فرانسيس بيكون ...فارس من زمن التنوير البريطاني

ولد بيكون في لندن 1561 وكان والده حارساً للختم الملكي لبلاط الملكة اليزابيث وفي عهد هذه الملكة أنتعشت النهضة العلمية في مختلف بلدان اوربا فظهر غاليلو وكوبرنيكوس فيعلم الفلك وجلبرت في علم الكهرباء والمغناطيسية وهارفي في علم التشريح والدورة الدموية ..الخ وابتدأ البشر يتطلعون الى عصر جديد بعيداً عن الخرافات القديمة والخوف من المجهول .


وقد حول اكتشاف امريكا التجارة من البحر الابيض المتوسط الى المحيط الاطلسي وبهذا ارتفع شأن الشعوب الاطلسية وانتقلت السيادة التجارية والمالية الى لندن وباريس ومدريد وامستردام بعد ان كانت في روما وفلورنسا وميلانو والبندقية .


بعد ان درس بيكون في جامعة كامبرج تقلد مختلف المناصب السياسية العليا محققاً بذلك أحلام أفلاطون عن الحاكم الفيلسوف . ومع انشغالاته السياسية الكبيرة الا انه لم يترك البحوث والدراسات الفلسفية . وقد بلغت لغته من جمال النثر ما بلغه شكسبير من جلال الشعر، واسلوبه محكم ولكنه مصقول ولا تجد كاتباً فيتأريخ الادب الانكليزي اكثر قدرة وغزارة في استخدام الالفاظ وجمال الاسلوب من بيكون . 

وكانت فلسفة بيكون الأخلاقية تنزع الى الميكافيلية اكثر منها الى المسيحية لأنه اعتبر ان الميكافيلية تنم عن معرفة حقيقة طبيعة البشر ويدعو الى ان تكون المعرفة فيخدمة العمل . وقد أتهم بالالحاد لأن اتجاه فلسفته كان دنيوياً وعقلياً ولكنه كان يدافع عن نفسه بقوله (قد لا اعتقد بجميع القصص والاساطير التي جاءت بالكتب الدينية ولكن لا يمكن ان اعتقد بعدم وجود عقل مدبر لهذا العالم ) 

تتجه فلسفة بيكون الى الناحية العملية اكثر من الناحية النظرية التي كانت تتبعها الفلسفات القديمة واللاهوتية . وتدعو الى اعتماد العلم والبحث العلمي لأنه بدون ذلك لا يمكن معرفة قوانين الطبيعة التي عن طريقها يمكن السيطرة على الطبيعة وخدمة البشرية . وكانت هذه الدعوة في ذلك الوقت المبكر من تأريخ الأنسانية تعد ثورة على التفكير التقليدي الذي كان سائداً والذي يمجد الخرافات والاساطير ويأخذ بها على انها مسلمات و حقائق غير قابلة للنقاش . 

كان بيكون يأخذ على الفلسفة التي كانت سائدة في القرون الوسطى جمودها واجدابها لأنها تدور بنفس المدار منذ عهد ارسطو وطيلة الفي سنة . ويقول أن عقل الانسان يشبه المرآة غير المستوية التي تنعكس خواصها على مختلف الاشياء وتشوهها لذلك فأن افكارنا هي صور عن انفسنا اكثر من كونها صوراً للاشياء . ومن اخطاء العقل الانساني انه اذا امن برأي ما سواء كان ايمانه عن طريق التسليم والايمان به او لأي سبب آخر نجده يرغم كل شيء لتأييد او اثبات رأيه . 
ويقدم بيكون نصيحة لطالب علم الطبيعة وهي أن يضع موضع الشك كل شيء يقتنع به عقله . 
ومن اخطاء العقل التي يسميها بيكون (اوهام الكهف) تلك الاخطاء التي يختص بها الانسان الفرد لان لكل انسان كهفاً خاصاً به يعمل على حرف الوان الطبيعة وتغيير لونها وهذا الكهف هو طبيعة كما كونته الطبيعة ومزاجه او حالة جسمه وعقله فبعض العقول تنزع الى التحليل وترى اوجه الخلاف والتباين في الاشياء أينما وجدت وبعض العقول بطبيعتها تركيبية تميل الى البناء والتركيب وترى اوجه الشبه بين الاشياء . وبعض العقول تميل كثيراًالى تقدير كل ما هو قديم وبعضها تحتضن بحماس كل امر جديد والقليل منها تستطيع الاحتفاظ بالحد الوسط . من أخطاء العقل ايضاً الاخطاء التي نشأت بسبب اللغة . فاللغة فرضت كلماتها على الناس وفقاً لعقلية العامة من الناس حيث ينشأ سوء تكوين هذه الكلمات تعطيل شديد للعقل حيث يتحدث الفلاسفة عن المسبب الذي لايتسبب او المحرك الذي لا يتحرك ولكن كل عقل سليم يدرك استحالة وجود مسبب بلا سبب او محرك بلا حركة . 

ويرى بيكون انه لايمكن الوصول الى حقيقة جديدة ما دام الانسان يأخذ بعض القضايا او الاراء كقضية مسلم بها مع ان هذه الاراء قد تكون خاطئة لذلك فأن اعتبار اليقينيات والمسلمات كنقطة بداية في البحث لا يمكن ان تقود الى حقيقة جديدة وعلى هذا فأن المطلوب ان توضع هذه المسلمات موضع الفحص والملاحظة والتجربة . لأن الانسان عندما يبدأباليقينيات فأنه سينتهي بالشك ولكنه عندما يبدأ بالشك فأنه سينتهي باليقينيات وتلك هي في الحقيقة بداية الفلسفة الحديثة . 
في القرون الوسطى دعم الملوك والاباطرة سلطة الكنيسة ولكن الكنيسة امتصت بشكل تدريجي سلطة الملوك والاباطرة وتنامت تنامياً كبيراً ثروتها ونفوذها الى درجة انه مع بداية القرن الثالث عشراصبحت الكنيسة تمتلك ثلث الارض في اوربا بأسرها وامتلأت خزائنها بالأموال الطائلة ولكنها بنفس الوقت فرضت على العقل الاوربي طوقا ًشديداً من الوصاية التي أدت به الى التوقف والجمود . 

تحركت الفلسفة المدرسية داخل هذا الطوق من دون أن تستطيع النفاذ خارجه بل أن رجل الدين توما الاكويني حول فلسفة ارسطو المتحررة الى فلسفة دينية للقرون الوسطى . وكل ذلك كما يقول (فرنسيس بيكون ) قد جعل الانسان يدور حول نفسه من دون ان ينتج شيئاً جديداً سواء في ميدان العلم او في ميدان الفلسفة لذلك فأنه بدأ يفكر في اعادة بناء الفلسفة وتجديدها 

لقد قام بيكون بتفسير اسباب ركود الفلسفة بسبب التشبث بالاساليب القديمة ووضع تصنيفاً جديداً ًللعلوم وقام بوصف طريقته الجديدة في تفسير الطبيعة والعلوم الطبيعة وبحث في ظواهر الطبيعة وكانت افكاره تتميز بأنها تتجه الى الناحية العملية اكثر من الناحية النظرية ووضع الاسس لأهمية التجربة والنتيجة التي تميزت بها الفلسفة الانكليزية كما وضع الاسس لأنشاء موسوعة بريطانية وتصنيف المعارف والعلوم . وكان يقول بأنه لا يمكن ان نسود الطبيعة ما لم ندرس قوانينها وان طريق العلم هو طريق وعر وكثير الالتواءات لذلك يجب دراسة كل علم من العلوم ووضعه في مكانه المناسب وتفحص عيوبه وحاجاته وطبيعة المشاكل الجديدة التي يثيرها . 

لم يكن( بيكون ) يريد النظر الى الحقائق المنعزلة خارج سياقاتها وعلاقاتها من غير اعتبار وحدة الطبيعة لذلك فأنه ينظر الى العلوم نظرة اجمالية حيث ينبغي تطوير العلوم وفقاً لنظرة مستقبلية وينبغي ايجاد قوة ونظام خارج العلوم لتنسيقها وتوجيهها الى هدف ومن غير الممكن سيرها في الطريق السليم بدون تحديد اهداف مسبقة لتطورها وان من يقوم بهذه العملية هو الفلسفة التي تعمل على تنسيق الاهداف والنتائج العلمية بشكل منظم من اجل ان تحقق هذه العلوم النجاحات المطلوبة . 

كما كان يرى انه لا يجب ان تترك ادارة شوؤن الدولة الى الجهلاء من رجال السياسة لذلك فأنه يدعو الى ان يتحول الفلاسفة الى ملوك والملوك الى فلاسفة من اجل ان تتمكن البشرية من اصلاح شوؤن العالم. 

يقول (بيكون ) ان استيعاب العلم والوصول به الى مرتبة الكمال والسيطرة على النظام الاجتماعي يضع العلم تحت تصرف البشر واشراقهم وبهذا يتم تحقيق المدينة الفاضلة المثالية التي علق الانسان آماله عليها منذ آلاف السنين وقد شرح شكل العالم الذي وصفه في كتابه الموجز والذي كان آخر انتاج له وهو( اطلنطس الجديدة) والذي نشره قبل عامين من وفاته. ويقول الكاتب الانكليزي هربرت جورج ولزعنه بانه (اعظم خدمة قدمها بيكون للعلم ) . 


رسم بيكون في هذا الكتاب صورة المجتمع الذي وجد فيه العلم مكانه الذي يستحق بمثابة السيد للاشياء وحيث ان العلم هو دستور الحياة في هذه المدينة الفاضلة وحيث يحكم العلماء بأسم العلم وعن طريق العلم . 

كان افلاطون في كتابه (تيماوس) قد ذكر اسطورة اطلنطس القديمة القارة الغارقة في البحار الغربية وقد شبه بيكون امريكا القارة الجديدة التي اكتشفها كولمبوس بقارة الاطلنطس القديمة التي غرقت وقد تصور اطلنطس الجديدة بانها جزيرة نائية في اقصى المحيط الهادي وآفاقه المجهولة هذا المحيط الذي لم يعبره سوى ماجلان . وهذه الجزيرة بعيدة عن اوربا بالشكل الذي يسمح بأن تقدم مدى فسيحاً لتصور المدينة المثالية الفاضلة . 

لم يستطع بيكون في حياته دخول ارض العلم الموعودة حيث انه توفي في سنة 1626 ولكنه استطاع ان يقف على حدودها ويشير الى جمال معالمها من بعيد . 
ان اعمال بيكون الفلسفية استطاعت ان تحرك العقول وتغير العالم فقد دشنت بداية عصر النهضة الذي غير وجه العالم . وعندما قام كبار علماء وفلاسفة عصر التنويرالفرنسي بمهمة وضع المشروع الفكري العظيم وهو كتاب دائرة المعارف (الموسوعة ) اهدوها الى فرنسيس بيكون بأعتباره رائد حركة النهضة العلمية . وقال الفيلسوف ديدرو اننا مدينين بالكثير الى بيكون الذي وضع خطة قاموس عالمي عن العلوم والفنون في وقت خلا من العلوم والفنون . لقد كتب هذا العبقري الفذ عن الاشياء التي ينبغي تعلمها في الوقت الذي تعذر فيه وضع تاريخ للاشياء المعروفة ) 

لقد سارت جميع الاعمال الفكرية البريطانية على نهج فلسفة بيكون . فقد كان صوته هو صوت جميع الاوربيين الذين حولوا القارة الاوربية الى ارض كنوز العلم والفن والحضارة وجعلوا منها مركز العالم في حينه . 

وقد سار على نهج بيكون واكمل مسيرته على طريق التنوير والثورة الفكرية فلاسفة افذاذ من امثال سبينوزا وفولتير وروسو وكانت وغيرهم ممن كان لهم الفضل الاول فيما وصلت اليه البشرية الآن من تقدم ورقي والذي تجني ثماره في منجزات علمية وصناعية هائلة غيرت درجة العالم .


أنت الآن هنا