بمزيد من الأسى، يطالعنا القائمون على الشأن الرقابي بمعرض الكويت الدولي للكتاب، في دورته الحالية – الرابعة والثلاثين – لعام 2009، بإجراءات يؤسف لها فيما يخص حجب بعض العناوين العربية والأجنبية – المترجمة في معظمها - من العرض ضمن أجنحة المعرض، دونما إبداء لأدنى سبب رقابي علمي يمكن الاعتداد به لتبرير مثل هذا المسلك الغريب، والذي نراه مهيناً لعدد كبير من المؤلفين والمفكرين والمبدعين العرب، الذين تعرضت مؤلفاتهم لهذا الإجراء الحجري التعسفي، على اختلاف مجالات إبداعهم النَصّي.
شملت قائمة الكتب الممنوعة أعمالاً لكل من: الروائي الكولومبي الأشهر "جابرييل جارسيا ماركيز" الحاصل على جائزة نوبل للآداب عام 1982، والروائية التشيلية إيزابيل اللندي، وشاعر البرتغال الأول فرناندو بيسوا، والكاتب المغربي الطاهر بن جلون، والكاتب العراقي المغترب صموئيل شمعون، ود. ياسر منجي، الأكاديمي التشكيلي والناقد والروائي المصري، والفنان والناقد العراقي موسى الخميسي، والشاعر والباحث العراقي شاكر لعيبي، والروائي المصري مكاوي سعيد، والكاتب والأديب المصري عزت القمحاوي، وآخرون.
الغريب أن قائمة المنع الرقابي شملت بعض أشهر وأهم مؤلفات الكتاب المذكورين سابقاً؛ حيث ضمت الأعمال القصصية الكاملة لماركيز!!! والتي كانت قد صدرت عن دار المدى، فيما ضمت لإيزابيل اللندي "حصاد الأيام" الذي يمثل مختتم سيرتها الذاتية الثرية، كما ضمت كتاب "فنانون وهراطقة" للدكتور ياسر منجي، الذي اعتٌبر أحد أهم مباحث تاريخ الفن الصادرة في الفترة الأخيرة بالمكتبة العربية، والذي يعيد مؤلفه قراءة تاريخ الفن العام ضمن إطار منهجي غير تقليدي، وضمت كذلك رواية "تغريدة البجعة" التي حصل بمقتضاها "مكاوي سعيد" على جائزة القائمة القصيرة في التصفية قبل النهائية لجائزة "بوكر" للرواية العربية في دورتها التأسيسية، وأيضاَ ضمت رواية "عراقي في باريس" التي يراها بعض النقاد أهم أعمال الروائي "صموئيل شمعون" وأحفلها بالجدل السردي والمفهومي.
أي أن لجنة الرقابة على الدورة الحالية لمعرض الكتاب الكويتي، قررت أن تستهدف – وبشجاعة تحسد عليها – عدداً من أهم المؤلفات الصادرة في بابها، والتي سجل بعضها – كمؤلفات ماركيز واللندي وبيسوا – حضوراً تاريخياً ضمن كلاسيكيات الأدب العالمي!!!
(للاطلاع على القائمة الكاملة للكتب الممنوعة وأسماء مؤلفيها ودور النشر الصادرة عنها، يرجى مراجعة جريدة القبس الكويتية عبر نسختها الإلكترونية على الرابط:
http://www.alqabas.com.kw/Article.aspx?id=546988&date=04112009)
الغريب في الأمر أن الجهة الرقابية الموقرة، سمحت بتمثيل كثيف وحضور طاغ لعدد كبير من العناوين لمؤلفات تتمحور حول (فنون الطهي) و(الريجيم) و(الرشاقة والجمال)، إضافة للترسانة المعتادة والمألوفة، من قصص الجيب والمصنفات الرقمية الموجهة للمراهقين، والتي باتت لازمة من لوازم معارض الكتاب العربية.
ووفقاً لوكالة أنباء "رويترز"؛ فقد افتتح وزير النفط وزير الإعلام الكويتى الشيخ "أحمد العبدالله الصباح" الدورة الرابعة والثلاثين لمعرض الكويت للكتاب يوم الأربعاء 28/10/2009، في حضور عدد من السفراء العرب والأجانب وشخصيات ثقافية وعدد من الناشرين العرب.
وشارك في المعرض هذا العام 24 دولة منها 13 دولة عربية من خلال 522 دار نشر منها 476 دار نشر أهلية و40 مؤسسة رسمية و6منظمات دولية. ويبلغ إجمالي عدد الكتب الحديثة من إصدارات 2007-2009 حوالي 12126 عنوانا.
ومن المصادفات شديدة الطرافة أنه في الوقت الذي يحتفي فيه المعرض الكويتي بالفن التشكيلي خلال دورته الحالية؛ متخذا من "المرأةالكويتية والفن التشكيلي" عنواناً للمحاضرة التي تقام ضمن أمسياته وتحاضر فيها الفنانة "سميرة اليعقوب" والفنانة "سهيلة النجدي" من الكويت؛ تأتي المفارقة التي تنطوي على مرارة بالغة، حيث يتزامن هذا الاحتفاء البصري مع إقصاء ثلاثة من أنشط النقاد والباحثين العرب في مجال الفنون البصرية، من خلال منع مؤلفات كل من "شاكر لعيبي"(1) و"موسى الخميسي"(2) و"ياسر منجي"(3). فياله من تكريم غرائبي للفن عن طريق تهميش باحثيه وإقصاء جهودهم لصالح كتب من عينة (أشهى الأكلات)!!!
لذا، لم يكن بالمستغرب أن تقوم بعض الهيئات والجمعيات المستنيرة بإبداء احتجاجها الرسمي والعلني إزاء هذه الفلسفة الأسيفة؛ حيث أقامت "الجمعية النسائية الكويتية" مهرجاناً كبيراً بحضور شخصيات ثقافية وشعراء وإعلاميين، لمناهضة الرقابة على الكتب تحت عنوان"الرقابة تحمي الجهل". وقال مشاركون في المهرجان إنه ستنظم وقفة احتجاجية أثناء المعرض "احتجاجاً على تعسف الرقابة على المطبوعات".
في المقابل برر السيد وزير الإعلام والنفط الكويتي مسلك الرقابة قائلاً: "معرض الكتاب يقام على أرض الكويت.. لذلك الرقابة واجبة.. والكويت دولة ذات قانون ودستور.. لذلك كان لزاما تطبيق القانون"، وذلك رداً على سؤال وجه إليه حول جدوى الرقابة على الكتب في معرض الكويت للكتاب في ظل الفضاء المفتوح للمعرفة والاطلاع.
وقال الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب السيد "بدر الرفاعي": إنه يوجد تركيز على دور المرأة في عالم النشر والتنمية الثقافية والإبداع شعراً وفنون تشكيلية وموسيقى، احتفاء بفوز أربع نائبات في مجلس الأمة، في ظاهرة غير مسبوقة في العالم العربي....، على أية حال فالرجل لم يسحب أو ينف ما سبق وأن قرره في الدورة السابقة للمعرض؛ إذ كان قد أكد – حين سئل آنذاك - هل ستمارس "مجزرة جديدة" كما حصل في المعارض السابقة والمعرض السابق تحديدا؟ "أن هذه (الثيمة) تتكرر كل سنة ضد الرقابة، وأنا شخصيا ضد الرقابة ولكن هناك قوانين دولة وجهات مسؤولة".
من المفارقات أيضاً – التي تكشف عدم استناد الجهة الرقابية لمعايير ثابتة في اتخاذ قرارات المنع والحظر - أن تقام أمسيتان شعريتان، الأولى للشاعرتين "فاطمة ناعوت" من مصر و"مرام المصري" من سوريا والثانية تقام بمشاركة الشاعرات "بشائر محمد" من السعودية و"سوسن دهينم" من البحرين و"عنود الروضان" من الكويت؛ ووجه الغرابة هنا أنه بينما تشارك الشاعرة المصرية المبدعة "فاطمة ناعوت" في أمسية الدورة الحالية للمعرض، كان ديوانها الشعري الصادر عن دار النهضة العربية قد تعرض للمنع من المشاركة بالدورة السابقة – الثالثة والثلاثين – لنفس المعرض!!! وبالطبع لا يجوز أن نسترسل هنا خلف غواية التفكير في أن تكون الرقابة قد لجأت لمثل هذا الإجراء، لتقديم اعتذار عملي لشاعرة عربية بارزة في وزن "ناعوت"، كانت قد مورست بحقها اعتسافات الحَجْر بالدورة السابقة، فالأقرب للمنطق أن المنع العشوائي الذي يطال الجميع لا يستند إطلاقاً لأية مبررات منطقية.
وجدير بالذكر أن ظاهرة حجب أعمال لمشاهير الكتاب من قبل الجهات الرقابية للمعرض، لم تقتصر على الدورة الحالية ولا سابقتها؛ فوفقالصحيفة "الحياة" اللندنية أوضح كثير من الناشرين المشاركين فى المعرض، تعرض كثير من كتبهم للمنع خلال دورات عدة، منها "الأشعار الكاملة" للشارع الإيطالي "أونجاريتى" - ترجمة "عادل السيوى"، "اثنا عشر جرام سعادة" للكاتب الألمانى "فريدون زايموجلو"، وروايتي "على نهر بيدرا جلست وبكيت" و"كالنهر الذى يجرى" للروائي والقاص البرازيلي "باولو كويلو"، و"المخطوط القرمزى"و"الوله التركى" للشاعر الأسباني الشهير "أنطونيو جالا". وكذلك منعت أعمال للروائى "حيدر حيدر" منها "شموس الغضب" و"الومض"و"الوعول"، إضافة إلى كتاب أو أكثر للجزائري "واسيني الأعرج" والكاتب العالمى "كويتزي" الحائز جائزة نوبل. ومن دار "الشروق"المصرية "عمارة يعقوبيان" و"شيكاغو". هذا إضافة إلى كتب لـــ"عبد المنعم رمضان" و"سيف الرحبي"، و"محمد المنسى قنديل"، و"طارق إمام". بل والطريف أن قائمة المنع شملت الأعداد الخمسة الأولى من مجلة "نقد"!!!
هذا التنوع العجائبي فى العناوين المحجور عليها رقابياً أعطى الانطباع لدى الكثير من دور النشر، والمتابعين والمثقفين، بعدم وضوح المعايير التى تمنع الكتب بناء عليها.
وقد تعاطفت جريدة "القبس الكويتية" مع المضارين من الكتاب بقرار المنع الرقابي في الدورة الحالية، فنشرت في عددها الصادر يوم الأربعاء 4 نوفمبر 2009 ,16 ذو القعدة 1430 , العدد 13088، مقالاً بعنوان:
قضية
مساهمة منا في تأبين ضحايا «العرس» الثقافي.. السنوي! (4)
القبس نشر قوائم الكتب الممنوعة في معرض الكتاب
حيث أوردت ما نصه:
"يبدو أن لكل عرس ضحاياه، و(العرس الثقافي) المتمثل بمعرض (الكتاب) ضحاياه كل عام هي الكتب نفسها.. والقبس إسهاماً منها في تأبين الضحايا تنشر قائمة مفصلة بالكتب التي تناولها مقص الرقيب بالمنع فيما يشبه المذبحة العشوائية.. فقراءة سريعة للقائمة يكتشف المتابع مدى العشوائية التي يعمل بها ذلك المقص، خاصة أنه لم يميز بين عنوان «ممنوع» وآخر الا وفقا لمزاجه الخاص كما يبدو، والا فما معنى انيمنع كتاب سبق وان سمح بعرضه في السنوات السابقة مثلا؟ والعكس صحيح.. أي ما معنى ان يسمح بعرض كتاب سبق ان منع في معرض العام الفائت؟ وكيف يمنع كتاب في معرض الكتاب المقام في مشرف بينما يسمح بعرضه في معرض تقيمه جهة أخرى؟ وكيف يمنع كتاب وباتصال من مؤلفه بأحد أعضاء فريق الرقابة يعود الكتاب للرفض ثانية؟ وكيف يمنع كتاب بحجة انه يسيء لعلاقة الكويت بدولة خليجية شقيقة لأنه ينتقد سياساتها مثلا، ونفاجأ بأن الكتاب نفسه معروض بكل حرية في تلك الدولة الخليجية المعنية؟
قائمة الرقيب هذا العام تطول لتطال الكثير من المؤلفات، وهي مؤلفات صادرة عن دور نشر مختلفة وسوف ننشر ما تتم موافاتنا به وما يستجد من عناوين".
لمتابعة المقال كاملاً، يرجى زيارة الرابط التالي:
http://www.alqabas.com.kw/Article.aspx?id=546988&date=04112009
(1) http://www.perso.ch/slaibi/index3.htm
(2) http://www.iraqoftomorrow.org/iraqiarts/68592.html
(3) http://www.sdci.gov.ae/news258.html
http://www.egwriters.com/page.php?pg=news_res&news_id=524
Dr. Yasser Mongy
http://art-criticism.team-forum.net