عزفٌ علــــى المثلــــــــــث ...

....( هذه المرة ..تفاحة  واحدة و آدمان .... المشكلة ليست في حيرتها بأية حال  ...فهذه الحوّاءُ تعرف جيداً لمن تريد أن تهدي تفاحة في الحلق ...لكنّ الأمر أن كليهما يرمقُ اللمعانَ الأحمر المغري لخطيئةٍ يُجملّها منعها ....أحدهما لم تتكبد عناءَ إغرائه ...والآخر لم يهمها درجة إهدائه جمالَ خطيئة ...  ...............                 و إذن..عيونهما الأربعة ترمقُ تفاحة يتسربُ سكّرها منها ...قلوبهما تنبض بخفقانٍ عجيب .. كما لو أكلاها ...لكنهما يحجمان هذه المرة عما يحسبانه خطيئة جديدة  ...يقعان في فخ المثالية ...فيقدمان التفاحة للآدم الآخر...،يتركانه وحيداً في جنته الافتراضية و يهبطان معاً ...، فليكن ...لقد تخليّا بإرادتهما عن الجنة  

           و عن التفاحة وعنه ...مقابل لحظاتٍ من الحلم اللامحقق...ولعلّهما هذه المرة ..لم يكونا خاسرين تماماً .....)        ....وضعتْ مزيداً من النقاط بعد آخر كلمةٍ ثم دستْ الورقة في جيبها ...لا سيما أن الأضواء في القاعة كانت قد خفتتْ قليلاً ..مجبرةً الجميع على قطع وشوشاتهم ..و توجيه أنظارٍ مشتتة نحو سمفونية على وشك أن تنطلق.. ، لحظاتٌ من الصمت الاضطراري ...مرت بثقل ...قبل أن يفرش الموسيقيون  آلاتهم و يبدؤوا بالجريان وراء نوطاتٍ لموسيقيّ من فرط ما استمع لموسيقاهُ فقد السمع ...   .................................. في الصالة الواسعة ...تشتتت العيون باتجاه آلاتٍ مختلفة ..،بعضها راح يرقب الكمنجات الصغيرة ...،بعضها انهمك بمراقبة يدين تطيران بين سواد البيانو و بياضه ...و بعضها الآخر استهواه اللمعان الذهبي للأبواق الكبيرة ...،وحدها آلة صغيرة على الطرف الأيسر لم تنل حصتها الكافية من العيون ...إما لصغر حجمها أو لقلّة ما تشغله من حيزٍ موسيقيّ ...،غيرَ أنّ عيوناً ستاً كانت وحدها ترقب تلك الآلة بتواطؤٍ بصريّ ...لم يكن سببه لون الآلة الفضي و لا صوتها الخافت المتقطع ...و لكن شكلها الهندسيّ هو ما جذب  الأشخاص الثلاثة المتجاورين إليها .. مثلث غير مكتمل القاعدة ..و عصا صغيرة تدور بين أضلاعه بحركةٍ شبه عشوائية ..محاولة خلق فارق في نوطة متشعبة الملامح ....  ............................................................. من بين العيون الستة تلمع عيناها السوداوان ببريقٍ دامع ...حين يأخذها اللحن بعيداً ..فتبدو كما لو أنها لا تسمعهُ .... ،تفكر في الآلة ..و بيدٍ قدريّة عزفت على مثلثٍ آخر منذ أكثر من شهر ...،تفكر أكثر به ..هو الجالس على يمينها صامتاً كعادته ..و ممتلئاً بكلامٍ مكبوتٍ كعادته ..هو الذي مذ عرفتهُ "يبكي و يضحك لا حزناً و لا فرحا ..." و يحترق ُ تحت وطأةِ مشاعرَ لا يسعهُ الإفصاحُ عنها....،يأخذها اللحن إلى لحظة انبهارها الأول به ...يوم ارتدى حلّة  المستحيل و اقتحم واقعها دون إذن...                  .....................                                                                               .على طبق من مصادفة ..قدمها إليه يومها شخص ثالث ..يجلس الآن على يسارها و يبدو منشغلاً بالشخصين على  يمينه أكثر من السيمفونية المفرودة أمامه ... يفكر ربما باللقاء الأول ذاته و بفداحة الحماقة القدرية التي ارتكبها دون قصد ...حين أشعل بثقاب جهله شرارة أضاءتهما و أحرقته في الثانية ذاتها..،ولذا.. محترقاً بآلامه المُبالغ به يرقبها الآن شاردةً في شيء ما ليس من الصعب عليهِ تخمينه ....   ....................          غافلة عنهُ كعادتها ..تظل غارقة في ذلك الانبهار المُباغت ،الذي لم تتمكن بعد من إدراك أسبابه، للشخص القدري على يمينها  ...الأكيد فقط أنها منذ أول لقاء  مازحته كما لو كانا رفيقين منذ الأزل ..دون أن تدرك أنها بعد يومٍ أو أقل ستصير و إياه مزحة في دفتر قدرٍ يحترف التهريج ...قدرٍ قررّ من باب التغيير أن يلعب بثلاث كراتٍ في الوقت ذاته ..غير آبهٍ بما سيصيبهمْ من دوارٍ عصيب بين يديه ... ................               ..... لماذا يأخذها اللحن الآن إلى نوطة حضوره الأول و نشاز ما وُضعا فيه من مأزقٍ عشقيّ ...،هو الذي جاء ليُكمل أحاديث رفيقه عنها بصورة فوتوغرافية حية ..فإذا به يجد نفسه معها داخل إطار صورة لا يتسع إلاّ لاثنين ....وحب ... ،هو الذي أبهرته منذ أول حضور ..فقرّر ألا تبهره بعد ذلك قط ...أو على الأقل حاول أن يقنع نفسه بإمكانية ذلك ....،و هو المسكون بتشريعات المدينة الفاضلة ..و أفلاطونية الزمن الذي مضى بخيره  وأخلاقيّاته...،هو الذي  يفصله الآن عنها مقبض كرسيّ خشبيّ ..و يفصلهُ عنها منذ التقاها سورٌ من "الصواب" عمرّه بيديه المرتجفتين مُرغماً ....وهو الذي بهِ شيءٌ من سُكْرِ امرؤ القيس ...و نزعة الزير سالم  لاقتراف الخمر نسياناً للهموم...متى عساه ُ يقول لأجلها "اليوم خمرٌ و غداً أمر .........."؟؟؟؟!........ .......يلمعُ المثلث الموسيقيّ أمام عينيها الآن ..فيبعدها  أكثر فأكثر عن اللحن المنبعث حولهُ ...و يحملُ ذاكرتها إلى لمعانٍ فضيًّ آخر لقطعتين نقديتين كان يوماً قد أعطاهما لها ...سائلاً إياها أن تحتفظ بهما ..مقابل قطعتين من نفس النوع كانت قد دستهما في جيب اهتمامه المباغت ....،كانت تعرف تماماً أنهُ لن يهديها وردةً أو لوحاً من الشوكولا ..أو شيء مما يتبادله العشاق عادة ... فهو كان حريصاً أن يقنع نفسه و العالم أن العشق لم يلامس قلبهُ يوم رآها ...و لذا اختار لها شيئاً بماديّة حديدية ...لظنه أن الحديد لن يفضح شيئاً مما يعتمل فيه من احتراق ،...هو الذي يُقلّب الكلمات في رأسهِ ساعاتٍ و ساعات قبل أن ينطقها .....و يترك لأحاسيسه مسافة الاختمار ...متى عساهُ يفتحُ جرارَ نبيذه المعتّق و يسمح لقلبيهما  بالترنح البهيّ ؟؟؟؟؟؟....   تخرج الآن من أفكارها و ترتمي في مدى عينيه ...يلقي نحوها نظرة ًعجلى كما لو أنه أحس بأفكارها ...فتنسى الموسيقى الكئيبة أمامها و تستمع لموسيقى عينيه ...تحاول فك رموزهما ...هي التي في كل وجهٍ تبحث أول الأمر عن العيون ...كم جاءت عيناه على مزاج هواها ...ليس لأنهما سوداوان كلياليها ..و ليس لأنهما ما لبثتا تلقيان نحوها نظراتهما منذ أول لقاء و راحتا تخترعان الحجج لتصطدما بعينيها كما لوعن غير  قصد ....،لا و ليس لأنهما مدورتان كقمرٍ نسي أن يصيرَ هلالاً ...ليس لأي من هذا بهرتها عيناه ..أو ليس لهذا فقط ....، و لكن السحر في عينيه يجيءُ من كونهما من نوع العيون التي تُفضي إلى الروح...العيون التي حين تلمسها بنظراتها ..ينفتح باب الروح أمامها و تسمع صوتاً بجناحيين يقول لها "ادخلي" ..فلا تستطيعُ إلا أن ترمي سترة نجاتها و تمضي في متاهاتهما دون خوف ...،هو الذي على عكس كلّ الناس تنظر في عينيهِ حين تكلّمهُ ...و يكلّمها بعينيهِ دون أن يفتحَ فمهُ ولا خزانة َ أسراره ...أتراهُ يُحمّلُ عينيهِ أكثر ممّا تستطيعان من البوح ؟؟؟ .... .........................................................................................  ...يالعينيهِ ..!!تفكر الآن بسحرهما ..يُغريها صفاؤهما بالغرق ...شيءٌ ما فيهما يوحي بالأمان..ويشيْ بأحزانٍ دفينة وجراحٍ لمّا تندمل بعد ...شيء في عمقهما يُصرّحُ بأفكارٍ أكبر من مساحة العمر ...و أحاسيسَ تحاول أن تنفلتَ من قبضة العقل و ترتمي في أحضان الجنون البهي .......،تحسُ أنها تستطيعُ أن تستغني عن الكلام معهُ ...و أنها ليست بحاجةٍ لاعترافٍ منهُ ...لا حاجة بها لتصريحٍ أو قصيدة تفضحُ أحاسيسهُ ...فهي قادرةٌ على تفكيكِ ذلك الصفاء الثابت قطعة ً قطعة كعالمِ آثارٍ أمام فسيفساءٍ من زمن الفن و الحبِ انتحاراً  ...،لماذا عساها أحست أنها قادرةٌ على فهمهِ من اللحظة الأولى بكليّة أحزانهِ و آمالهِ المُضاعة ؟؟ ألأنهُ قالَ أنه يفهمها كما لم يفهمها أحد؟؟..أو لأنها أرادت أن تُقنعَ نفسها بصفائه خشية َ أن تصطدمَ باقتناعٍ يُبدّدُ طفولتهُ في عينيها ...؟؟ هذا ليس مهماً الآن ...المهمُ أن التقاءَ عينيها بهاتين العينين كان قد أشعلَ شرارة ً عشقيّة ً بينهما يوماً و مازال في كلّ غرقٍ بصريّ يُشعل حرائقَ حب دفين لم يُسمح لهُ أن يولد ......! ..................                        .قبلهُ لم تعترف بسذاجةِ حبّ يندلعُ من أول نظرة ...صحيحٌ أن ما بينهما لم يكن حبّاً بالضرورة ..غير أنهُ قرّب إلى ذهنها فكرة الغرقِ المباغتِ من أولّ اصطدامٍ قدريّ..فصارت بفضلهِ تدرك القدراتِ اللا محدودة لكيوبيد ..و تعي أن تشدقنا بأن شيئاً ما لا يمكن أن يحدثَ لنا هو حماقة ٌ محضة ...،فبوجودهِ المخالف للمعتاد ..تعرفت إلى مفهوم حبٍّ تتجاذبُ أطرافهُ رؤؤسٌ ثلاثة لمثلثٍ افتراضيّ لا مساحة لما بين أضلاعه ...و لا قدرةَ لاقليدس على فكفكته....  ...........................................................................................                الآن صارت تعرفُ أن أهميّة الناس لا تُقاسُ بمدّة معرفتنا بهم ...فهناك أشخاصٌ مثلهُ ينفذون إلى مسامات الروح من أول لقاء ..بينما يقفُ آخرون قروناً على أبواب القلب مستجدين الدخول بالحب و الوعود و الغزل الصريح دون جدوى ...،و صارت تدرك أكثر كيف يمكن لنظرة مليئة بالأحاسيس المكبوتة أن تكون أبلغ من آلاف القصائد ..و أكثر قدرة على الإغراق من كل بحور الشعر ....و لذا يفتنها صمتهُ أكثر من كل ما يقولهُ الآخرون تغزلاً بها ...و لعلّ أجمل غزل قيسٍ ما لم يجرؤ على قوله خوفاً من ثورة القبيلة ....  ................ تأخذها أفكارها المباغتة ُ عن عينيهِ إليهما على يمينها ...فتلاحظ طيرانهما الاعتياديّ إليها ...،تعرفُ جيداً أنه لا يستمع لهذه السيمفونية الغربيّة ..فهي تدركُ كم شرقيّ هواهُ و أهواءه ...و كم مثقلٌ بأفكارهِ هو الآن ...أيكون هذا الحزنُ في عينيه هو ما شدّها إليهِ ذاتَ انبهار ..؟؟أو تكون قد تعمدت التعثر بخيوط سحره لمداواة جراحها ال "ما تزال نازفة " من سكاكين سابقيه ؟؟؟ أو تراهُ كان يعد لها جرحاً مستقبليّاً لن يندمل بغيره ...؟؟؟ولماذا يغريها إحساسها بحاجتهِ غير المعلنةِ إليها ...فتحس أن ملاكاً ما قد بعثها إليه لتطبيب جراحه النديّة...و لململةِ ما ينثرهُ الشتاء من صقيعٍ على محيّاه ...بشالٍ صوفيّ صارَ ذات طفولةٍ على قياس ارتعاشه ....؟؟؟!   ......... ................................................................................. .........  يحوّلُ نظرهُ الآن عنها كما لو أن الأسئلة  الكثيرة في رأسها كانت  قد أثقلت مساحة التخاطرِ بينهما ... فأتعبت  نظرتهُ الحانية ....أو لعلّهُ تنبّه فجأة ً لذلك الذي على يسارهما ...و الذي ما لبث يقفُ في وجهِ كلّ عبارة لا تغادر حبالهُما الصوتية ....و كلّ إحساسٍ لا يمنحاهُ أوكسجين الاحتراق تحققاً....،يجلسُ الآن بهدوءٍ مُفتعل.. غير غافلٍ تماماً عن نيرانهما المشتعلةِ بصمت ....يحتلّ المقعد اليساريّ افتراضاً ...لكنها يعرفان تماماً أنهُ في المنتصف ...في المسافة الضوئيّة ما بين بينهما ....و المسافة العشقيّة  ما بين صمتهما .... ،هو الذي أحس من أول لقاءٍ بينهما أنهُ لا بد سيخسرهما معاً _ حبه اللامحقق و صديقه الوحيد _ في مجزرةٍ عاطفيّة واحدة  ...و أن دسّهما في عوالم بعضهما سيكون سبباً لندمهِ لقرونٍ ستأتي .....، فقربهما و بعدهما ...حبهما                 و افتعالهما للاحب ...و أيّ شيءٍ ينتهي ب "هما "سيلغيهِ من قواميسهما و من معادلةٍ لا تحتمل ثلاثة مجاهيل ...فكيف وضع وقود أحاسيسها ..بجانب نارِ عينيه ..و لم يتوقع هذا الاحتراق " النيرونيّ" الكبير الذي كان لابد سيحرقهُ قبلهما ...؟؟؟ كيف لم يلحظ تشابههما التطابقيّ الملامح ... تجاور أمزجتهما وأفكارهما.... أملهما الواحد بوطنٍ فقد الأمل بنفسه ...تلاقيهما على صفحات روايةٍ قرآها تلاقياً قبل أن يلتقيا ...كيف لم يعٍ احتمال ذوبانهما هو الذي منذ زمنٍ بعيد مايزال يعيش على ذوبانهِ في وهمها داخله  ؟؟؟ ...هو الذي أحبّها بصمتٍ مُبالغ به ...و كان يبني سعادتهُ لسنين طويلة على فتاتِ صداقتها  له ...هو الذي كان و مايزالُ على استعدادٍ أن يُغدق عليها أحاسيس فيضه العشقيّ الخفيّ دونما مقابل و يقع في فخ العذاب المحبب  من  طرف واحدٍ طوال العمر ...لماذا أشعلتهُ شرارتهما المفاجئة بكل هذا الغضب ؟؟؟!!ولماذا وجد نفسهُ مضطراً _ دفاعاً عن حب لن يكتمل _ أن يوقظ ديك الجن من رقادهِ قائلاً "أعرني سكينك ..و دواتك ...هما أحب  من سأقتل و لابد من اتباع طريقتك في الانتقام ثم الرثاء ... " و لذا و منذ أول التماعٍ لمحهُ في عينيها و أول ارتعاش تحسسّهُ ليديهما ...كان الشيطان الغافي في أعماقه قد استيقظ من سبات قرون صارخاً  بملء صداهُ "لماذا هو ...؟؟؟" كان بوسعها _لو سألها هذا السؤال _ أن تعدد لها مئات الأشياء ...لكنها كانت تكتفي دوماً بعبارةٍ قدريّة أقلّ إيلاماً ..."المحبة من الله ..." أجل المحبة من الله ...يلقيها في قلوب من يشاء ...و تجاه من يشاء ...و بشكلٍ قد ينسف على رأس أرسطو منطقهُ أحياناً ...و يفنّدُ كل ما قد يبتكرهُ  السفسطائيّون من حجج ....ولذا حين اقتبس شاعرٌ لها "إذا المحبة ُ أومت إليكم فاتبعوها .."لم تستغرب ...فلقد كانت على استعداد لللحاق بأصغر فتات إحساس ....و اتباع دين محبةٍ صادقة حتى النخاع ....،لكن ردتها على هذا النبي الجديد ..لم تكن بيدها ...فهو كان نبيّاً لا يحب أن يُتبع ...حتى ليكادُ هو ذاتهُ لا يؤمن برسالته ..... ......................................................................................................   .... تتابعُ السيمفونية عزفها ...غير آبهةٍ برؤوسٍ ثلاثٍ تتجهُ نحوها دون أن تسمعها  تماماً ....منشغلة ً عن النوطات بالتنقيب في أفكارِ بعضها الآخر ....،ووحدهُ الحب يجلسُ على المقعد الرابع منتظراً دورهُ في الحكاية ....مرتدياً بدلةً رسمية الحزن ... ربطة عنق من الخيبة .... و ملتحفاً بالحسرة على زمن كان يُضحى لأجلهِ فيهِ بكل شيء ....،يجلسُ صامتاً.. مكبوتاً و حاني الرأس ...لثقل ما بهِ من أفكار .. يحلمُ باقتحام قلبين على يساره بعمقٍ أكثر ...و يفكرُ الآن أن يصعد على الخشبة ..ليُسكت الآلات ويفرفطّ حديد المثلث الموسيقيّ  ..ثم  يصرخَ بملء كيوبيده ..."توقفا عن حمقكما ..لا مهربَ لكما منيّ ...فأنا على مسافةِ دخول من قلبيكما ....          و لعليّ قد  كنتُ داخل نبضهما يوم تلاقت أيديكما الأربعة و اشتعلت بِنَدَايْ ذات شتاء ... فأنصتا إليّ ...إنني أجمل من الحق و الصواب و الفضيلة الاضطراريّة ....و أنا وحدي القادرُ على مداواةِ جراحكما الماضية ...فقط لو أنكما ....." ، لكنه لا يكملُ مونولوجه العالي الصوت ...يُسكتهُ القدرُ و الشخص الثالثُ و الفضيلةُ عن إتمامِ كلامهِ...، غير أنهما وفي اللحظة ذاتها ..يشبكانِ عيونهما بسوادٍ مضيء ..كما لو أنهما سمعا ما انفجرَ به الحب  ...فجعلَ محاجرهما  تومضُ بما يوحي بأكثر من شرارة ....  ................................ هو يحس في هذه اللحظة أنّ بوسعه النفاذ إلى أقصى أقاصي روحها ..من مجرد النظر في عينيها الواسعتي الأحلام ...وهي تكاد تقسم أنّ بوسعها رؤية روحيهما تحلقان معاً ...الآن بعلوٍ أكبر من كل مرة ...وتسموان فوق كل ما يتوهمان أنهُ "الصواب"...، و بينما تطير روحاهما أعلى و أعلى ..و يدق قلباهما بنبض واحد ..تراقبهُ بعيني أملها ..و هو يخرج  من نفسه ...و يقرر _ ولو للحظاتٍ _ أن يرتدي قلبهُ..أن يخلع عنه ُعباءة الصمت الثقيلة...و يتوقف عن التنكيل المتّعمد بمشاعره ..يقررُ أن  يصير قيساً أو جميلاً أو حتى عاشقاً لم يُخلق بعد ولو لبضع ثوانٍ ..،فيقرّب يديه الواسعتي الحنو من يديها النائمتين فوق مقبض الكرسي بينهما ...كما لو بإغراءٍ متعمد للغرق ...،يحضن يديها الصغيرتين بين يديه ..كما لو أن لا أحداً حولهما ..يضغط عليهما بقوةٍ ..كمن يخاف ألّا  يلمسهما مرة أخرى...،يفرّغ فيهما ما تراكم من الأحاسيس في مساحة لا وعيه الواسعة ،و يقول لمساماتهما كل ما لم يجرؤ يوماً على قولهِ ..خوفاً من الذهاب إلى نقطة اللا عودة.. ... ثم ...وفي قسوة هبوطٍ اضطراريّ ...يسحب يديهِ جافلاً من التوقف المباغت للموسيقى ..و الدويّ الحاد لتصفيقٍ مُجامل ...، و يوقفُ انسكاب الندى بين الأزهار الأربعة ..ربما لأنهُ تنبه فجأةً لخطورة ما قد يودي لهُ هذا الاعتراف اللمسيّ ...فاستذكر ما لا يجب أن ينزلق إليه ...و قراره العبثي بعدم اقتراف الحب ...تذكر أنه عاهد نفسه أن يظل مازوشياً  ...وفاءً لثالثٍ لن ينال ما يتخلى عنهُ لأجله ... ،يرمقها بنظرةٍ حزينة تكاد تفرفط قلبها إلى آلاف القطع الصغيرة ...نظرةٍ تقول أن لا شيء بوسعه فعله ...فهو ككل الفرسان الذين اندثروا محكومٌ بنبله ...و لن يقبل بناء حبّ على أنقاض قلب صديق ...نظرتهُ تقول "سامحيني ...لا أستطيع .." ..فتنظرُ إليه مشفقةً عليه من آلامه ...قائلة ً دون قول في محاولةٍ يائسة لمواساته و استغباء قلبيهما "لا عليك ...هكذا أراد لنا القدر ..و لعل احتمال حب يكون أكثر أبدية من حب يفترُ بتحققه ....."  ................ ...  يوقظهما الضلعُ الثالث في المثلث من غفوتهما المؤقتة على جناح الحلم ..يقطع تحليق أرواحهما ..و يعيدُ أقدامهما إلى الأرض من جديد ..قائلاً "هيا بنا نغادر القاعة ...لقد انتهت الحفلة ..." لم يكن يعلم أن أشياء أخرى أكثر أهميّة كانت قد انتهت لحظتها ...و أن حباً كان قد وُئدَ على يديه إحياءً للجاهلية ..،يرقبُ شرودهما عنهُ كعادته محاولاً التقاط عاطفةٍ تشي بما يحسبهُ خيانة ً لحبه المحترق ...يكاد يجرّهما من يديهما خارج القاعة ظاهرياً ..أو خارج الحالة السحرية لتنويم عشقي ممغنط ...باطنياً ...، و هكذا .._ و رغم رغبتهما السرّية بأن يرحل هو و يتركهما لقاعة فارغة و لاحتمالاتٍ عاطفة ما _ ...يغادران مقعديهما مُكرهين ...يحاولُ السير بينهما ...فاضحاً رغبتهُ الطفوليّة بفصلهما .. و تمنيه السريّ العلني ألا يكونا قد التقيا قط ...،لكن ظلالهما تتمسك بمسيرهما متجاورين على أمل ارتطامٍ عرضيٍّ ليدين ما تزالان نديتين بشرارة الاحتراق الأخير ...و اللا أخير...    ............................................................................     ....يمشون متجاورين ..متفرقين ...،ثلاثة في قصة  لا تحتمل التثليث ...أضلاعٌ في مثلث ...صار _بعدما خلع برمودا غموضه _ بديلهُ في اجتذاب  الضحايا ....،يغادرون القاعة  ...صامتين كما دخلوا ...مثقلين بالأفكار..  و مكتظين بالمشاعر كما صاروا منذ شهرٍ وحين ..،تتجه رؤوسهم نحو نفس الباب ..تسير أقدامهم برتابةٍ غير متفق عليها..وتدق قلوبهم بنبضاتٍ تكاد تكون أكثر تأثيراً من سيمفونيةٍ سمعوها أو لم يسمعوها منذ دقائق..... ،الأكيد أكثر أن قلب أحدهم كان ينبض بنغمةٍ مختلفة محلقاً على ذرا " دو الجواب " دونما جواب على حبه ، ...أما القلبان الآخران فكان لهما نفس الإيقاع ...يعزفان بالنبض الحزين ... متمايلين على تخومِ  " دو القرار " بقرارٍ قررهما و لم يقرراهُ تماماً ...و يرقصان الفالس سراً كما لو على أنغام أغنيةٍ تبدو  فجأةً ثلاثية الأبعاد..تقول "أهواك بلا أمل ".........    ..................................................................  في الخلف يلملمُ الموسيقيون آلاتهم ..و يرحلون تباعاً ...مثقلين بما أيقظت فيهم موسيقاهم من آلام مؤجلة .. وحده عازف المثلث ..يمضي دون آلته ...تأخذه شؤونهُ الاضطرارية من آلته الصغيرة التي صار لها في غفلةٍ عنهُ ..شكل القدر ...يتركها وحيدةً في القاعة الفارغة ...مع كراسٍ فارغة ..و أناسٍ على أهبة الرحيل ...   تفرغ القاعة سريعاً ...وحدهم الذين لا يجيئون لا يرحلون ...و كل شيء عدا ذلك محكومٌ بالرحيل الاضطراري ...يفرغُ المسرح في لحظاتٍ ..إلا من عصاً قدريّة ..غافية ً على مثلثٍ فضيّ ..ما يزالُ يلمعُ منذ حينٍ ببريقٍ يخطف الأنظار ...و لا يعرف حتى اللحظةِ كيف يحلّ ُ معضلة َ أضلاعهُ ...ولن ....


الكاتبة سارة حبيب كاتبة قصة سورية نرحب بها أيضا اجمل الترحيب في الموقع .

أنت الآن هنا