قصيدة في ليلة عاصفة
- الثانية عشرة ليلا ً
على طول امتداد الشارع
محمولا ً في مكونات فضية ,
هامسا ً بتعويذات قمرية ,
حالاّ ً الذكريات ,
و كل ما علق بها بوضوح
بتقسيماتها و دقتها .
كل ّ مصباح ٍ في الشارع مررت به
كان يقرع قرعا ّ قدريا ً ,
و من خلال فضاءات الظلام ,
تهز ّ الذاكرة منتصف الليل
كرجل مجنون يهز ّ الغرنوق الميت .
- الواحدة و النصف ليلا ً
مصباح الشارع يتناثر ,
مصباح الشارع يدمدم ,
مصباح الشارع قال : انظر إلى تلك المرأة
التي تقترب منك بتردد
في الضوء المنساب من الباب
المفتوح لها كتكشيرة ٍ
فترى حافة ثوبها
المشقوق و الملوّث بالرمل ,
و سترى زاوية عينها
الملتفة ( كعقصة شعر )
الذاكرة تقذف عاليا ً و بجفاف
مجموعة أشياء ملفوفة
غصن ملفوف على الشاطئ
مأكول بنعومة و مُلمّع
و كأن العالم قد أنهى
سر ّ الجثّة البيضاء
الربيع مكسور في ساحة المصنع ,
و الغبار المتعمشق على الأشياء المتروكة
قاس ٍ و مجعّد و جاهز للكسر .
- الثانية و النصف ليلا ً
مصباح الشارع قال :
انظر إلى تلك القطة التي تتمدد في البلوعة
مُخرجة ً لسانها لتلتهم لقمة الزبدة الفاسدة
ويد الصغير تمتد ُ
لتمسك باللعبة التي
كانت تركض على رصيف الميناء .
لا أرى شيئاً خلف عيني ّ الصغير ,
بل أرى عيونا ً في الشارع
تحاول التجسس من خلال الدرفات المُضاءة
بعد الظهر رأيت سرطانا ً بحريّا ً في المسبح ,
سرطان بحريّ عجوز نبتت له أغصان على ظهره
مُمسك بنهاية العصا التي أمسكته بها
الثالثة و النصف ليلا ً
المصباح يتناثر ,
المصباح يتمتم في الليل ,
المصباح يهمهم .
انظر إلى القمر
إنه لا يحمل أي حقد
القمر يغمز بعين ٍ ضعيفة ,
و يبتسم في الزوايا .
إنه يمشط العشب بنعومة ٍ ,
لقد أضاع ذاكرته ,
جدري قديم ترك أخاديدا ً على وجهه ,
و يده ممسكة ٌ بباقة ِ ورد ٍ
تفوح منها رائحة الغبار و الكولونيا القديمة .
إنه وحيد ٌ
بصحبة جميع الروائح الليلية القديمة
التي تعبر و تعبر ذاكرته ..
ذكريات الماضي ..
الغرنوق الجاف في الأيام التي لا شمس فيها
الغبار في الثقوب
روائح الكستناء في الشوارع ,
و روائح النساء في الغرف المتتالية ,
و رائحة الكوكتيل في البارات ,
المصباح قال :
الرابعة صباحا ً
هناك رقم على الباب .
الذاكرة !
أنت لديك المفتاح
المصباح الصغير نشر خاتما ً على درجة السلّم .
اصعد ..
السرير مفتوح ,
فرشاة الأسنان
مُعلّقة على الحائط
ضع حذاءك على الباب , ثم ّ , استعد ّ للحياة
آخر انحناءة للسكين .
صباح من على النافذة
أسمعهم يخشخشون بصحون الإفطار في بهو المطابخ,
و على طول حواف الطرق المزدحمة
كنت يقظاً لأرواح الخادمات الرطبة
التي تراق بيأس على بوابات المكان.
موجات من الضباب البني قُذِفَت إليَّ
ومن بين الوجوه الملتفّة في أسفل الشارع,
لمحتُ دموعاً لعابرة ترتدي تنورة مُوحلة,
و ابتسامة بلا هدف تحوم في الهواء ,
الترجمة للشاعرة السورية لينا شدود ، وقد صدر لها " لا تشي بي لسكان النوافذ "