قراءة في كتاب "اميل سيوران: لوكان ادم سعيدا"

خلود الفلاح: عندما سئل إميل سيوران لِمَ الكتابة؟ قال"  الكتابة نسيان الشيء لصالح تسميته أو معرفته. إنها كتابة تعبر عن ‏انتظار الكائن.

وهي لذلك لا تأتي عبر منظومة فكرية بل ضمن انقطاعية الكتابة المقطعية استجابةلتشظي ‏الكائن".

 

ولد إميل ميشال سيوران يوم 8 ابريل عام 1911 في " رازيناري"  وهي قرية في مقاطعة ترانسلفانيا ‏الرومانية وتوفي عام 1995 . ‏

عن سيوران وشذراته أقدم عبر هذه الفسحة الثقافية عرضا لكتاب "إميل سيوران:

لو كان آدم سعيداً"، ترجمة ‏وتقديم الكاتب التونسي محمد علي اليوسفي_الطبعة الأولى_2008_ الناشر دار أزمنة. ‏

 يقول سيوران في كتابه الاعترافات واللعنات "لا ينبغي الكتابة عن أحد ، أبداً. لقد اقتنعت بجدوى هذه الفكرة ‏إلى درجة أنني ملت إلى فعل ذلك ،كانت فكرتي الأولى  أن أهاجم الشخص الذي سأكتب عنه، حتى وإن كنت ‏معجباً به".‏

 حول ذلك جاءت فكرة الكتاب الذي بين أيدينا والذي يتحدث فيه اليوسفي عن سيوران بلسانه مستندا إلى ‏المقابلات الصحافية التي أجريت معه بعد ذلك يقدم نبذة عن حياته وتعريفا  تحليليا بأبرز أعماله ومقتطفات ‏مترجمة من شذراته. ‏


في عام 1932 ألف سيوران كتابه الأول " على ذرى اليأس" ونشره عام 1934 و تابع إصداراته التي نذكر ‏منها: "الخلق السيء"  و"مساوئ أن يكون المرء قد ولد" و "التمزق" و"تمارين الإعجاب"و" دموع ‏وقديسون"و"الاعترافات  اللعنات"و"قياس المرارة"و"بحث في الفكر الرجعي" و"التاريخ ‏واليوتوبيا"و"السقوط في الزمن"و"موجز التفكيك".‏

 يقول اليوسفي ان سيوران عاش في مرحلة تتحدث عن الحداثة وما بعد الحداثة، لكنه اختار الابتعاد عن زمانه ‏وعن الزمن. سعى إلى تحطيم المعنى من أجل خوض تجربة اللامعنى.‏

 ويضيف: أراد إميل سيوران الغربة في أعماقه حتى لا ينتمي إلى أرض ويحافظ على وعيه بالطابع الانتقالي ‏المؤقت لحياة أي إنسان،فالإنسان الذي يحترم نفسه ليس له وطن وعليه الانخراط في منابع النشأة ما قبل ‏الانفصال والتمزق. ‏

  وفضل شكل الكتابة المقطعية والاعتراف والحكمة المختزلة على الخطاب المتماسكزوراً وزيفاً. ‏


وعن هذه الشذرات يقول الشاعر إميل سيوران" هي الشكل الوحيد الملائم لمزاجي،تمثل كبرياء لحظة محولة ‏مع كل التناقضات التي تحتويها. إن عملاً ذا نفس طويل وخاضعاً لمتطلبات البناء ومزيفاً بهاجس التتابع هو ‏عمل من الإفراط في التماسك بحيث لا يمكن أن يكون حقيقياً". ‏

 لكل كاتب حكايته مع الكتاب الأول وعن هذه الحكاية التي رافقت الكتاب الأول لسيوران" على ذرى اليأس"‏ يقول "عشت لحظات يكون المرء فيها مأخوذاً خارج المظاهر.

هزة فورية تأخذك من دون استعداد ليجد ‏الكائن نفسه في امتلاء خارق أو بالأحرى في خواء حماسي . كانت تجربة عظيمة الكشف المباشر ببطلان كل ‏شيء تلك الاشراقات فتحت لي مجال معرفة السعادة القصوى التي يتحدث عنها المتصوفة وخارج هذه العادة ‏المؤقتة لا يمتلك أي شيء وجوداً حقيقياً، نحن نعيش في مملكة الأشباح ونحن على أية حال لا نعود كما كنا ‏أبداً سواء أكانت تلك العودة من الفردوس أم من الجحيم ".‏

 وعن الشعر يقول" بقدر ما تطول علاقتنا بالشعر نتمكن من مغالبة الخواء الداخلي وبالشعر كما بالموسيقى ‏نلامس شيئاً ما جوهرياً وفي الشعر يستبعد الزمن فإذا أنت خارج الصيرورة.. الموسيقى والشعر غيبوبتان ‏متساميتان".‏‎ ‎


المختارات ‏


في كل إنسان ينام نبي. عندما يستيقظ يكون الشر قد زاد قليلاً في العالم.‏


‏ ********* ‏


ما يجعلني أعترف بأن الشاعر حقيقي يكمن في ما يلي:

عند قراءته ومعايشة كتاباته مطولاً يتغير شيء ما في ‏داخلي. ‏


‏ ********* ‏


مع كل فكرة تولد فينا،يتعفن شيء ما فينا. ‏


‏ ****** ‏


لو كان آدم سعيداً في الحب لوفر علينا التاريخ.‏


‏ ********** ‏


أن تتألم يعني أن تكون أنت ذاتك تماماً، أن تبلغ حالة عدم تطابق مع العالم.‏


‏ ********* ‏


يعتبر ثرثرة كل حوار مع شخص لم يعرف الألم. ‏


‏******** ‏


على المرء عندما يبلغ عمراً معيناً أن يغير اسمه ويلجأ إلى مكان مجهول

لا يعرف فيه أحدا ولا يخشى فيه ‏رؤية أصدقاء أو أعداء وهناك يعيش حياة رضيَة وهادئة،

حياة شرير منهك. ‏


‏ ********** ‏


كل تناقضاتي تأتي مما يلي: لا أحد يستطيع أن يحب الحياة مثلي،

وأن يحس في وقت واحد وبطريقة غير ‏متقطعة تقريبا إحساساً بعدم الانتماء وبالمنفى

والتخلي.أنا مثل إنسان أكول يفقد شهية الأكل بسبب طول تفكيره ‏في الجوع.‏


‏ ******** ‏


نظرياً لا يهمني كثيراً أن أعيش أو أن أموت، عملياً تشغلني كل أشكال القلق

التي تفتح هوة بين الحياة ‏والموت. ‏


‏ ********* ‏


وحدها الروح المتصدعة يكون لها انفتاح على الماوراء.‏


‏ ****** ‏


كلما أحاطت بنا المصائب جعلتنا تافهين أكثر: حتى مساعينا تتغير تدعونا المصائب

إلى التبجح ،تخنق فينا ‏الشخص كي توقظ الشخصية. ‏


‏ ******** ‏


يا لكمية التعب التي ترتاح في دماغي.‏



 

على كثرة ما قرأت لم أعرف شاعرا أصيلا ويبلغ هذه الدرجة من العدمية والتشاؤم مثلما فعل الرومانى إيميل سيوران ،هل هو شاعر أم فيلسوف ؟ أظن أن هذا السؤال من الأسئلة الصعبة لأن كتابات سيوران يصعب تصنيفها وتأطيرها داخل شروط محددة للنوع هى كتابات تستعصى على التصنيف السهل وليس ذلك لأننا فى عصر ما بعد الحداثة الذى أتى بمقولات من نوع عبر النوعية ، لا وإنما هى سمة الكبار فى كل عصر أن يجتازوا الحدود المرسومة من قبل السابقين الذين أرسوا تقاليد معينة للأنواع ،هل نيتشه شاعر أم فيلسوف؟أم أنه فيلسوفا يكتب الشعر ،أم شاعر متفلسف ؟ هايدغر ؟ هيراقليطس ؟ هل كامو روائى ومسرحى أم فيلسوف ؟ وسارتر وديستويفسكى ؟

أندريه بريتون منظر السريالية الأول وكاتب بيانها الشهير هل هو ناقد أدبى ومفكر أم شاعر سريالى ؟ كذلك ت.س.إليوت وإزرا باوند ، كذلك شاعرنا المتفلسف وفيلسوفنا الشاعر سيوران .

ولد إيميل سيوران عام 1911 بإحدى قرى ترانسلفانيا الرومانية لأب راعى كنيسة وأم متشككة فى الدين !مما سيجعل الصبى يعيش توتر دائم ونزاعات متكررة بين هذين المختلفين حد التناقض .

سيهتم بدراسة الفلسفة فى بداية حياته ، ولكنه فى سنوات النضوج سيكتب " أفول الأفكار " على غرار " أفول الأصنام " لنيتشه متخليا حتى عن الفكر الذى جعله يرتفع فوق العامة ويزدريهم فكتاباته اللاحقة تصل لمنطقة تلتف فيها الكتابة على نفسها مثل أفعى هايدغر الشهيرة التى تعض على ذيلها قافلة الحلقة مثل أى فكرة أصيلة تهاجم نفسها بنفسها مغلقة الدائرة أمام الأفكار المضادة( كل شئ باطل  عدا الأفكار عن الباطل)  .

فى الثانية والعشرين سينشر سيوران كتابه الأول " على قمم اليأس " بلغته الأم الرومانية والتى سيكتب بها كتابين أخرين ثم يهجرها للأبد لصالح الفرنسية التى سيكتب بها بقية كتبه الخمسة عشر غير المخطوطات التى وجدت بعد موته فى عام 1995 عن عمر 84 عام ! هذاالذى عاش طول عمره عدمى متشائم ملقبا نفسه بـ " أنا أول رسول للعدم "  وممجدا للإنتحار ، عمّر حتى الرابعة والثمانين !فهل هو التناقض مرة أخرى أم أنه متسق مع فكرته حول أن وجود فكرة الإنتحار فى رأسه هى التى تجعله يتحمل الحياة ولولا ذلك لأختار الموت بلا تردد ؟!

ورغم أن فكر سيوران هو ضد الفرح النتيشوى بإمتياز إلا أنه من المتأثرين بنيتشه فى أسلوب الشذرات الشهير الذى أعاد نيتشه إكتشافه فى العصور الحديثة بعد أن إعتمده الفيلسوف اليونانى الغامض والمتشائم هيراقليطس ،فها هو يعلن عن فائدة الشذرة فى إكتشاف الأغوار الداخلية وتدفق الخيبات الخاصة (في مدرسة ضعاف النفوس نتكوّن، نحن عبدَةُ الشذرة والنـَدبَة. ننتمي إلى زمن إكلينيكيّ لا اعتبار فيه إلاّ للـحالات ننكبُّ على ما سكتَ عنهُ الكاتب، على ما كان يمكنُ أن يقول، على أغواره الصامتة. ولو ترَكَ عملاً فنياً أو أفصح لنا عن نفسه لظفرَ منّا بالنسيان.

لا يسحرنا إلاّ الفنّان اللامُتحقق... المهزوم الذي يَرضى لِخيباتهِ أن تـُهدر، الذي لا يعرف كيف يستثمرها ).


كذلك تأثر بنيتشه فى هجره للرأى العام وإبتعاده عن الجمهور ( لا يجب أبدا الإتفاق مع القطيع حتى ولو كان الحق معه ) وإحتقار أى كتابة تكتب بأى إهتمام لقارئ مفترض (لا عقوبة أشدّ من التكريس.. إذ ما أصبح الكاتب مرجع الجميع حتى يتعذر الرجوع إليه، خشية أن نزيد من حشد المعجبين به، أي خشية أن نزيد من عدد أعدائه ) ..).

وفى تفضيله للوحدة وسعادته بها ( الوحدة تسعدنى كثيرا إلى درجة أن كل لقاء يعنى عملية صلب لى )، و ( نحن نفهم ما هى الوحدة حين نسمع صمت الأشياء )


رسول العدم

أظن أن سيوران تأثر أيضا بالفيلسوف الألمانى المتشائم الكبير شوبنهاور، فهو أيضا كان يرى الوجود مأساة كبرى ، غلطة كان من الأفضل للجميع ألا تقع ،وكان رده على سؤال هاملت الشهير " أكون أو لا أكون " : ( كان من الأفضل لك ألا توجد )

وكان أيضا يمجد الإنتحار ولكنه عاش حتى تجاوز السبعين !

إذن سيوران فعلا رسولا للعدم ولكنه ليس الأول ، هو يكمل رسالة سلفه الكبير شوبنهاور ولكنه تجاوزه بكثافة رفضه وحدّته ( يمكننى أن أرتكب أشد الجرائم ، ألا أن أكون أبا )

، ( أرى المستقبل لدرجة أن لوكان لدى أطفالا لخنقتهم على الفور ) ، ( أنا لا أقاتل العالم بل أقاتل قوة أكبر تعبى من العالم ) وتبلغ العداوة درجة الإجرام المتبادل  ( إن دورى هو قتل العالم ودور العالم هو قتلى ونحن نتفاهم جيدا كما هى العادة بين المجرمين )

ويبلغ سيوران ذرى اليأس كما يعنون كتابه الأول ، فليس هناك أمل فقط كما كان يقول المتشائمون السابقون ، بل أن الواجب الإنسانى هو الإيغال أكثر فى المأساة وأقفال الدائرة على نفسك أكثر ( الحياة هى ببساطة لا معقول ..مشروع مسموح به ومقبول ، وواجب الإنسان الوحيد هو وحدة أكبر ))

وهنا يقول بكل وضوح ( العذاب هو حالة الوحدة الداخلية والتى لا يقدر أى شئ من الخارج أن يقدم العون )

فإذا كان العذاب هو حالة الوحدة الداخلية والتى لا مهرب منها بل أصبحت هى المطلب والواجب وإذا كان (هى جريمة كبرى أن تعكر على أحدهم وحدته وتضايقه فى أن يكون أناه )

فتصبح الأنا هى العذاب الذى لا مهرب منه بل ويتحول إلى مطلب وواجب فى تلذذ مازوشى يذكرنى بختام رسالة سيزيف لكامو التى أعلن فيها ـ عبر التطابق بين سيزيف فى الأسطورة وقدر الإنسان ـ أن ليس أمام الإنسان وهو يدفع صخرة مصيره المأساوى إلا أن يفرح بذلك التحدى !


وأيضا : ( ليس عليك أن تنتهى على الصليب فأنت قد ولدت مصلوبا )


ليس هذا فقط وإنما راح يحفر عميقا فى أغوار وهم حلم السعادة الطفولى الذى يخفى حقيقة المأساة الإنسانية ويضع أحلاما بلهاء تصنع من أفكار ساذجة ( لو كنا قريبين من الجنة لأبعدتنا السخرية عنها ،أقول لكم أن أفكاركم عن السعادة فوق الزمنية أو القادمة هى أمر غير معقول ، إشفوا نفوسكم من النوستالجيا ، من الهاجس الطفولى ، هاجس بداية الزمن ونهايته البلهاء .وحدهم مشغولولون بالأبدية ، بالبقاء الميت ، إسمحوا للحظة بالعمل ، وتيقنوا من أنها قد كررت التشبع بأحلامكم )


وإذا كان الجحيم عند سارتر متمثل فى الأخرين فها هنا فسحة من الأمل تتمثل فى أغوار الذات الداخلية ، التى تجد وجودها فى تقبل قدرها المتمثل فى كونها حرة وألا يمكن أن توجد على غير ذلك وفى تحمل مسئولية هذه الحرية ومن الإلتزام بهذه المسئولية تنتزع الذات فخرها وكرامتها ، أما سيوران فيغلق علينا الدائرة بالكامل ، فغير جحيم عذاب الذات الداخلى المتمثل فى الوحدة المطلقة ، فإننا فى الخارج نصطدم بالأخر الذى يرغمنا على الزيف رافضا أن يرى حقيقة ذواتنا ومنتقصا من قدرنا بطلب صورة زائفة ، قناع ترتديه الذات من أجل الأخر متحولة إلى مؤدى كالبهلوان ( أطرد الناس من أفكارك ولا تدع أى شئ خارجى أن يلوثها ، واترك للمهرجين هموم البحث عن أشباههم ،الأخر يقلل من شأنك فهو يرغمك على أن تؤدى دورا ما ) ، ( الأخر هو ما يمنعنى عن أن أكون أنا )

وهو يبادل هذا الفعل الضاغط المهاجم من الأخرين بكره صريح ( حين أخرج إلى الشارع لا تخطر فى رأسى غير فكرة الإبادة )

، ( لست أنا من لا يصلح للعالم ، بل  العالم لا يصلح لى )



أنت الآن هنا