احتفاء بشيء ما.. احتفاء بالهزيمة عبر الشعر


ثمة ظاهرة تنتشر حاليا في المشهد الشعري العربي أوبالأصح في العديد من الكتابات الشعرية الحالية تعتمد على تسجيل اللحظة الشعورية كونها إحدى تجليات اللاوعي الذي يُفترض بالشعر أن يخرج منه أولاً، بعض هذه الكتابات يأخذ شكل التداعي اللاشعوري، ومن ثم يأخذ  شكل الهذيان اللغوي، وبعضها الآخر يشتغل على تدوين تلك اللحظة بامتدادها الزمني، طال أوقصر، دون الاشتغال القصدي عليه، أوالاتكال على بناء علاقات لغوية متنوعة، أوالاعتماد على الشغل على  التخييل في الجملة الشعرية بصفته معياراً متقدماً في عملية التصنيف الجمالي والفني للنص الشعري، بل يصبح التعويل في هذا النوع من الكتابة الشعرية على صدق اللحظة وخروجها على حقيقتها، طبعا بافتراض وجود الموهبة أولاً والتراكم الثقافي التدويني أوالشفوي لدى الكاتب ثانياً.


(احتفاء بشيء ما ) للشاعرة السورية أميرة أبو الحسن يمكن أن ندرجه ضمن هذا النوع من الكتابة الشعرية، فالشاعرة أثناء احتفائها بشيء ما  تقدم مجموعة من الحكايا، كما سمتها هي،عن الحب والرحيل والثبات، حكايا قصيرة تدون فيها يوميات لأنثى ما مع حالة حب بكل تفاصيل الحالة اليومية، إذ ثمة نقصان دائم في الحب وثمة انكسارات متواصلة، وكأن الحب لا يحمل معه إلا الحزن والخيبة، ومن هذا الحزن يأتي الشعر، بهذا المعنى تصبح الكتابة لا مبرر لها حين يحمل الحب الفرح والغبطة والأمل، تصبح الحياة مع الحب أكثر جدوى منها مع  الكتابة، تأتي الكتابة حين ينكسر الحب  وحين يفقد العاشق الأمل بنيل السعادة: (الليلة / سأنتقي ثيابي بحرص شديد / لتخفي ما تراكم في غيابك / وأذهب للرقص / وربما سأغوي أحدهم / بأن يلتقطك عن كاهلي/ لدقائق / كي أعود متعبة وأنام) .

وأثناء تدوينها لهذه اليوميات لا تنشغل أميرة أبوالحسن كثيراً بمداورة لغتها الشعرية والوقوع تحت إغرائها والغوص في جمالها، بل تترك لها أن تظهر كما يحلولها، منحازة إلى البساطة  والعفوية  لا  إلى التركيب والقصدية، وهذا  قد يكون في صالح النص القصير أوما يسمى النص / اللقطة، ولكن في النصوص الطويلة نسبياً تدخل اللغة في فخ السرد، (كنت أنتظرك /تأخرت اليوم كثيراً/ وكانت محطة الجزيرة تعرض برنامجاً عن تعذيب المواطن / للحفاظ على أمن الدولة في مكان ما من العالم / يبدو أني خفت على نفسي من انهيار عصبي فلم أتابع البرنامج جيداً/ فجأة / لم يعد لدي ما أقوله لك / فجأة لم أعد أحبك) .

وتقترب أميرة أبو الحسن كثيراً من تجارب العديد من الشاعرات العربيات من حيث علاقتهن بالآخر الرجل، علاقة تنبثق من اللاوعي الذي لا يرى في الذات نداً لهذا الآخر، وإنما ملحقة به وتتبع وجوده رغم أن هذا الوجود هوما يسبب الألم للذات، لتتحول العلاقة  في داخل المرأة الشاعرة إلى علاقة قد  نستطيع وصفها بالعلاقة المرضية  (المازوشية)، وليتقمص ذلك الآخر دور السادي ( يرقص كل هذا الثلج في كأسي / ألا يكفي صقيع خلفته في راحة يدي / يدي تحدق ببلادة في رتابة اللامعنى المعلق على اصفرار وجهي / لا أعرف إن كان علي أن أتوقف قليلاً / لينهكني الانتظار أكثر/ فأنا منهكة بي وبك / يبكيني عجزي عن البكاء)، هذا النوع من العلاقة سيترك تأثيره على آلية الكتابة الشعرية وعلى اللغة خصوصاً، فمساحة عالم الشاعرة هي المساحة التي يحددها لها الآخر الرجل، وستضيق حتما طالما هذا الآخر يصر على ساديته /رحيله / غيابه، ضيق مساحة العالم  سينتج ضيقاً مقابلاً في التعبير عنه، فلا توجد مساحة للخيال كي ينتج عالماً مقابلاً أو بديلاً عن العالم الحالي، ولا توجد مساحة للغة لتنتج نصاً معادلاً  للحياة البديلة، ما يحدث أن النص بلغته وخياله يتشابه إلى حد التطابق مع العالم الأساسي المرتبط بالرجل، فكأن ما تفعله الشاعرة هو إعادة إنتاج هذا العالم عبر النص ولكن بشروطه بنفسها وبأدواته نفسها (النوم نعش ضيق / وسريري يحتفظ في ذاكرته بأدق تضاريس نومك / أفر هاربة منهما / أرتب فوضاي المؤجلة دوماً /للاحتفاء بيوم حزين كهذا /لكنك بإلحاح شديد / وكيفما أدرت وجهي / كنت تعطيني رأيك في كل صغيرة وصغيرة) .

بهذا المعنى  لا تخرج الشاعرة عن النسق الأنثوي المستسلم، ما من احتجاج صريح على الواقع المعاش، ولا خرق للمفهوم السائد عن الكتابة الأنثوية، ومن هذا المعنى أيضاً لا يمكن الحديث عن (النسوية) كمصطلح نقدي يبشر بتأنيث العالم مادام العالم هوالآخر فقط، ووجود الذات الشاعرة لا مكان له خارج هذا الآخر، حتى بالوهم لا يوجد هذا المكان ( الحبة الدائرية بلون البنفسج/ اللون نفسه الذي تكتب به رسائلك إلي/ الطبيبة قالت اقسميها نصفين: نصف كل ليلة والنوم سيأتي/ النوم سيأتي /سيحمل معه أحلاماً دائرية/لها لون البنفسج / اللون نفسه الذي لا يجيده أحد غيرك ) .

لا بد من القول إنه من المثير اكتشاف الدهشة حين يقرأ المتلقي العنوان (احتفاء بشيء ما) ليكتشف  في متن الكتاب أن الشاعرة تحتفي بحزنها وألمها وقلقها وأرقها وخيبتها ووحشتها  ووحدتها وهزيمتها، ثمة جرأة، ليس في الإعلان عن هذا فقط، بل في الإصرار على الاحتفاء به عبر الشعر .


 

الكتاب: احتفاء بشيء ما - شعر

الكاتبة: أميرة أبوالحسن

الناشر: دار النايا - دمشق  2008 .

 

أنت الآن هنا