ينطلق المفكر السوري صادق جلال العظم، كما فاطمة المرنيسي التي هي من أنصار الحوار في المجتمع الكوني الشامل ، من المرتكزات ذاتها وذلك على المستوى الكوني والمحلي والأدبي في مقالته الشيقة (آيات شيطانية). صادق العظم الرجل السبعيني، يعتبر أحد أبرز المفكرين في العالم العربي. وكان أستاذاً زائراً لدى مركز الدراسات المسيحية UCSIA التابع لجامعة أنتفربن في بلجيكا. إنه مفكر مادي عقلاني من المدرسة الماركسية. ومدرس في جامعات دمشق وبيروت وعدد من المدن الغربية. في بيروت عمل بشكل وثيق مع أستاذ فلسفة الأدب الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد. وقد أجرى صادق العظم طوال عقود في العالم العربي نقاشات صعبة لكن مفيدة، وأحياناً مريرة مع الفقهاء الإسلاميين والأصوليين من أنصار الحكم الإسلامي. حتى إنه تصدى لمنظري الأصولية الإسلامية من أمثال يوسف القرضاوي والسوداني حسسن الترابي. ويعتبر العظم أحد المدافعين المتحمسين عن رواية سلمان رشدي (آيات شيطانية).
بعد الضجة الكبيرة التي أثارها كتابه (النقد الذاتي بعد الهزيمة) عام 1968 الذي حلل فيه بعمق أسباب وأبعاد الهزيمة العربية المذلة أمام الجيش الإسرائيلي في حرب عام 1967، بات العمل في بلده غير ممكن.
العظم والآيات الشيطانية
مجموعة (الدين والحداثة) التي أصدرها السيد ماكس سبارِّبوم مدير مؤسسة Praermium Erasmianum الهولندية بمناسبة منح جائزة إيراسموس للمفكرين الثلاثة من الدول الإسلامية المرنيسي من المغرب والعظم من سورية وسوروش الإيراني تضمنت أيضاً مقالة مطولة عن (آيات شيطانية) التي كتبها البروفيسور صادق جلال العظم ويناقش فيها العاصفة التي أثارها المسلمون حول سلمان رشدي وروايته آيات شيطانية.
الجدل الذي ثار حول تلك الرواية وفتوى القتل التي أفتاها الخميني ضد كاتبها هي بالنسبة للعظم صورة معبرة تماماً عن عصر العولمة. وقد لاحظ صادق العظم أن عقد السبعينات اختتم بنقاش عالمي ومعولم بعد طبع كتاب إدوارد سعيد (الإستشراق). لكن عقد الثمانينات انتهى بمفاجأتنا بنقاش أطول وأشمل عابر للحدود والثقافات الوطنية و عابرللقارات. صراع وجدال حول محاربة الآيات الشيطانية. ويوضح العظم المسألة بقوله: بقدر ما تصاعد الجدل حول رشدي، بقدر ماتأكد لي أن الشمولية في الحوار الاستشراقي السابق لم يكن ظرفاً استثنائياً أو حادثة عرضية، ولكنها كانت بداية واقعة حقيقية ونزعة لحركة عالمية جديدة. هذا ما تأكد أولاً عبر الصفة العالمية التي اكتسبتها قضية رشدي وامتدادها حتى التسعينات، وثانياً عبر الاهتمام الكوني والعابر للثقافات الذي تجسد بشكل مقالات ومن ثم كتب لـ فرانسيس فوكوياما وصموئيل هنتنغتون (نهاية التاريخ، وصراع الحضارات) على التوالي.
باختصار... الطابع العالمي الاستثنائي لهذا النقاش التي لاحظناه في بداية الثمانينات، غدا مع أواسط التسعينات أمراً عادياً. وأخيراً يمكننا التوصل إلى استنتاج أن هذه الظاهرة التي تقوم عليها عملية العولمة يجب أن تأخذ مجراها، من حوارات الاستشراق إلى مهاترات هنتنغتون.
صادق العظم يكتب مع الكثير من المفارقة عن تلك الاستجابة الفاترة للغاية من الحكومات العربية لفتوى القتل التي أصدرها الخميني بحق سلمان رشدي. واشتكى العظم من أن كل الاحتجاجات التي أطلقها المثقفون العرب وعبارات التأييد لسلمان رشدي قد تم تجاهلها تقريباً من قبل الإعلام الغربي. إذ كانت بالنسبة له رواية الآيات الشيطانية هي رواية العولمة بامتياز. تماماً كما فريدريك جيمسون - وهو واحد من أبرز نقاد ومنظري الأدب في أميركا اليوم- يرى أنه من الصحيح أن تميَّز مرحلة مابعد الحداثة بوصفها نتيجة ومستخلص للثقافة الرأسمالية – ولا مانع عنده من أن تكون رواية آيات شيطانية التعبير الوحيد عن التبعات الأدبية المنطقية عن الرأسمالية المعولمة. تماماً كرؤية سمير أمين –كمحلل للنظم الإقتصادية العالمية – الذي وصف نهوض عالم الرأسمالية المعولمة بـ (مملكة الفوضى)، ومن هذا الوصف لايرى أي عائق حينذاك أن يتم وصف رواية آيات شيطانية برواية هذه المملكة.
يطرح صادق العظم سؤالاً مهماً حول قضية سلمان رشدي وهو: هل يمكن أن تلغى أو أن يعاد سحب هذه الفتوى في المستقبل القريب؟ ويجيب: بالنظر إلى معرفتنا وتجربتنا مع سلوك رجال الدين الحاكمين في ظروف مماثلة، فإن احتمالاً كهذا ليس وارداً، مشيراً إلى قضية غاليليه الذي أدين من قبل رؤساء الكنيسة الكاثوليكية عام 1633 لقوله بأن الأرض هي التي تدور حول الشمس. وفقط بعد عام 1992 أعيد إليه الاعتبار من قبل البابا يوحنا بولس الثاني بعد 359 عاماً من إقفال هذه القضية القديمة. كما يشير العظم إلى قضية بينيديكتس سبينوزا الذي حكم عليه من قبل الحاخامية وحرم بسبب الدروس التي كان يلقيها في فلسفة الهرطقة الديكارتية. وما زالت الحاخامية الكبرى حتى اليوم ترفض إعادة الاعتبار لسبينوزا والاعتراف بالخطأ الذي ارتكبته بحقه.
الإسلام والعلمانية
المقالة الثانية لصادق العظم التي تضمنتها مجموعة (الدين والحداثة) مفيدة أيضاً وإلى أبعد الحدود للنقاش الدائر حالياً عن الإسلام (الذي مازال يبدو للأسف كـ "لاحوار"). في مقالته (الإسلام والعلمانية) يقرر العظم أن الإسلاميين الأصوليين ومنتقديهم الغربيين ينطلقون من المنطلقات ذاتها: الإسلام هو الوحيد من بين الأديان في العالم الذي لا يقبل العلمنة. وللجواب على السؤال فيما إذا كان الإسلام يقبل التحول العلماني، يطرح العظم مباشرة سؤالاً آخر: هل كان الإسلام المساواتي البسيط الذي عرفته يثرب أو المدينة المنورة في عهد النبي والخلفاء الراشدين لينسجم مع الحكم الملكي الوراثي الذي كان سائداً في الإمبراطوريات الكبرى يومها، أي في بيزنطة وفارس الساسانية تحديداً؟ هل كان لذلك الإسلام القرآني - النبوي الأول والسهل أن ينسجم مع مؤسسات تلك الإمبراطوريات بتنظيماتها الهرمية الدقيقة وتراتيبها الطبقية المعقدة وبلاطاتها الباذخة وأنماط حكمها الملكية الاستبدادية المطلقة؟ هذا الواقع الذي واجهه المنتصرون من العرب المسلمين في الامبراطوريات العريقة آنذاك كالبيزنطية والفارسية الساسانية. الجواب يأتي من شقين: (لا) من وجهة نظر عقائدية وصراطية. كون هذين الأمرين لا اتساق بينهما إطلاقاً. أما تاريخياً وواقعياً الجواب هو نعم، لأن كل شيء يدل على أن الإسلام انسجم وتوافق بسرعة مذهلة مع الحكم الملكي الوراثي الإمبراطوري المرفوض سابقاً. إن هذين الأمرين وفي فترة قصيرة جداً اتسقا لدرجة تثير الدهشة. الـ (نعم) التاريخية قادت إلى الخلافة الوراثية التي مرت بالعديد من العواصف قبل أن يلغيها مصطفى كمال رسمياً بعيد الحرب العالمية الأولى. أما الـ (لا) العقائدية فقد أدت إلى نشوء الكثير من الحركات الإسلامية المعارضة الشهيرة.
ولكي يجعل صادق العظم هذا الأمر مفهوماً للقارئ الغربي يسوق أمثلة من الواقع الغربي واحد عن الـ (نعم) التاريخية وواحد عن الـ (لا) العقائدية. فحركة المونسنيور مارسيل ليفيبفر وأتباعه في أوربا وأميركا مثال ممتاز عن كيفية تصرف الكنيسة والتزامها الخالص لـ (لا) العقائدية. في مواجهة ما هو سائد في هذا العصر من نزعة إنسانية علمانية تنتشر وتتطور بصورة ديناميكية. بالإضافة إلى الحرية الدينية والتسامح المتبادل وحرية الرأي والثقافة المبنية على أسس علمية ... إلخ. في الوقت ذاته قدم المجمع الفاتيكاني الثاني برئاسة البابا يوحنا الثالث والعشرين في الكنيسة الجامعة مثالاً صارخاً على كيفية انتصار الـ (نعم) التاريخية على الـ (لا) العقائدية الكلاسيكية.
وهكذا نرى أن صادق العظم مقتنع تماماً بالجواب حول ما إذا كان الإسلام على استعداد لتقبل العلمانية، بأن ذلك له صيغتين: وفق المنظور العقائدي يكون الجواب لا. ووفق المنظور التاريخي هو نعم. وباعتقاده أن المجتمعات الإسلامية لا يمكن لها تحاشي العلمانية.
في الوقت الراهن هناك المجتمعات والاقتصاد والدولة والثقافة والتشريع في أهم الدول الإسلامية مثل مصر والعراق وسوريا والجزائر وتركيا لم تعد تتصرف وفق الشريعة الإسلامية. لاشيء تقريباً تحكمه الشريعة، ولا شيء تقريباً تحكمه المذاهب الإسلامية. ومن المؤكد فقد تقلص دور الإسلام في الحياة الفردية والإيمان أو عدم الإيمان الشخصي إلى حدود توقفت عند خطوط الحياة العامة. بكلمة أوضح، أنظر إلى كل من هذه المجتمعات إلى المعامل والبنوك والأسواق وضباط الجيش والأحزاب السياسية وجهاز الدولة والمدارس والجامعات والمخابر والمحاكم والفنون والإعلام، حيث ستلحظ مباشرة قلة الحضور الديني في هذه المجالات.
رد الفعل العنيف من قبل الأصوليين الإسلاميين على كل هذه، ومحاولاتهم لإعادة أسلمة مجتمعاتهم هي بحسب صادق العظم ليست مواجهة للعلمانية الحتمية وغير القابلة للنكوص.
يبقى السؤال الكبير عن المدة التي يمكن أن تستغرقها عملية التحول التدريجي نحو العلمانية وما إن كان ذلك سيترافق بالضرورة بعنف قد يؤدي إلى زعزعة أركان مجتمعات تكاد بالكاد أن تتمكن من حفظ توازنها الهش. وعن الدور الذي سيتاح للإسلاميين الأصوليين لعبه لإعاقة هذا التحول؟ ففي بلد كسورية يحكمها، نظرياً على الأقل، حزب (قومي علماني إشتراكي) طوال أربعة عقود ونصف، ظل النظام فيها ينتهز كل فرصة للإيحاء بأن البديل له في حال التغيير ليس سوى الإسلاميين. وهذا بالطبع مايفزع الغربيين عموماً في سعيهم بين الحين والآخر لاستمالة قوى التغيير. في الوقت ذاته لم يحظَ الإسلاميون المتطرفون بدعم لوجستي من أي نظام قائم في العقدين الأخيرين مثلما حظيوا به من. والعظم ابن سورية المدرك الواعي لهذه الحقائق يبدو مفرطاً في التفاؤل، إلا إذا كان يعني التحول العلماني القادم بأيدٍ إسلامية النهج على شاكلة تركيا اليوم.
قراءة في كتاب: الدين والحداثة. للاطلاع عليه أنظر:
Fatima Mernissi, Sadik Al-Azm, Abdulkarim Soroush,
‘Religie en moderniteit’, De Geus, Breda, 2004, 249 blz., ISBN 90 445 0582 3.
أنظر المقالة الأصلية باللغة الهولندية:
http://www.uitpers.be/artikelview.php?id=924
كتبها فيم دي نيوترمترجمة عن الهولندية 17/3/2010