ورغم أن عقوبة الزنا في اليهودية هي عقوبة نظرية فإنها لم تنفذ إلا فيما ندر وخاصة إذا كانت المراة الزانية يهودية أو يعود لزناها استمرار القبيلة اليهودية هذه أو تلك ، ويزخر كتاب التوراة بكثير من قصص الزنا إلى درجة دفعت كاتباً توراتياً انتفخ عقله مما وجده في التوراة فكتب " إنه كتاب من البداية إلى النهاية عن السلوك الهدام ، نساء يتزوجن الثعابين ، أخوة يقتل بعضهم بعضاً" ويصل ميشيل فينتورا إلى استنتاج " أن مجتمعاً يرفع مثل هكذا كتاب إلى درجة كتاب مقدس لهو مجتمع معرض للجنون " [1].
وجدت اليهودية في زمن كان تقريبياً حوالي الألف وثمانمائة قبل الميلاد ضمن مجتمعات شرقية عديدة كان نظامها الاجتماعي السائد نظام إقطاعي عسكري طبقي فهناك إلى جانب الناس الأحرار عبيد ، رجالاً ونساء ، وكانت الديانات السائدة متعددة ومختلفة ولكنها تجتمع في سياق حضاري هو احترام كل منها للآخر و الاعتراف بأحقية الاختلاف والوجود لكل منها ولم نقرأ أو نسمع عن تدمير معابد بل كان كل غزو يتوج بتقديم الغزاة لأضحيات لآلهة البلاد المغزوة وكثير من اللقى الأثرية تؤكد هذا الأمر .
بالعودة للفكرة الرئيسية التي يقدمها المقطع التوراتي السابق وتفكيك بنيته ضمن الإطار التاريخي الذي أنتجه نجد التالي :
- أولاً إن فكرة النقاب في اليهودية ارتبطت بشكل أو بآخر بموضوع الزنا ، الزنا الذي هو بالتعريف العام إقامة علاقة جنسية خارج مؤسسة الزواج وعير قنوات تفتقد إلى التشريع والشرعنة وقد كان عقاب المسيحية واليهودية والإسلام للزنا عظيماً جدا كرد فعل تاريخي على مؤسسات ومعابد الجنس المقدس التي سادت في الحضارات غير الموحدة الآلهة كالحضارات السورية والمصرية اللاحقة للألف الثالث قبل الميلاد.
- إن فكرة النقاب وبعد التدقيق تبين أن مصدرها الأكثر ترجيحاً ليس اليهودية وقبائلها الرحل ، بل هو نمط لباس ارتبط بمعابد الجنس المقدس ، وقد نقلت اليهودية ماورد أعلاه من ضمن ما نقلته من عادات المجتمع المشرقي السوري المصري وبذا ليس لليهود دور في اختراع الفكرة .
- إن النقاب كفكرة أيضاً هو ناتج محلي لم يعمم كثقافة مجتمعية أو يطالب به كتبيان فاصل بين حدود الطبقات الاجتماعية ، لقد ظل هناك هامش حرية كبير بين النساء والرجال على حد سواء في هذا الموضوع ، وعند الحديث عن النساء سنجد أن النساء الأحرار وغير الأحرار وفي جميع اللقى الأثرية أو الكتابات المشرقية لم يكن هناك تدخل " رباني " في موضوع " حجابهن " أو " لباسهن " ،لقد كان هذا الموضع آخر هم يمكن للرجال التفكير به في هذه المنطقة .
- لماذا ؟؟ لماذا لم يشكل موضوع " حجر " المرأة وتحجيبها في الشرق العربي السوري المصري أي هاجس لرجال ذلك الزمان ( الذين ليسوا أقل فحولة بالتأكيد من رجال هذا الزمن )، السبب الواضح هو أن هؤلاء الرجال أبناء الحضارة الزراعية يعرفون قيمة الإنسان ، الإنسان وليس الرجل أو المرأة ، وحتى إذا ما أخذنا الأمر على غير هذا فإن وجود المرأة الزراعي ومشاركتها الرجل كل الأعمال الزراعية ودورها الحضاري في اختراع الخبز والدولاب والفرن والبيت والزراعة نفسها قد أخرج المجتمع من زاوية النظرة الجنسية الضيقة للعلاقة بين الرجل والمرأة ككل ضمن مجتمع يخضع هو الآخر لقانون أخلاقي مكتوب أو شفوي أو يخضع لجملة تراتبات اجتماعية تفرض حضورها بالتوازي بين الحقوق والواجبات ، لنلاحظ مثلاً أنه في شريعة حمورابي لم يرد أي فصل أو تدقيق أو تحريم أو تحليل للباس الذي يجب على المرأة أن ترتديه سواء في بيتها أو في خارجه فهذا كان ولازال يفترض انه شأن شخصي ضمن منظومة القوانين المتداولة . أما في طقوس الوفيات حيث مثلاً يتوفى زوج المرأة فهناك تقليد شرقي لازال مستمراً لليوم يتمثل في ارتداء المرأة لحجاب ولباس أسود وهذا الطقس مستمد من ثقافات أقدم ترجع إلى الألف الثالثة قبل الميلاد حيث كان طقس غياب الإله بعل (أو غيره ) يقابل من قبل الناس ضمن الطقوس التعبدية بالنواح والبكاء من قبل كاهنات المعبد والنساء والرجال عموماً بارتداء لباس أسود وغطاء للرأس بما يشبه اليوم إحياء ذكرى مقتل الحسين والطقوس المرافقة لذكرى مقتله من نواح نسائي وولولة وطعن بالسيوف وغيرها من الطقوس [2]( مزيد من التفاصيل في كتاب لغز عشتار للباحث السوري فراس السواح ويمكن تحميله من الرابط التالي www.4shared.com ) ، هذا الطقس لا علاقة للإسلام به على الإطلاق ، بل على العكس لقد وقف القرآن ضده ورفض بالمطلق النواح على الميت وزيارة القبور وما إلى ذلك [3]، وهذه لنا عودة لاحقة لها فيما بعد في البحث المتعلق بتاريخ النقاب الإسلامي.
- كذلك يجب الانتباه إلى أن النقاب اليهودي لم يعمم كثقافة مجتمعية ضمن مجتمع اليهود القبلي في أماكن حلهم وترحالهم ومشاكلهم، لقد ظل النقاب خارج بنية الثقافة اليهودية (المسروقة من ثقافة المنطقة ولأن أهل المنطقة لم يعمموها فلم يعممها اليهود ) ، وظلت علاقة اليهود بالمرأة خاضعة لتفكيرهم الضيق بالانتماء اليهودي للقبيلة أولاً وآخراً كعقدة أزلية مستمرة لدى اليهود ، فالمرأة مشيئة ( من الشيء ) وهي متاع يورث للابن إذا مات الزوج الأب ، وهي دائماً نكرة مقصودة في السياق التوراتي للتاريخ رغم استخدام اليهود لها كأداة لتحقيق مآربهم الخبيثة فإنها لم ترتق إلى مصاف الإنسان وهي الفكرة التي التقطها كثيراً فقهاء الإسلام المتأخر فبدؤوا بقصة آدم وحواء التوراتية وعمموها رغم أن النص القرآني يختلف عن الطرح التوراتي في المسألة فالمسؤولية في هبوط البشر في النص القرآني يتوزعها آدم وحواء معاً [4] في بعض الطروحات الحديثة ، المهم أن اليهود وآدابهم وكتبهم بما فيها السرية ( التلمود و الهالاغا وغيرها ) لا تنظر للمرأة خارج منظومة النقص في العقل والدين وهي ذات المنظومة الدينية السلفية الإسلامية التي يتم بموجبها تبرير الوضع المتدني للمرأة العربية والمسلمة في التاريخ والمجتمعات العربية .والتي تقع على التضاد مع جميع الأساطير والأديان السابقة على الثلاثية الربانية الأخيرة وصورة المرأة فيها كما سنرى بعد قليل مختلفة أشد الاختلاف ، وسنعود الآن للحضارة المصرية باعتبار أن هناك تعالقاً تاريخياً بين التوراة ومروياتها عن مصر ووجود اليهود في مصر أقله كما ذكرته التوراة وحاول كثير من الباحثون إثباته وفشل أغلبهم كما هو الحال في كثير من المدارس الغربية الجديدة التي أحالت التوراة إلى رف كتب الأساطير حتى غير الموثوق بمصدرها ( لمزيد من التفاصيل يرجى العودة إلى كتاب وايث لام اختلاق إسرائيل القديمة " ترجمة زياد منى منشورات دار قدمس أو نفس الكتاب في سلسلة عالم المعرفة الكويتية وتجدونها على الرابط السابق ) .
في العدد القادم : تاريخ الأزياء في مصر وبابل و فينيقيا
[1]ميشيل فينتورا ، رسائل عند الثالثة فجراً ، منشورات لافيلاج فيو ، تشرين أول 1994 ص 5 – بالفرنسية
[2]يمكن هنا التأكيد على استمرار فكرة " الإله المقتول " في ميثولوجيا الشرق ضمن الأديان التوحيدية الثلاثة وبأشكال مختلفة ، كذلك يرد البحث بهذا الشأن لدى فراس السواح في كتابه " لغز عشتار " .
[3]سورة التكاثر والاسم فعلاً غريب !!! لقد ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر " وهي مكية في 8 آيات .
[4]يمكن التوسع في الموضوع وتناوله في كتاب د.نصر حامد أبو زيد " دوائر الخوف ، قراءة في خطاب المرأة – المركز الثقافي العربي – بيروت – الدار البيضاء – 2007 – ص 17 .
