تشرشل- أعظم رئيس وزراء بريطاني- أراد تعريف نفسه فقال:«أنا من بلد شكسبير».
إن هذا لا ينطبق على البلاد، ولا على كل الأشخاص، ولا على كل الطرق الذكية في رفع الواقع إلى مرتبة الرمز! فثمة بلدان تفتخر بأنها ذات رقعة جغرافية أصغر من قرية كهولندا- وتنتج قدر ما ينتجه العالم العربي ما عدا النفط.
وثمة بلدان تفتخر بالأسرة بدل الأنبياء والشهداء الكونييّن. وهناك ما يبدو أنه شيء فضائي كأن يسألك تونسي، مثلاً، عندما تقول له أنا سوري: «.. آ.. أنت من بلد دريد لحام».
كان بريطاني قد رأى الهيكل العظمي الحي، المريض، حتى الموت، للشاعر بدر شاكر السياب، فقال: «أتمنى أن أعيش شاعراً بريطانياً». وبعد أن رأى، هو نفسه، الحفاوة اللاحقة بجنازة وذكرى السّياب...
قال: « لكنني أتمنى أن أموت كشاعر... عربي»
في بلاد الأحلام العظيمة، والممرات العظمى (طريق شائك إلى هذه الأحلام)... هناك من يستحق تمثالاً حياً في الذاكرة وفي الأماكن اللائقة للتأمل. لأن ثمة تعبيراً واحداً، هو صغير وبسيط، وغير إنشائي للامتنان لهؤلاء.. « شكراً... من أجل تضحية غير مسبوقة.
شكراً... من أجل نص يجعل قارئه أفضل حالاً بعد القراءة. شكراً..
لأن وجودك بيننا دلّ علينا!» إلى آخره...!
إن هويات البلدان، مثل هويات الأشخاص، تراكمية ومتنوعة، موحّدة في البطاقة مختلفة في «الذات الإنسانية». وينبغي احترام التراكم، فلا أحد يلغي أحداً، ولا جيل يقول للممحاة اكتبي سيرة من سبقوني. وينبغي احترام التنوع في الهوية الواحدة، وصولاً إلى الفرد، الذي وإن غرّد وحيداً خارج السرب، يكون غناؤه تعبيراً عن نوع بأكمله.
ما نحتاجه هو تاريخ متصل، تاريخ لا يُكتب بقلم سلطة زمنية سادت ثم بادت، ثم تعاد كتابته بأقلام سلطة أخرى هي الأخرى سادت ثم بادت. وكلنا يعلم أن ا

لحذف – بريئاً أو مقصوداً- هو....
كتابة!
وإذا كان التاريخ موجودية الأحداث، فإن الأشخاص موجودية اللحظة في التاريخ، لا تلك ولا هؤلاء قابلون للحذف. والتاريخ قصة، أكثر رسوخاً كقصة بتفاصيل ذات طبيعة إنسانية. وأظن أن الأدب هو المغذّي الأول لثقافة الاهتمام بالتفاصيل:
إن يوسف العظمة في كل 17 نيسان، بزمن سوري، هو بطل تضحية تراجيدي0ولكن القصة ليست كذلك في ثقافة الأجيال السورية. إنه بطل معركة ميسلون في لحظة موت استشهادي.
في قصته يجب وراثة المعنى. يجب أن نتذكر كيف أوصى بأن تتمكن ليلى، ابنة وزير الدفاع الأول في سورية، من العيش. فالدم الذي تركه لها لا يشتري خبزاً وهو لم يملأ جيوبه من خزائن الجند.
إن يوسف العظمة، في يوم استقلال سورية، هو الشخص المؤلم المفرح في وقت واحد... وداخلياً، على مستوى الجغرافيا يمكن الإجابة عن سؤال من أين أنت؟
- من بلد يوسف العظمة!1
1 - هذا رأي العام الماضي في ذكرى الجلاء. ويبدو أنه رأيي دائماً.