة من القطن أو الكتاب بشكل رئيسي أما نساء البلاط والكاهنات وملاك الأراضي فقد كن يرتدين الملابس الرقيقة الناعمة المصنوعة من القطن كذلك ولكن المعاد ترقيقها ، ولم تكن كلتا الطبقتين ترتدي ما يغطي الوجه بل كانت بعض نساء الريف ترتدي غطاء رأس أثناء العمل في الحقول أو حتى في المنزل أو أثناء الذهاب للتسوق  ولكن ليس كتعبير ديني فليس هناك في النصوص المقدسة المصرية  ـ وهي نصوص توحيدية في كثير من أركانها ـ أي إشارة لتحجيب أو تنقيب أو فصل بين الرجال والنساء في معترك الحياة سواء في العمل أو في التقدير الاجتماعي الذي ارتبط بشكل وثيق بالوضع الطبقي كأغلب الحضارات القديمة سيما وأن مجمع الآلهة المصرية كان مشتركاً بين الآلهة الذكور والإناث ( حتحور وسيت و بست ...الخ )[2] .

لقد كان وضع المرأة في الحضارة المصرية وعبر تاريخها الحضاري الطويل موازياً  ومتساوقاً مع دور الرجل ولم تكن أقل منه في أي من شؤون الحياة فهي ترث وتورث وتقضي وتحكم وتكتب وتقرأ وتناقش وتبني ...وإلى ما هنالك ، يثبت ذلك جملة الرسوم والكتابات على جدران المعابد والمقابر  والحواضر وعلى  البرديات التي وجدت في عديد الأمكنة .

في أغلب التماثيل والرسوم كان حجم الرجل مساوياً لحجم المرأة وهذه دلالة على نمط تفكير  كان سائداً في العلاقات الاجتماعية خاصة تلك الفترات التي كانت الدولة المصرية في ذروة مجدها أي في الفترة التي كانت الهوية الوطنية بلغة هذه الأيام محققة و منجزة والاشتغال بالتالي على إنتاج المضمون الحضاري أو بنى الثقافة وقد أدت مصر وحضارتها بها دوراً رئيسياً وبجدارة يعترف بها القاصي والداني رغم النظام العبودي القاسي والمجحف .

إذاً لم يشكل موضوع لباس المرأة أية إشكالية في المجتمع المصري القديم ولم يكن مقياساً لأي تقييم أخلاقي أو غير أخلاقي بل كان لباساً ولبساً فقط والوضع الطبقي للباس كان ولايزال مؤشراً طبيعياً على الحالة الاقتصادية والتي لم تكن مغلقة على الصعود والهبوط كما هو الحال في مجتمعات أخرى .

 

تاريخ الأزياء في  بابل : الكاندي  نموذجاً

لم تختلف حضارة بلاد الرافدين عن حضارة مصر  في تفاصيل اللباس ،فقد كانت بابل ـ مهد الثقافة ـ استمراراً لحضارة السومريين العرب [3] الذين قدموا للعالم ـ للحظة ـ أهم الأساسات التي انطلقت عجلة الحضارة عليها : الدولاب والكتابة .

الزي السومري ومثله البابلي يسمى الكاندي ويصنع من القطن أو الكتان وكانت جميع طبقات المجتمع ترتديه وهو ثوب قصير يشد بحزام في الوسط وكان الاختلاف في الزي يرتكز على التزيينات في اللباس وقد كانت ترتديه النساء كما الرجال ولأن هؤلاء القوم كانوا يحبون الحياة فقد كانت ثيابهم زاهية الألوان وقد احتكروا سر الصباغة لفترة من الزمن واشتهروا بإنتاج الأوان البني والنيلي والأحمر والأصفر والأخضر .

لم يكن وجه المرأة خارج هذا السياق كما كان في مصر ، غطاء رأس أحياناً وثوب طويل يشبه العباءة العراقية الحالية ( تسمى في المغرب العربي والجزائر غندورة ) مع الشال الأبيض أو الأحمر الطويل كما يليق بأميرات متوجات .



[1] يصعب ترجمة الكلمة إلى العربية خاصة ولكن يتوقع أن تكون ترجمتها ما يقرب حالياً من " العباءة "

[2] يمكن لتفصيل دور وتاريخ آلهة مصر في المشهد الحضاري العربي مراجعة كتاب علي فهمي خشيم " آلهة مصر العربية " من منشورات الدار الجماهيرية للكتاب – طرابلس الغرب – المجلد الأول

[3] حاول مؤرخو الغـرب  دوماً التركيز على أن أصل السومريين إما غير معروف أو أنهم من عرق آري قدم وسكن ضفاف الخليج العربي أواخر الألف الخامسة قبل الميلاد ، ولكن الكشوفات الأثرية في الكويت ( جزيرة روبيان ) وفي البحرين (دلمون ) أثبتت أن السومريين هم من أهل المنطقة ومن سكانها الأصليين ولذلك أسباب عديدة لن ندخل في تفاصيلها الآن ولكن يمكن لمن يرغب بالتوسع في الموضوع مراجعة كتاب " حضارة سومر " وتجدونه على النت في موقع مكتبة المصطفى .

أنت الآن هنا