في حوار مع الشاعر العراقي محمد مظلوم : دمشق هي الأم البديلة لي !!

يكتسي الحوار مع الشاعر العراقي محمد مظلوم نكهة مغايرة لأي حوار شعري مع شعراء آخرين ، عراقيين أو عرب ، فالرجل قضى شطراً طويلاً من حياته في سوريا وعاش وتزوج وفقد عائلته فيها ليضاف إلى منفاه منفى آخر يرتبط بالمكان كما يرتبط بالزمان ، والرجل أيضاً أبدع كل ما كتب في دمشق وأخواتها ، والرجل أيضاً حاضر بقوة وكثافة في مشهد الشعر العراقي كما العربي مستنداً  على جملة إنجازات قدمها للثقافة العربية وهي إنجازات تستحق أن ترفع لها راية التميز ، من الشعر إلى الدراسات ، من الذاتي إلى العام مسافات طفيفة يقودها الشاعر محمد مظلوم باقتدار واضح .


الشاعر محمد مظلوم وقع كتابه الشعري الأخير " كتاب فاطمة " في مقهى قصيدة نثر في مدينة اللاذقية السورية قبل أسبوع أو أكثر بقليل ، وقد خص موقعنا بهذا الحوار الجميل الحميم ... المؤلم .

فاطمة هي المرأة التي لا تموت ( عبارتي هذه وقد كتبتها قبل عشر سنوات يوم رحلت فاطمتي أنا ولكن ليس إلى الآخرة بل إلى رجل آخر ... لا أعرف لماذا شعرت أنها ) هي ذاك العبء الجميل .. العبء الذي به تتحرر من ضوضاء الآن ..وتدخل كصوفيّ مدارات الأبد معمداً بها .. لعلها هي الأخرى عراق آخر ممتد من الأبد إلى الأبد .. أين تسكن فاطمة الآن ؟؟

تسكن فاطمة الآن في الأبدية، هكذا يتاح التعبير لمن جربوا الفقدان، والغياب، والمسافة بينهما، أعني الفقدان والغياب مسافة تأمل، إذ عادة ما تُشحن تلك المسافة بحضور قويٍّ، حضورٍ مناقض للغياب وربما احتجاجٌ عليه، تسكن فاطمة الآن في تلك المنطقة الأخرى المكثَّفة، أستعير هنا بيتاً للشريف للرضي في رثاء زوجته:

خلا منك قلبي وامتلا منك خاطري                كأنكِ منْ عيني نقلتِ إلى قلبي.

هذا الانتقال من المحسوس والمرئي، إلى التماهي الداخلي عبر المشاعر، هو المثوى الآخر لفاطمة، وبهذا المعنى فهي لم تمت، وإن كانت قد رحلت وغابت، و«كتاب فاطمة» محاولة لتجسيد هذا المعنى، في جعل الغياب نوعاً من اشتقاق حضور آخر، حضور مكثف، في المخيلة والشعور، لقد حلت فاطمة فيَّ وليس في القبر الذي ضمها مع ملاكين صغيرين في قرية «الشير» في اللاذقية.

لقد جاءت المرثية، نشيداً مُمتدَّاً، يتمثَّلُ مراثي السومريين، ومسلات الأحزان العراقية عبر العصور، وتحتوي المرثية على جانب آخر غير البكائيات المعهودة، إنها تحاول كذلك مقاربة مشاعر الموتى! بمعنى إنها تتحدَّثُ عن حياة أخرى، كما كان يعتقد السومريون القدامى، وما يرونه في فكرة الموت، من عبور نحو ضفة أخرى وأرض اللا عودة.

لم يتجرأ بورخيس على تعريف الشعر ، وحاول غليفيك  أن يأخذ الشعر معه إلى القبر، وقبلهما شد الشاعر السومري والبابلي والأوغاريتي خيول الشعر وأسرجوا عليها أول قصائد التاريخ ... اليوم وفي هذا الخضم اللا متناهي لضجيج العالم أين يلتقط محمد مظلوم قصيدته؟؟ كيف يلتقيها ويعانقها؟ في المحصلة : هل يستطيع دائماً أن يفلت من وهجها؟ على ذات المسار إلى الأبدي والأبدية ..كيف يحدِّدُ محمد مظلوم مكوناتها، كيف يدلها على الطريق الخالد؟

لا أدري فعلاً إذا ما كنت أقود القصيدة في طريق الخلود، أم هي التي تقودني في تلك الطريق الصعبة الوعرة، لقد بحث جدُّنا كلكامش عن الخلود، كانت الطريق صعبة وقاسية كما تعرف، لكنها في النهاية كانت هي ذكرى الخلود، ومسلته الأبدية، وهناك أيضاً رحلة الإغريقي «كافافي» التي جسد فيها جانباً من هذا المعنى عندما كتب: «

لقد وهبتك إيثاكا الرحلة الرائعة.

وبدونها، لَمْ يكنْ بإمكانك الرحيل.

وليس لديها ما تهبك سوى هذا.»

القصيدة هنا معادل بشكل ما للرحلة، فيما أيثاكا معادل للوصول وكناية عن خلود مفترض، فأيهما أجملُ وأبقى؟ إن القصيدة هي تلك الرحلة التي تهب الخلود دون أن تصله! وبعد أكثر من ثلاثة عقود من كتابة القصيدة، استطيع أن أقول إنها لا تزال تحمل لي كثيراً من السحر والإغواء، وقليلاً من الحظ والنعم العابرة! هي شكل من رهانات ليس بمستطاع الجميع مجاراتها، وهي بالنسبة لي شعاع شمس يأتي من بعيد ونحن نتخبَّطُ في هذا النفق الطويل الطويل المسمى حياة. التقطها حيث لا يمكن أن يتنبأ أحد بوجودها، ولا حتى أنا نفسي، ألتقطها مياهاً باردة حقيقية في صحراء يتراقص فيها السراب بإغواءات متعددة، التقطها طائراً محلقاً وأنا في هذا السجن الكبير، إنها دائماً زاد الرحلة، وأنيس الوحشة، وطريق آخر في منعطفات كثيرة.

كان من المفترض أن يكون الحوار وجهاً لوجه فهكذا تتوالد الأفكار والأسئلة.. وبما أننا غائبان وبالتالي متحرران من عبء الحضور وننعم بفضيلة الغياب : هل يهتم محمد مظلوم الشاعر بشكل القصيدة أم أنه فقط يذوب مع حكايتها ولايهتم بغير ذلك من عناصر شعرية سواء شكلياً أو وزنياً وهو قادر على ضبطهما باقتدار واضح في كل أعماله ؟؟

حرصت على التأكيد دائماً أن الشعر العربي انشغل في النصف الأخير من القرن العشرين وحتى الآن، بقضية الشكل الشعري، أكثر من انشغاله بالشعر نفسه، الطائفية السياسية التي تعيشها المجتمعات العربية، هي بشكل ما صورة من صور ذلك الصراع بين الأشكال الشعرية، ليس بمعنى إنها نتاج عنه، ولا أحاول هنا أن أربط بين النزعة الطائفية، أو الشكلية الشعرية، لكنهما برأيي ينبعان من وعي متماثل، كون كل من التفكيرين يسعى إلى الإلغاء وترجيح هويته على الآخر، نحن في عصر يستلزم التعايش والتجاور والتحاور، كان هذا شعوري منذ أن بدأت بكتابة الشعر، وإن كنت من أكثر المتحمسين لقصيدة النثر في العراق خلال الثمانينات فلأنها كانت شكلاً مضطهداً ومقموعاً ومغيباً، لكن هذا لا يعني أن تتحوَّلَ إلى شكل سائد ينحِّي ما عداه، وهو ما نراه شائعاً في ثقافتنا العربية للأسف، عندما يتحوَّل الشكل الشعري إلى صنم مقدَّس، أو إلى سلطة نابذة لخصومها.

الأشكال الشعرية المتاحة الآن: من عمودي إلى تفعيلة إلى شعر حر وقصيدة نثر، هي مقترحات في تاريخ الشعر العربي على امتداد أكثر من ألف عام، فلماذا يركن الشاعر إلى شكل محدد بذاته مسقطاً أشكالاً تعبيرية إضافية بذريعة التجديد؟ التجديد يعني قبل كل شيء القدرة على استيعاب القديم وتمثله وهضمه في كيمياء خاصة، وبهذا المعنى فإن الحرية تستدعي التنقل بين الإشكال بلا عقد ولا ترجيح أو تعصب لشكل معين، ثم إنني عادة ما أكتب قصائد طويلة تستغرق أكثر من مائة صفحة، وعادة ما يكون الديوان قصيدة واحدة، «قصيدة في كتاب شعري» وعادة ما تنحو إلى الشكل الملحمي وهو ما يستدعي تعدد الأصوات، وتجاور الأشكال، وتداخلها، من هنا ترى هذا التجاور والتحاور في هذا الكتاب، وهو امتداد لتجارب سابقة للشكل المركب في « أندلس لبغداد» و«اسكندار البرابرة» و«بازي النسوان»

خلاصة ما يمكن قوله هنا، إنني أسعى إلى توظيف الأشكال الشعرية المتاحة لترسيخ مستوى تعبيري يتيح لي قول ما أريد بحرية وبلا تعصب لشكل محدد. قصيدتي بهذا المعنى تجسيد لديمقراطية الأشكال الشعرية، من خلال حضورها وتفاعلها في هذا الشكل المركب.

الشاعر محمد مظلوم – أحب تكرار الاسم فهذا يعطي اندفاعاً ربما أمنياً مكتسباً من تجربتنا الطويلة مع الحرية ! ـ نعرف أنه متمكن وقارئ نهم للتراث العربي مالذي سيّرك على هذه الدرب وكيف أثر بك الاشتغال على التراث لجهة الشعر والكتابة بشكل عام ؟

على الرغم من الدعوات المريبة لتجاوز التراث تحت ذريعة الحداثة – كم من تخرصات تختبئ تحت ذريعة الحداثة!- إلا أنني من الذين يرون إن التراث العربي الثقافي بشكل عام والشعري تحديداً، ما زال مركوناً هناك ولم يتم التفاعل معه بشكل عقلاني تجديدي، إلا إذا استثنينا بعض محاولات جيل النهضة ومن أعقبه، وبخصوص الشعر سأقول لك رأياً، طالما صرحت به وها أنا أدوِّنهُ: أعتقد إن الشعر العربي- الجاهلي تحديداً- أهم في منجزه من الشعر الإغريقي والروماني! ليس في هذا الكلام تعصب أو مجانية، لكنني أقوله بعد قراءة معقولة لنماذج كبرى وأساسية في تلك الثقافات، الشاعر الجاهلي كان «شخصياً» وأميناً في تدوين تجربته أكثر من الشاعر الإغريقي والروماني، لكن هذا الأمر لا يبدو متاحاً للجميع، اعني ثمة قليلون ممن يقرون بهذا الواقع، ولعل السبب يعود إلى« ترفُّع» زائف وغير حقيقي عن إعادة قراءة التراث ومراجعته بدقة وموضوعية.

لكن هذا لا يعني أننا يجب أن نقف في تلك المناطق البعيدة معزولين عن جغرافيا الشعر التي تنبئ تضاريسها كل يوم بمنعطفات جديدة وآفاق طالعة، الشعر العالمي، هو جزء من التراث الإنساني من هوميروس إلى الوقت الراهن، والشاعر الحقيقي هو الباحث عن أصدقائه من سلالة الشعراء الخالدين في كل مكان، وليس ذلك الذي يكتفي بتقريظ مَنْ هم حوله، وتبادل المجاملات الشعرية اليومية معهم.

 

شارك محمد مظلوم في تشكيل خريطة الشعر العربي خاصة العراقي خلال العقدين الماضيين ، كيف يصف مشهد الشعر العراقي اليوم وسط خراب لا يبدو أنه منته لليوم..؟

دائماً كان الشعر في العراق، ينبثق في نماذج متقدمة تحقِّق حضورها الخاص ونبرتها المتميزة في فضاء الشعر العربي، ليس الأمر متوقِّفاً عند ثورة الشعر الحديث التي كرَّسها جيل الرواد في العراق في منتصف القرن الماضي، بل إنه يعود إلى عصور قديمة، فقد لاحظ طه باقر في تقديمه لملحمة كلكامش، ودراسته للنصوص القديمة في المنطقة، إن الأدب في وادي الرافدين، سبق الأدب في وادي النيل في أوج ازدهار عصر الأهرامات، كما سبق النصوص الأوغاريتية على الساحل السوري بأكثر من خمسة قرون، إضافة إلى كونه أقدم من الأدب التوراتي، بمرجعيته البابلية المعروفة.

هذا الإرث يشكل حافزاً ووطأة في الوقت نفسه: حافزاً على استلهام تلك النصوص وتمثلها في نماذج عصرية، ووطأةً بفعل قوة الحضور المكثف لذلك الإرث وخلوده عبر الزمن.

أما ما سميته خراباً يلفُّ العراق حالياً فهو في الواقع تاريخ متصل من الفجائع، منذ الطوفان الأول، مروراً بالكوارث الطبيعة والحرب والأوبئة، وصولاً إلى هذا المشهد الملتبس بفعل تجمع كل هذا العناصر في لحظة تاريخية راهنة، تنطوي على القسوة، وهو ما يلخص تاريخاً مكثفاً لهذا الخراب، ولو تحدَّثت عن جيلنا لوجدته جيلاً ملعوناً توزعت حياته بين الحروب والحصار والقمع والمنافي، لكن النص المعبر عن تلك التجارب لم يرقَ للأسف إلى تجسيد ذلك الخراب بأعمال فنية تجعل من ذلك الخراب « خراباً جميلاً وفعالاً» المشهد الشعري العراقي معاصر، يتجسد في المنفى أكثر، إن انجازات الشعر العراقي المنفي خلال الربع الأخير من القرن العشرين، تمثل مشهداً كاملاً وراسخاً في الأدب العربي، ومنذ التسعينات بدا أن أجيالاًُ شعرية كاملة بدأت تنتشر على تخوم خرائط جديدة، لكن هويتها العراقية بقيت واضحة، أما المشهد على ضفة الداخل، فهو لا يزال منفياً بالمعنى الآخر للمنفى، أقصد إنه وإن كان ملازماً للمكان الأول، لكنه مغيب بفعل عوامل وظروف مختلفة، لهذا لا يتلمس القارئ العربي خصائصه، وهو أيضاً لا يبدو متفاعلاً مع محيطه، بفعل غياب الحوار الثقافي، عكس ما كان سائداً في عقود الستينات والسبعينات والثمانينات، لم يعد مثل ذلك الحوار موجوداً الآن ولنقل أضحى منحسراً، وهو ما ولَّدَ نوعاً من النكوص الذاتي، وبدت صورة الأدب العراقي والثقافة العراقية بشكل عام، حائرة إلى حد كبير.

في حطب ابراهيم أردت ودعوت لحوار هادئ بعيد عن الإلغاء ..هل أردت تقديم شهادتك عن تجربة الشعر العراقي فقط أم أن حطب ابراهيم يمتد ليحرق أو يعيد تركيب ذاك المشهد برؤية تصالحية مع الذات قبل الآخر ؟؟

يعود كتاب (حطب إبراهيم) إلى مرحلة الثمانينات، ففي تلك المرحلة، كانت الوقائع ملتبسة وملأى بكل ما يجعل التاريخ متشظياً في روايات شتى. عندها فكرت إن تاريخ الشعر العراقي ومرحلة الثمانينات تحديداً ستبدو مغيبة ومحرفة عن حقيقتها إذا ما جرى النظر إليها من خلال الروايات الرسمية في زمن التعبئة ( من أجل المعركة) وتمجيد الدكتاتورية، لقد كانت صورة الشعر العراقي مختبئة وتنطوي على مشهد آخر من الاحتجاج على ما يجري، وعندما خرجت من العراق أخذت الفكرة تترسخ في كياني أكثر وشعرت أن المنفى من شأنه أن يمنحني أفقاً أوسع لإعادة مراجعة ما جرى وتفكيك عناصر المشهد ونقدها بمقاربتها من الضفة الأخرى، إذ أن الابتعاد عن المشهد زمنياً ومكانيا يتيح زاوية نظر أوسع للنقد والمقاربة، وعندها بدأت بكتابة فصول متتابعة من الكتاب ونشرتها في مجلات وصحف عربية، إضافة إلى صحافة المعارضة التي كانت تصدر في دمشق في التسعينيات، في تلك الفترة صدرت أربعة كتب متتالية عن تجربة جيل الستينات في العراق، لعبد القادر الجنابي وسامي مهدي وفاضل العزاوي وفوزي كريم، ورأيت أن الوقت لا يزال مبكراً لنشر كتابي عن جيل الثمانينات، ثم صدر كتاب شاكر لعيبي عن جيل السبعينات، آنذاك شعرت أن التسلسل الزمني صار واضحاً ومناسباً تماماً لظهور كتابي الذي أصبح حلقة في سلسلة تقليد عراقي عن إعادة مراجعة تجربة الأجيال الشعرية من خلال وجهات نظر شعرائها، وحين احتلت أميركا العراق، شعرت أن علي أن أعيد مراجعة مجمل مشهد الثقافة العراقية لثمانين عاماً هو عمر الدولة العراقية، وذلك من خلال تجييل الثقافة بأربعة أجيال تبدأ مع نشوء النموذج القديم للدولة مع الاحتلال البريطاني للعراق وتنتهي بانهيار ذلك النموذج ونشوء نموذج آخر مع الاحتلال الأميركي في العام 2003.

ورغم أنَّ الكتاب يقترب في جوانب محددة منها من نموذج الشهادات، إلا إنني بشكل عام لم أكن معنياً بإصدار كتاب توثيقي عابر لجيل شعري ما في العراق، وإنما كنت مهتماً أكثر بإضاءة حقبة ملتبسة في تاريخ الثقافة العراقية ومن تاريخ العراق بشكل عام، لذلك اعتمدت على ( النقد الثقافي) لكشف العناصر المضمرة التي ساهمت في تشكيل ملامح تلك الحقبة. وما قصدته «بالنقد الثقافي»  النَّقد الجذري للتفاعلات الثقافية داخل النصِّ، ليغدو تزامناً ثقافياً تفاعلياً داخل النص واللحظة الحضارية بديلاً عن عهود المواعظ والتبـريكات واللعنات القادمة من تراتبيات ثقافية كهنوتية أو وصائية أو نبوية.  وهو النقد الذي يقوم على تداخل الْمَعارف في معالجة النصِّ وليس مجرَّد الوقوف عند مُقتربات فنِّية للنصِّ. ويعكف على البحث عن علائقية قرينية وفحص البنية الاجتماعية والتاريخية للنصِّ.   نقدٌ يعملُ على كسر المسافة التقليدية بين المستويات الثقافية، أي الثقافة المتعالية "ثقافة نخبة" و الثقافة المتدنية "ثقافة شعبية" أو" ثقافة جماعات محلية".

وعلى نفس السيرة ...هل تعتقد أن الشعر – وبالتالي – الثقافة العربية والعراقية خاصة قادرة على الدفاع عن عراق اليوم ؟؟

الثقافة العربية بشكل عام ثقافة عزلاء، مشروخة الهوية إلى حد بعيد، إنها ثقافة جريحة ومثقلة بالمعضلات الذاتية، والمثقف العربي تجسيد واقعي لهذه الصورة، وللأسف فإنَّ حالة الثقافة العربية لا يكاد يختلف عن حال الثقافة في العراق، نحن نعيش لحظة سكون ثقافي ممتد على الخريطة العربية، وبهذا المعنى ينبغي أن نتسم بالموضوعية، ولا نحمل الشعر ما لا طاقة له به، أعني التغيير الآني، لأن هذا ليس من مهماته مطلقاً، لقد غيرت دباباتان أمريكيتان، نظام حكم وهوية بلد في وقت وجيز، بينما آلاف القصائد كتبت حالمة بتغيير من نوع آخر، هل نستجيب لفعل الدبابة، ونترك حلم الشعر؟ التغيير في الشعر أو دوره المفترض لا يمكننا مقارنته بالأفعال المباشرة للتغيير، الشعر بهذا المعنى شهادة حالمة، عادة ما يساء استخدامها عبر البحث عن دورها في الراهن، إنه رسالة الخلود المشفَّرة العصية على الكثيرين وغير المتاح إلا لتلك «الأقلية الهائلة» حسب تعبير أوكتافيو باث.

دورها في الراهن، ودور الشاعر تحديداً يكمن في قدرته على القول في التوقيت غير المناسب! وعادة ما يكون ذلك الوقت مبكراً أو يتم تلقي تلك الشفرات متأخراً وهنا أهمية الشعر برأيي.

سنقرأ القصائد الراهنة في وقت ما بعد عشرات السنين، ونرى كيف دون الشاعر شهادته أمام احتدام عصره والتباسه؟ كيف كسا قصيدته بالصفاء في زمن الجذام؟ تلك هي المسألة، حسب هاملت شيكسبير!

شكَّل المنفى الوجه الآخر للعراق ، العراق الحلم ، العراق المشتهى ،وكثير من تجارب العراقيين الإبداعية ولدت في المنفى ، ومنفى محمد مظلوم احتلت دمشق وسوريا به مساحة كبرى وتجربة متميزة .. كيف يرى الشاعر دمشق وسوريا في تحولاتهما العراقية ؟؟

منذ عشرين عاماً وهو زمن وجودي خارج العراق، يتكرر في كثير من الحوارات التي تجرى معي سؤال يتعلق بالمنفى، هذا السؤال الذي لا يكاد يخلو منه لقاء صحفي أو جلسة في مقهى، غالباً ما كان يدفعني لسؤال داخلي مع نفسي خلاصته: ما هو المنفى؟

إذا كان وجودي في عاصمة عربية مجاورة لمدينتي التي ولدت فيها: بغداد ولمدة عشرين عاماً، لست فيها غريب الوجه واليد واللسان تماماً، وإن كانت لي سحنة مختلفة ولهجة ثقيلة، إذا كان هذا الوجود يعني منفى، فأن أغلب الشعراء العرب في العصور العباسية والأموية قد عاشوا منفيين بالمعنى ذاته، لأنهم عادة ما كانوا يتنقلون بين بغداد العباسية ودمشق الأموية، عاصمتي الدولة الإسلامية في العهدين، بهذا المعنى لا يكون المنفى بالنسبة لي منفى مكانياً ودمشق ليست اسماً مكانياً نموذجياً لهذا المنفى، ومن الجانب الثقافي، لطالما كان هناك في سياق النقد العربي القديم ما يسمى المدرستين العراقية والشامية في الشعر العربي، ورموزها مشهورون في هذا السياق كأبي نواس وأبي تمام والمتنبي وديك الجن وسواهم.

من هذا المنظور الثقافي أنظر إلى وجودي لعقدين من الزمن في دمشق، وهما عقدان يقاربان نصف حياتي التي عشتها في بغداد، وأكثر من نصف تجربتي الكتابية هناك.

غير أن هذه الثقافة التي يفترض إنها واحدة، تنطوي على وجوه وأبعاد داخلية تمنحها نكهة مختلفة وملامح خاصة داخل مشهد الثقافة الواحدة، ملامح متباينة تشبه التباين التعبيري بين نموذجي أبي تمام والمتنبي مثلاً.

إنه التشابك الثقافي، أو الحوار الداخلي داخل الثقافة الواحدة، وإذا كان ثمة من يرى أن التجاور الجغرافي بين الشعوب ذات الجذور العرقية المتباينة يعني بالضرورة حوار داخلياً بينها وإذا كانت الحضارات والثقافات المتباعدة قد دخلت ما صار يعرف بحوار الحضارات، فما أحوجنا قبل ذلك إلى حوار داخلي بين الثقافات المتجاورة، وإلى حوار ذاتي داخل الثقافة الواحدة.

بالنسبة لي وجدت أن نصي الشعري قد تحول خلال العقدين الأخيرين، أي خلال وجودي في دمشق، فبعد الديوانين الأول والثاني، صارت للنص ملامح إضافية في الدواوين الخمسة اللاحقة وفي الكتب النثرية الأخرى، فهذه الكتب وإن كانت تعالج قضايا جذورها هناك ( في الضفة الأخرى) أي بغداد، فإنها تمتعت بالنكهة الجديدة بفعل وجودها في محيط اجتماعي ويومي في الجانب الآخر، إن هذا الوجودي الكياني على الضفة الأخرى للمكان يجعل الأفق متسعاً أكثر تتداخل فيها الخبرات المكتسبة والمعطيات الحياتية، بالذاكرة البعيدة، يعدو الصوت كما لو إنه يسعى إلى استعادة نبرة قديمة، صوت الطفولة الذاهب في أعماق أمكنة تغيرت وتبدل ناسها كثيراً.

بهذا المعنى تصبح المدن المجاورة التي يعيش فيها الكاتب بشكل عام والشاعر بشكل خاص، بيئة جديدة تمنح نصه نبرة أخرى إضافية سواء في تراجيدياه الشخصية أو في سيرة المكان نفسه، إنها مملكة ذهنية في الرحلة الشعورية للشاعر. فالشاعر جوَّابُ عصور وليس رحالة قي الأمكنة فقط، إنه ( التروبادر في مدن أوربا) و ( البدوي في صحراء العرب) ولذلك فإن بيئته هي مخيلته إن تداخلت المدن والمشاهد في حياته اليومية، وتبقى مدنه الأخرى هي تلك المدن ( غير المرئية) على حد وصف (كالفينو) من هنا أقول إن روح الشعر لا تزدهر إلا بمحو المدن بعضها ببعض أو بتشابكها في حوار داخل أعماق الشاعر، حوار نفسي متعدد الأبعاد من أجل أن تولد مدن أخرى وتمتزج ذاكرة بأخرى حتى تتشكل مدينة الشاعر ربما من حطام المدن المنهارة بالحروب والأوبئة أو من أفق المدن الجديدة التي تتشكل من مخيلة الشاعر، روح الشعر بهذا المعنى هو مقاومة الفناء والزوال، وتشكيل دائم لمدن عصية على الموت لأنها تكون بمنأى عن أسلحة الغزاة وأطماعهم، إنها مدن يخلدها خرابها كطروادة التي اكتسبت خلودها الأسطوري من خراباتها المتعددة، نحن ننحاز لهوميروس مثلاً رغم عشرات القرون التي تفصلنا عنه ورغم هذا البحر من الأساطير الذي بيننا، وهو ما يؤكد أن روح الشعر لا تستكين في المكان ولا تغترب في الزمان ولكنها تسافر وتترسخ عبر العصور.

من هنا أقول إن دمشق تمتلك روح بغداد في البعد الروحي للتأثير الكياني على تجربتي الروحي، وهو البعد الذي لا بد أن ينعكس بالضرورة على تجربة الكتابة لدي، وهي تمتلك بعد ذلك تفصيلات ومعطيات يومية مهمة انعطفت بتجربتي نحو مناحي جديدة وهو ما يجعلها مدينة ليست عابرة في حياتي وهو ما يدعوني باستمرار أن لا أكون مجرد عابر في هذه المدينة، فخلال أقامتي الممتدة لعقدين من الزمن في دمشق، تكونت لدي علاقات مع الأدباء السوريين، ونشأت خلافات طبيعية كأية خلافات لي في بغداد أو في أي مكان آخر. لا شك أن لسوريا تأثيراً متعدد الطبقات على تجربتي الشخصية والكتابية معاً، وهو ما ينعكس بالضرورة على نصوصي ومجمل كتبي التي ولدت فيها، في دمشق أحببت وتزوجت ورحلت زوجتي، تراجيديا كاملة وحياة مفعمة بكل ما يجعلها تجربة كيانية عميقة، دمشق بالنسبة لي كانت الأم البديلة بعد أن فقدت بغداد وتشردت منها، ودمشق مدينة تمتلك سحراً لا يضاهى، ولهذا فمن الطبيعي أن يكون تأثيرها في تجربتي حاضراً وكثيفاً، وها أنا أرتبط معها بجذور إضافية وهي ما يجعلها مدينة ليست عابرة في حياتي مطلقاً.


الشاعر محمد مظلوم : كاتب وشاعر عراقي له اكثر من خمسة عشر كتاباً بين الشعر والدراسات الأدبية آخرها كتاب فاطمة الذي صدر قبل فترة قصيرة عن دار التكوين بدمشق .

أنت الآن هنا