ثلاث مستويات للنظر إلى الوجود، في المستوى الأول، والذي للأسف هو الغالب يعيش الإنسان حياة غيره ويجهل أن له حياة خاصة به. الأفكار والقيم والمعرفة التي تلقاها من محيطه الاجتماعي تحجب شخصيته الأصلية، ثم تحل محلها بالتدريج. وكأن إنسان هذا المستوى يعيش بالوكالة عن الأهل والمجتمع والعقيدة. هذا الصنف خطر للغاية وهش أكثرهم جنود الطغيان وسلاحه، هم متعصبوا الطوائف والأديان، هم المثقفون الدعويون سمتهم الخاصة والجوهرية؛
أنهم يفتقدون بشكل كامل للفردية ويعيشون بوهم الخير والصح والحقيقي. لا شفقة لديهم لأن وجدانيتهم العميقة لا تتسع إلا لرعبهم الطفولي المكبوت عميقا في اللاوعي، يمارسون النفاق بتلقائية، ببساطة أخلاقهم في الخارج، ويستبطنون هذا الخارج فقط في دواخلهم بفقره وقبحه. لا أظن أن الانتقال الى المستوى الثاني يتم إلا عبر صدمة شديدة هي أشبه بزلزال داخلي.. أكثر من يمثلون هذا الصنف هم المنتحرون، يليهم المقامرون والمغامرون والسكارى وفنانوا وأدباء الدرجة الثانية.. بالطبع في المستوى الأول لا فن ولا أدب، إلا إذا اعتبرنا سوالف عبد الرحمن منيف ومطولات محمود درويش وعقل عويط، أدباً وفنا.. هم شعراء وأدباء المستوى العمومي. يمكن العثور في العربية على أدب وفن المستوى الثاني، وأصنف أشباه العزلة ونحن لا نتبادل الكلام.. ضمن هذا المستوى. كذلك رشيد الضعيف وبعض وديع سعادة والماغوط وإيمان مرسال وأعمال زياد رحباني وسينما عبداللطيف عبدالحميد وبعض أعمال أنسي الحاج يمثل هذا المستوى أيضاقاسم حداد. السمة الأساسية في فكر وفن هذا المستوى هي التناقض، والطفولية الجارحة المزعجة لكنها الحقيقية.. أول ما يصدمنا في هذا المستوى، لا أخلاقية الأم والأب، ومن ينوب عنهما تحديدا واللا أخلاقية التي أعنيها هنا، هي حالة التشبع بالأخلاق السائدة القائمة على ثنائية العقاب والثواب. وهي أخلاق السلطة، السلطة الاجتماعية أولا تليها الدينية ثم السياسية، وللأسف مع كل عيوب السلطات السياسية في بلادنا، تبقى هي أهون الشرور.. العيب الأساسي في السلطة الأخلاقية، التي تقوم على استبعاد الفردية، الأصالة، الجوهري.. باختصار؛ أخلاق السلطة تقوم على نفي الحرية الداخلية التي هي شرط القيم والتي تهب الكائن الإنساني معنى وجوده في الجوهر. التمزق الداخلي يبدأ في هذا المستوى ومن بمقدوره الإصلاح فليهرع. هنا الموت موجود بلا أقنعة، كذلك الغرائز، وكل ما تم كبته وتخبئته.. للأسف في هذا المستوى نحتاج ليس للحب فقط.. بل للرعاية بمعناها المباشر والصريح، كما يحتاج الطفل إلى الرعاية البيولوجية، يحتاج الرجل والمرأة في هذه الطفولة الوجدانية للرعاية فعليا، لكن السؤال الأزلي: من بمقدوره المساعدة على هذا المستوى؟.. أعتقد أن هذا هو الدور الجوهري الذي قام به الأنبياء والشعراء والفنانون على مر العصور. هل تسمح شروط الثقافة العربية القديمة والحديثة بنشوء أفراد هذا النوع ؟. أخشى أن المستوى الثالث ينتمي إلى الوهم أكثر من الحلم في العربية في المستوى الثالث تنبثق أصالة الفرد.. كالقمر بين الغيوم الكثيفة لا أعول على رجل عربي بهذا المستوى، أما بالنسبة للمرأة، فأحلم بذلك، ولا يمكنني إلا الاستمرار في الحلم بذلك الإنسان في المستوى الثالث، لا يحتاج لما يدل عليه، هو الإبداع بعينه لا يقلد ولا يكرر، كذلك لا يمكن تقليده أو تكراره.. زعمت في بداية كلامي أنني عرفت المستويات الثلاث، وهذا هو الدليل القاطع على أنني لم أغادر المستوى الثاني أبدا.. لا وجود للادعاء أو الأدعياء في هذا المستوى، الشعر والأدب والفنون التي سأحتفي بها ضمن هذا المستوى، أعرف بالعربية كتابا واحد هو كذلك، كتاب ايف بونفوا وأدونيس أعتبر الكتاب نتاجا مشتركا للاثنين..الطريق إلى الجوهري: مرعب ومضلل وقبيح بلا شك، من يقوى على تحمل ذلك؟.
الكاتب حسين عجيب هيئة تحرير الموقع ، كاتب وشاعر سوري