حال البلد - ثقافات

حال البلد

لافتة إعلانية

رئيف خوري المنوّر الموسوعي

في النظرية الادبية عند رئيف خوري:

يعتبر رئيف خوري رائد الواقعية كنهج نقدي في الممارسة النظرية والادبية العربية. والواقعية عنده "تغدو منظورا جماليا يحقق في اطار الممارسة الادبية ما كانت تحققه الماركسية في مجال الممارسة الفكرية والاجتماعية والسياسية". (1)

ثلاث و أربعون عاماً على وفاة رئيف خوري

      باستثناء جبران ونعيمه والريحاني، لم ينل أديب لبناني شهرة واسعة كالتي نالها رئيف خوري (1912 – 1967). فقد كانت الحياة الأدبية اللبنانية في خمسينات القرن الماضي تعجُّ بالأدباء الخلاّقين أمثال مارون عبود وسعيد عقل وتوفيق يوسف عواد ومحمد يوسف حمود وسعيد تقي الدين. لكن حين قدِم الأديب المصري الشهير طه حسين الى بيروت ليجيب عن السؤال: "لمن يكتب الأديب ألِلْكافَّة أم للخاصَّة؟" لم يجد منظّمو المناظرة غير رئيف خوري لمواجهة معرّي القاهرة. فما سر ذلك؟ وهل يعود الى ان جواب طه حسين كان جاهزاً سلفاً ومفاده ان الأديب يكتب للخاصة، و"لم يعد في الميدان إلا حْديدان"، بمعنى ان يكون المتناظر مؤمناً بأن الأدب للعامة. طبعاً، كان في بيروت أدباء آخرون ينتمون الى مدرسة الأدب الملتزم. لكن رئيف خوري كان حائزاً معطياتٍ أخرى، أحدها حصوله على شهادة النقاد والقراء كباحث وخلاّق أدبي وهو في العشرين من عمره، قبل نواله شهادة بكالوريوس الأدب العربي وتاريخ الدراسات الشرقية من الجامعة الاميركية البيروتية. المعطى الثاني ان التيار العروبي اليساري الذي شمل منظمي المناظرة، كان جارفاً عام  1955، وكان خوري يحتل رأس لائحة الأدباء اليساريين العروبيين في لبنان.

رئيف خوري: تنويري لبناني اقترح وظيفتين للفكر النقدي

 عرفت الثقافة العربية، في القرنين التاسع عشر والعشرين، جهوداً فكرية متلاحقة، أخذت بتصورات حديثة، اعترفت بالعقل ووظيفته النقدية، وباختلاف أسئلة الحاضر عن الماضي، وبضرورة الانفتاح على المعارف والتجارب الإنسانية الكونية. وتطلّعت هذه الثقافة إلى حداثة عربيّة، تتأسس على الديمقراطية والمجتمع المدني والاستقلال الوطني وتحرر المرأة والحوار المجتمعي، بعيداً عن التعصب والأفكار الجاهزة.

رئيف خوري أو ناقد الدولة

لا شك أن الجمعيات والأحزاب الأكثر ثورية في فكرها السياسي والفلسفي، كانت عرضة للاضطهاد. فالذي كان يجاهر بصراع الطبقات وبالدولة الطبقية كان هدفاً للاضطهاد وربما للموت جوعاً. لقد كانت هذه المسألة إحدى مآثر الثورة الفرنسية أولاً، ثم الثورة الروسية ثانياً، وكان رئيف خوريأكثر الروّاد تثقيفاً لفكر جيل المفكرين بعد الحرب العالمية الثانية، وقد بدأ نشاطه السياسي المبدئي بإصداره كتاب «حقوق الإنسان»، ثم كتب سنة 1944 موسوعته التاريخية ـــ السياسية: «الفكر العربي الحديث».



لم يؤرخ رئيف خوري أحداث الثورة الفرنسية بل ركّز على أثر الأحداث الثورية في الفكر العربي الحديث، وكتب مقالة «أيها الأديب، مَن أنت؟»، داعياً للدفاع الصريح والجريء عن كرامة الأدب والأديب وحريتهما معاً.
وكان ميخائيل نعيمة أول مَن استجاب لهذه الدعوى، فدافع في مقالته «الأدب والدولة» عن كرامة الأديب وحقّه في الحرية. وقال نعيمة: «إنّه لمَن الخير للدولة أن تعيش والأدب في سلام فلا تحاول تقييده في ما يفكر ويشعر. إن من يقارن بين مقالة رئيف خوري «أيها الأديب مَن أنت؟» ومقالة نعيمة «الأدب والدولة» يتلمّس التباين بينهما، وهو تباين ناتج نظرياً من الفرق في النظرة والرؤية، وسياسياً من موقف أديب يشتغل في السياسة من أجل الإنسان وحقه في الحياة، وأديب ابتعد عن السياسة في عزلةٍ اختارها طوعاً بإرادته.
يقول الدكتور علي سعد: إن رئيف خوري ناضل بعناد ومثابرة لا مثيل لهما، في سبيل بناء مجتمع ديموقراطي اشتراكي ينعم فيه المواطنون بالأمن والعدالة الاجتماعية وحرية الرأي والمعتقد. لقد أصيب رئيف خوري بخيبة أمل كبرى عندما رأى أن المدينة الفاضلة الفارابية، والمدينة العظمى الريحانية لا تزالان حلماً في مسيرة الإنسانية، وخاصة في هذا الشرق حيث تسود شريعة
القمع.
وعندما رفع شعاره «نقد الدولة»، كان على قناعة بأن السلطة التي تجعل من الجماهير أكفّاً للتصفيق وحناجر للهتاف لا بد من أن تلتقي والسلطة الاستبدادية الحاكمة باسم الحق الإلهي.
وكتب الدكتور علي سعد في مقالته «رئيف خوري مع الشعب والوطن» فقال: لقد مرّ رئيف خوري باكراً بالتجربة الماركسية، وحمل المضامين الأساسية لعقيدتها مدة لا تقل عن ثلث عمره الناشط باعتباره كاتباً وشاعراً ومؤلفاً مسرحياً وقصصياً ومنظّراً فكرياً وخطيباً جماهيرياً فذّاً مع بقائه خارج الانتظام الحزبي.
وفي كتابه «الفكر العربي الحديث»، أراد رئيف خوري أن يكون مدرسة للتحريض الثوري ضد الاستبداد وضد ما يسمى موقع الحكم الإلهي، الذي ارتدى زيّاً آخر غير زي الملوك والأمراء. وقد ذكّر بمواقف الأديب الراهب فينلون الذي بعث إلى الملك لويس الرابع عشر برسالة جريئة للغاية وفيها يقول: إن الشعب الذي أَحَبَّك ووثق بك كثيراً ها هو الآن يفقد ثقته واحترامه، إن الشعب يعتقد بأنك لا تحب غير سلطتك ومجدك. هكذا وبكل جرأة خاطب هذا الراهب... ذلك الملك!

JPAGE_CURRENT_OF_TOTAL

أنت الآن هنا