الضجر والملل صديقان وفيان لعازب أزلي كما أنا الآن ، والذباب والبعوض بطلا ملحمة الضجر والملل تلك ، فغالبا ما أتسلى بقتل هذين الكائنين الأسطوريين ، المتعالين على لعبة التطور، والساخرين الأزليين من داروين ونظريته في أصل الأنواع ، فعند البعوض والذباب ، ينهار المعنى من خواء الوجود من المعنى ، ومن تكرار رتيب لعبقرية اللاجدوى من أن تكون كائنا متساويا في الوجود مع كائنين تافهين إلى هذا الحد من التفاهة ، فعدد الخلايا عندي أكبر بكثير مما هو موجود عند ذبابة ما أو عند بعوضة ما، صحيح أن قوانين العلم نفسها هي التي تحكمنا ولكن هيهات من قوانين المعنى أن تجمعنا .
تذكرت الطنجرة الموضوعة على الغاز ، نهضت لأحرك طبخة الشوربة الرائعة التي ستمدني بطاقة الفلسفة تلك التي بدأت بها ، حركت الشوربة قليلا ، عندما كان طنين الذبابة يتعالى مقتربا مني ،تساءلت ببرود كيف كيف أفلتت تلك الذبابة من فخ الفن الذي نصبته لسلالتها ، لا اعرف الرسم ولا الزخرفة ، ولكن من قال ان الفن يحتاج إلى موهبة ، يكفي أن تمتلك التفكير أو حتى الفكر فقط ، والقليل من طاقة ورغبة الانتقام من شيء ما أو من فكرة ما أو حتى من شخص ما ، لتجد فنك الخاص والخالص ،و الذباب والبعوض والضجر والقليل من التفكير ، جعلاني أبتكر فني الخاص (ماي سبشل أون آرت) .
(هذ بالتحديد ما جعلني أغير استراتيجيتي بشكل كلي، بطريقة النظر أو التفكير بالبعوض والذباب تحديدا )
ذهبت لأتفقد لوحاتي الرائعة تلك المعلقة على الحائط ، فانا أتشارك مع الزمن والكائنات الحية (ذباب وبعوض) لإكمال الفن، وهذا إغناء للفن ويعطي حيوية خاصة له، إنه سري الصغير وفني الصغير ، إنه الرسم بالذباب ، كان كل ما علي فعله هو ، أن آتي بصورة ما وأدهن ما أريد وكيفما تريد مخيلتي الفنية من أجزاء من الصورة ، بمادة لاصقة ثم ارش فوق اللاصق كمية محددة من السكر واتركها على طاولة خاصة بمرسم الذباب هذا واخرج من البيت أو أنام وأتناسى الصورة لأعود بعد فترة واجد أن الذباب ملئ الأماكن التي حددتها بالسكر ملتصقا بها بمهنية عالية وحس فني راق ، أما البعوض فكنت أضطر إلى قتله يدويا ورشه بشكل قصدي فوق فراغات معينة ، لخلق مفهوم الظل( كان البعوض ظل الذباب ، وكان فني هذا ظل الاثنين معا )،كنت قد رسمت صورا كثيرة بهذه الطريقة وكانت أول لوحة لي بهذا الفن هي لذبابة ضاحكة على طريقة (لا فاش كي ري )(لا موش كي ري) مرسومة بشكل كاريكاتيري أخذتها من أطلس كبير للحشرات ، أعجبتني فكرة رسم الذباب بالذباب ، والآن أنا أعمل على لوحة يجب ألا يراها أحد، صورة (......... )رششت اللاصق على وجهه وعلى عين واحدة وشريط يمتد باتجاه الصدغين إلى ما وراء الرأس ، الآن وأنا أطبخ الشوربة ينتابني إحساس أن اللوحة قاربت على الإنجاز ذبابة واحدة وتكتمل اللوحة، ذبابة واحدة على العين ،ويبلغ الفن غايته ، كنت أغري الذباب بالاقتراب من فخ الفن هذا بأن أرش القليل من السكر حول الإطار وكمية سكر أكبر داخل الإطار ولكن ما ينقصني ذبابة واحدة فقط ، تذكرت الشوربة وكم كنت جائعا ، ذهبت لأحرك الطبخة ولكن هاهو طنين الذبابة اللعينة يعود من جديد خارج الفضاء الفني المخصص لها، هاهو صوتها اللعين يعود من جديد، نعم اقتربي ، اقتربي أكثر ها أنت وها كفاي وصفقت بقوة وكم كانت فرحتي عظيمة عندما رأيتها تسقط قتيلة في طنجرة الشوربة أتيت بمصفاة صغيرة انتشلت الذبابة القتيلة ووضعتها على العين لتكتمل لوحة القرصان .
الكاتب مصعب حسن كاتب سوري