قانون المطبوعات المعدل : لاجديد تحت الشمس !!

إرسال إلى صديق طباعة PDF

جاء في مذكرة وزير الإعلام حول الأسباب الموجبة لتعديل قانون المطبوعات الفقرة التالية: 
نشطت في السنوات الأخيرة حركة الطباعة والنشر في الجمهورية العربية السورية, وتزايد عدد المطبوعات الدورية من صحف ومجلات, وكذلك ازداد عدد دور النشر للكتب والمطبوعات في القطاعين الحكومية والخاص.


وكان لا بد من أن يواكب هذا النشاط والتوسع إجراء تعديلات في قانون المطبوعات التوسع, وتنسجم أيضاً مع مسيرة التحديث والتطوير في إطار الحرية المسؤولة,خاصة أن قانون المطبوعات النافذ حالياً,والصادر بالمرسوم 53 لعام 1949وتعديلاته حتى عام 1962 لم يعد يلبي الحاجة لتطوير مهنة الصحافة, وتشجيع مهنة النشر وأساليب النهوض بهما. لذلك تم إعداد مشروع القانون الذي روعي فيه التأكيد على حرية المطبوعات ومسؤولياتها في إطار القانون, وفي إطار تعزيز دور القضاء وحكم القانون لمعالجة المخالفات المتعلقة بجرائم المطبوعات. وصدر قانون المطبوعات الجديد بالمرسوم التشريعي رقم /50/ بتاريخ 22/9/2001, مؤلفاً من /67/ مادة ومتضمناً باباً خاصاً حول المطابع والمكتبات وباباً حول المطبوعات الدورية وشروط النشر بما فيها الصحفيون والمراسلون والمواد المحظور نشرها وشروط التصحيح والرد إضافة إلى باب حول استثمار المطبوعات بما فيها تعليق المطبوعة وحملها وتوزيعها وشروط الاشتراكات والإعلانات الرسمية, وكذلك باب حول جرائم المطبوعات وأصول المحاكمات متضمناً جرائم النشر وعقوباتها وأصول المحاكمات ونشر الأحكام. 
الواضح من خلال هذه المذكرة المقتضبة أن تعديل قانون المطبوعات الصادر قبل أكثر من خمسين عاماً قد تم على عجل ومن دون دراسة جميع جوانب القانون,وجميع المتطلبات التي تقضي شمولها في قانون المطبوعات الجديد, فالمذكرة التي كانت عمومية في كل شيء كانت واضحة في المقابل بشيء واحد هو التأكيد على حرية المطبوعات ومسؤولية الصحافة خصوصاً أن الفقرة التالية وضحت هذا الجانب معتبرة أن القانون الجديد جاء"في إطار تعزيز دور القضاء وحكم القانون لمعالجة المخالفات المتعلقة بجرائم المطبوعات..." وليس في إطار تعزيز وتنظيم حركة النشر التي اتسعت في سورية كما ورد في مقدمة المذكرة, لأن ما يتعلق بهذا الجانب جاء مطابقاً لما ورد في القانون السابق ما عدا الجوانب التالية: 
أ‌- أضيفت فقرة إلى المادة /2/ عرفت من هو صاحب المطبوعة. 
ب-الفقرة/ز/ من القانون الجديد اعتبرت أن عملية النشر هي نقل المخطوط إلى مطبوع وعرضه على الجمهور بينما اعتبر عملية النشر في القانون السابق أنها عرض المطبوعات على الجمهور وبيعها وتوزيعها 
ج- كذلك أضيفت فقرتان إلى المادة الثانية, الأولى عرفت بالناشر وحددته بأنه من يحصل على حق نشر المخطوطة ويتولى تحضيرها وتجهيزها للطبع ونشرها. والثانية عرفت بالموزع واعتبرته من يقوم بتوزيع المطبوعات ويعمل على إيصالها للمعنيين. 
والمادة/3/ استوعبت تغيير الهيكلية الإدارية التي حصلت خلال العقود الماضية والتي تمثلت بإحداث وزارة الإعلام لتحل محل مديرية الدعاية والأنباء, أما المادة /10/ من القانون الجديد فنصت على حق الوزير (الإعلام) بمنع دخول أو تداول المطبوعات الخارجية التي تمس بالسيادة الوطنية أو تخل بالأمن أو تتنافى مع الآداب العامة, مع العلم أن هذه الصلاحية كانت منوطة برئيس الوزراء في القانون السابق. وفي شروط النشر لإصدار المطبوعة الدورية نصت المادة/12/ على منح الرخصة بقرار من رئيس الوزراء بناء على اقتراح الوزير بينما كانت تمنح في القانون السابق بقرار رئيس الوزراء مباشرة, واستثنى القانون الجديد في المادة /15/ المطبوعات الصادرة عن الأحزاب السياسية المرخصة من تأدية ضمان يودع لدى خزينة الدولة أو كفالة مصرفية للسماح بالنشر بينما لم تستثن أية جهة في القانون السابق, واشترط أن يكون مدير المطبعة حائزاً على الإجازة الجامعية بدلاً من الثانوية وفي الجوانب الأخرى من القانون الجديد فإن التعديل شمل النقاط التالية: 
نصت المادة/22/ على إلغاء رخصة المطبوعة إذ صدر بحقها حكمان جزائيان خلال سنة واحدة, بينما كانت"خمسة" أحكام جزائية في القانون السابق.أما فيما يتعلق بحقوق المؤلف فقد نصت المادة/26/ من القانون الجديد على مراعاة قانون حماية حقوق المؤلف رقم/12/ الصادر بتاريخ 22/3/2001 بينما أفراد في القانون السابق فصل كامل لهذا الحق. 
وفي الفصل المتعلق بالصحفيين والمراسلين أضيف إلى القانون الجديد فقرة تخول الوزير سحب بطاقة الصحفي في حال امتناعه عن التعرف بالمصدر المسؤول في حال إسناده المعلومات لهذا المصدر. 
وفيما يحظر نشره أضيفت فقرة تتعلق بخطر نشر المقالات والأخبار التي تمس الأمن الوطني ووحدة المجتمع بينما اقتصرت هذه الفقرة في القانون السابق على أمن الجيش وسلامته. 
وفي الفصل التعلق بالتصحيح والرد حذفت الفقرة المتعلقة بحجم الرد, التي تنص على أنه يجوز رفض نشر الرد إذا كان الرد متجاوزاً في حجمه نصف حجم المقال المعترض عليه, إلا إذا دفع صاحب الرد أجر المثل عن القدر الزائد عن النصف وفي الرد على الإعلانات والمطبوعات غير الدورية سمح المرسوم بأن يكون حجم الرد يساوي حجم الإعلان بينما كان في القانون السابق لا يتجاوز نصف حجم الإعلان. 
وفي الباب المخصص لاستثمار المطبوعات وتعليقها حذفت الفقرة التي تحظر على الأفراد تعليق نشرات ملونة تمثل ألوان العلم الوطني أو الشعار السوري. وبينما حظر القانون السابق بائع المطبوعة من أن يعلن غير اسم المطبوعة وثمنها دون الإشارة إلى مضمونها علناً أشار القانون الجديد إلى التزام البائع بالإعلان عن اسمها وثمنها فقط. 
وكذلك فإن القانون الجديد كرس عمل الأطفال عندما سمح لمن لم يبلغوا الثامنة عشرة ببيع وتوزيع المطبوعات بموافقة وليهم. وفي جرائم النشر وعقوباتها نصت المادة/49/ من القانون الجديد على معاقبة مرتكبي جرائم الذم والقدح والتحقير بواسطة المطبوعات بالحبس من شهرين إلى سنة وبالغرامة من مئة ألف ل.س إلى مئتي ألف ليرة سورية, بينما نصت المادة /63/ من قانون المطبوعات السابق على معاقبة هذا الجرائم وفقاً لأحكام قانون العقوبات العام. 
وبينما حدد القانون السابق الحالات التي يؤذن فيها بإقامة البينة على صحة الذم. فإن القانون الجديد ترك هذه المسألة من دون تحديد, وأما بالنسبة لمسألة نشر الأخبار غير الصحيحة أو الأوراق المزورة فقد نص القانون الجديد على وصول العقوبة من سنة إلى ثلاث سنوات بينما كانت في القانون السابق لا تتجاوز السنة الواحدة. وبالنسبة لنشر المواد التي تشجع على ارتكاب الجرائم والتحريض عليها حدد العقوبة بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات بينما كانت في القانون السابق السجن سنة واحدة. 
كما حدد القانون الجديد عقوبة الاتصال بدولة أجنبية أو تقاضي الأموال من ممثليها والدعاية لها عن طريق المطبوعات بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين, بينما تركت في القانون السابق للعقوبات المحددة في قانون العقوبات العام. وفي الفصل المتعلق بأصول المحاكمات حددت مدة النظر بالدعوى أو بالاستئناف بشهرين بينما حددت بعشرين يوماً في القانون السابق. وأغفل القانون الجديد المادة/18/ من القانون السابق التي تقضي بتوقيف المطبوعة الدورية عن الصدور لمدة لا تتجاوز الشهرين في حال التعرض لرئيس الجمهورية أو مست كرامته أو نشرت عنه ما يتنافى مع صحفته الدستورية, إضافة لهذه التعديلات فقد تمت مضاعفة الغرامة المالية المنصوص عليها بموجب القانون السابق عدة مرات لتتلاءم مع القيمة الحقيقية لليرة السورية في الوقت الحاضر. 
هذا كل ما تم تعديله على قانون المطبوعات القديم والذي أصبح جديداً ويتلخص بدمج بعض المواد وإغفال البعض الآخر, وتبديل بعض الكلمات والمصطلحات, التي لا ترقى لتسميته بقانون جديد للمطبوعات. ويمكننا القول: إن القانون الجديد لم يستوعب التطوير الذي حصل على أنظمة الاتصال والإعلام اليوم, بل على العكس من ذلك أغفلها تماماً, وعدا عن التشدد الذي حصل في كافة المواد التي جرى تعديلها, فإن القانون أغفل مواد عدة كانت موجودة في القانون السابق ولا مبرر لإغفالها, الأمر الذي يجعل من القانون الجديد نسخة متأخرة عن القانون السابق, وضعت من أجل إعادة الترخيص لعمل وسائل الإعلام الخاصة, المطبوعة تحديداً. 
وقد جاء في تقرير المكتب التنفيذي لاتحاد الصحفيين المقدم إلى الاجتماع الثالث للمؤتمر العام بتاريخ 3 و4/4/2002 أي بعد أقل من ستة أشهر على صدور القانون الجديد, أنه لم يعد الصحفيون قادرين على تأدية عملهم مع ضمان الحد الأدنى من أمنهم الشخصي بوجود هذه التعابير المطاطة الغامضة العبارة.. وهذا الكم الهائل من النصوص العقابية الواردة في قانون المطبوعات الجديد؟ ما يؤكد أن القانون الجديد لم يأت ملبياً للآمال التي كانت معقودة عليه لجهة تقييد العمل الصحفي بدلاً من إطلاقه حيث جاءت بعض مواد القانون الجديد متراجعة عن مثيلاتها في القانون السابق! 
وتشير المذكرة إلى أن السمة العامة للقانون الجديد هي الحذر البالغ الذي يصل حد الخوف من ممارسة العمل الصحفي, الأمر الذي جعل هذا الخوف ينعكس بتشدد يرافق كل مواد القانون تقريباً كما انعكس بالدخول في تفاصيل تترك عادة لقرارات وزارية وتعليمات تنفيذية ولعل أبرز ما يؤخذ على القانون الإكثار من العقوبات والجزاءات المانعة للحرية أو المهددة بإغلاق المطبوعة أو سحب رخصتها بسبب حيناً وغير مفهوم وغير ضروري أحياناً كثيرة, ولعل الباب الرابع من القانون المتضمن( جرائم المطبوعات) فيه من الرعب ما يدعو إلى تضييق الخناق على حرية الرأي, فالقانون لم يكتف بالعقوبات التي نص عليها في مواده, ولا في تلك التي أحال فيها إلى قانون العقوبات, وقانون حماية الملكية الفكرية, بل أضافة فقرة غريبة, وهي الفقرة(ب) مادة/56/, حيث أوقع عقوبات إلى مخالفات لم تقع ولم تحدد مسبقاً وفي ذلك التفاف على مبدأ مشروعية الجرائم والعقوبات القاضي بأن لا جريمة, ولا عقوبة إلا بنص قانوني صريح. 
ولعل أهم ما جاء في مذكرة قانون المطبوعات تأكيده على أن العقوبات المانعة للحرية تكاد تكون عند أغلب دول العالم أثراً من الماضي لا تلجأ إليه إلا في الضرورات القصوى, وفي أضيق الحدود, وكذلك إشارته إلى أن قانون المطبوعات الجديد قد تجاوز قانون العقوبات السوري فيما يتعلق بجرائم الذم والقدح والتحقير مشدداً العقوبة على الصحفي بينما هي غير مشددة على الآخرين الذين يحاكمون وفق قانون العقوبات. 
وتخلص المذكرة أخيراً إلى ضرورة تعديل القانون باتجاه ألا يكون الصحفي عرضة للعقاب والإيذاء, والمساس بأمنه بسبب ممارسته مهنته, وأن يكون لاتحاد الصحفيين وحده مسؤولية محاسبة الصحفي عن إخلاله بأعراف وتقاليد وأخلاق المهنة وأدائها لأنه لا يمكن التسليم لأية جهة إدارية اختصاص تأديب الصحفي مهنياً. 
وفي قراءة لبعض المواد الأخرى أو المواد التي أغفلها القانون يمكن تسجيل بعض الملاحظات التالية: 
أ‌- إن القانون الجديد أغفل موضوع النشر الالكتروني كاملاً مع أن هذا الموضوع أصبح سمة العصر,واستحصل على مساحة جديدة في الساحة الإعلامية والاتصالية على حساب وسائل النشر الأخرى. 
ب‌- منح القانون الجديد صلاحيات واسعة وإضافية لوزير الإعلام على صعيد منع دخول المطبوعات أو منع تداولها وسحب بطاقة الصحفي, وكذلك اقتراح الترخيص لمطبوعة دورية جديدة. 
ت‌- لم يساو القانون بين الصحافة الخاصة والصحافة الحزبية مع أنها تعتبر جميعها خاصة عندما أعفى الصحافة الحزبية من تأدية الضمانة. 
ث‌- وفيما يحظر نشره: منح القانون الجديد للقضاء فرصة غير محددة في توجيه الاتهام إلى الصحافة بإضافة الفقرة المتعلقة بحظر نشر المقالات والأخبار التي تمس الأمن الوطني ووحدة المجتمع لأنه لا يمكن الاتفاق بدقة حول المسائل التي تمس وحدة المجتمع والأمن الوطني, وبإمكان أي جهة اعتبار أي تحقيق صحفي ينتقد جهة ما على أخطائها موضوعاً يمس وحدة المجتمع والأمن الوطني. 
وفيما يتعلق بنشر الردود منح القانون حقوقاً تتعارض مع أصول المهنة عندما حذف الفقرة المتعلقة بتحديد حجم الرد, لأنه مكن أي جهة من نشر مقالة أو رد مطول حول شكوى لا تتجاوز أسطراً أحياناً, لأن هذه المساحة الإضافية تعتبر مأجورة ومن حق الصحيفة تقاضي أجور نشرها من الجهة صاحبة الرد. كما أن حذف الفقرة التي تحظر على الأفراد تعليق نشرات ملونة تمثل ألوان العلم الوطني والشعار السوري, ترك المساحة واسعة لاستخدام الشعار الوطني وهو من المقدسات لأغراض شتى وفي مواقع غير مناسبة وأحياناً لأغراض شخصية ودعائية وينطبق الأمر ذاته على إغفال المادة/78/ من القانون السابق التي تقضي بتوقيف المطبوعة الدورية الأجنبية أو ممثليهم إذ إن إغفال هذه المادة غير مبرر لأن شخص رئيس الجمهورية هنا ليس بصفته الشخصية وإنما بصفته رمزاً وطنياً, كما هو الشعار الوطني والعلم والعملة الوطنية ويسجل على القانون الجديد أيضاً تكريسه لمسألة عمل الأطفال في الوقت الذي وقعت سورية على اتفاقية حقوق الطفل التي تنص " ..اعتراف الدول بحق الطفل في حمايته من الاستغلال الاقتصادي.." وأيضاً يسجل على القانون تجاوزه لتحديد الحالات التي يؤذن فيها إقامة البينة على صحة الذم, وكذلك إطالة مدة النظر بالدعاوى والاستئناف من عشرين يوماً إلى شهرين.


عن مجلة المبتدأ 


أنت الآن هنا